Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ابن تيمية" مادة سجال وصراع حيا وميتا

هكذا وظف المتشددون الشخصية الأسطورية "شاهد زور" في عقود الصحوة والإرهاب

القلعة التي سجن فيها ابن تيمية   (ويكيبيديا)

اعتادت وسائل إعلام عربية اغتنام الموسم الرمضاني في تجديد الحديث عن شخصيات عربية وإسلامية، لها تاريخ من نوع ما في المنطقة، إلا أن تناول مسلسل "الاختيار" لابن تيمية لم يكن من هذا القبيل، إذ جاء في سياق لم ينقطع أبداً منذ عقود إن لم يكن منذ قرون، ظل فيها الفقيه الحنبلي أو شيخ الإسلام كما يلقب أحمد بن عبد الحليم الحراني، محل جدل ومادة للصراع بين التيارات، منذ حياته في القرن السابع الهجري، الثاني عشر الميلادي، حتى اليوم.

وتلك الحالة من السجال التي أحيطت بها الشخصية التاريخية، جعلت منه حاضراً في عالم اليوم أكثر من الأئمة الأربعة الذين يتبعهم ملايين المسلمين في الكرة الأرضية، ففي محرك "غوغل" البحثي نرى النتائج التي يحيل عليها المحرك عن ابن تيمية قريبة من 9 ملايين نتيجة، بينما جاء أئمة المذاهب كافة دونه بمراحل على التوالي؛ أحمد 7 ملايين، ثم مالك خمسة، وأبو حنيفة أربعة، وأقلهم الشافعي نحو ثلاثة ملايين.

الوصاية على الشخصية والانتماء

وكان مسلسل "الاختيار" الذي يعالج قضايا الإرهاب والتطرف، اقتبس إحدى فتاوى الفقيه الأسطورة على لسان أحد التكفيريين، الذي سئل عن حكم قتل المدنيين مع العسكريين، فكانت إجابته، أن الأبرياء "يُبْعَثُون على نياتهم كما قال شيخ الإسلام بن تيمية"، مما اعتبر إساءة للمنقول عنه، دفعت فضائيات مثل "الجزيرة" القطرية إلى النفخ في "هاشتاغ" محدود انطلق يستنكر الاقتباس المذكور بعنوان "ابن تيمية مش إرهابي"، على طريقة "والغوا فيه لعلكم تغلبون"، متجاهلين السياق الذي أورد فيه المسلسل الاقتباس، مثلما تجاوز التكفيريون سياق فتاوى ابن تيمية التاريخي، أثناء المواجهات مع التتار والصليبيين، بينما هم يقومون بتنزيلها على الجيوش المصرية والسعودية والجزائرية والتونسية التي تقاتل الإرهابيين.  

إلا أن قصة توظيف الفقيه الأسطورة أوسع من ذلك، إذ يستدعي جانباً مهماً من حضوره في الخطاب الشرعي مواقف التشدد التي تتبناها الجماعات الراديكالية الإسلامية على امتداد خارطة العنف العالمي. ذلك الارتباط عززته الاختيارات المتشددة في التنظير والممارسة الذي كانت تحشده "شرائط كاسيت" الصحوة، واختيارات أبو محمد المقدسي وتتوعد به منتجات القاعدة وتنفذه صوارم "داعش" وما بعدها.

وما ذلك إلا استغلالا لرمزية ابن تيمية في خلق شرعية، لا تزال التنظيمات المتطرفة تعاني تهافتها إثر رفض جموع فقهاء المسلمين المستندين إلى فهم ابن تيمية أيضاً أفعال الإرهاب، بما خلق سياقاً مضاداً اتهم تلك التنظيمات بخطف شخصية "شيخ الإسلام" الحقيقية من موقعها كأحد العقول الفذّة الإسلامية، وأكثرها غزارة في التأليف في مختلف أصناف العلوم، إلى عنصر يؤسس لفتاوى العنف والكراهية والجهاد المسلّط على رقاب المسلمين قبل أعدائهم، ولهذا يقول سعد الدين العثماني قبل أن يكون رئيساً لحكومة المغرب، إن ثراء شخصية ابن تيمية جعل فريقين متضادين يجد كل منهما فيه ما يناصر مذهبه ورؤيته عند الفقيه الأسطوري.

ويعود توظيف ابن تيمية إلى مشكلات القراءة السلفية المتطرفة لتراثه وعدم إدراك اختلاف التراتب والأوليات والتصورات الحاكمة لمواجهة أزمتين إسلاميتين مختلفتين؛ أولاهما في عصر ابن تيمية والأخرى في عصر هذه الجماعات، فبينما كان عصر ابن تيمية تتسيده الأزمة الكلامية والعقدية وحروب التتار والصليبيين، كانت قضية الشريعة والإمامة والحاكمية هي المتسيدة لدى هذه الجماعات.

وجرى تغييب نموذج فكري وشخصية بارزة يرى فيها باحثون مثل الباحث السعودي محمد الدحيم، تنوعاً وانفتاحاً يستدعي قراءات جديدة، لم ينلها "ابن تيمية" وشخصيات سلفية أخرى أصيلة في منهجيتها الإسلامية، ولم تنل ما ناله التصوف أو الفلسفة أو الإشراق من اهتمام سواء في جهود المتفلسفة العرب، أو دارسي الفلسفة من المستشرقين، حسب المنتمين للمدرسة السلفية التي شكّل ابن تيمية العمود الفقري لاتجاهاتها من اليمين واليسار.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تهمة التشدد

ويرصد الأكاديمي السعودي عبد الله الرشيد، بروز موجة جديدة لتحميل ابن تيمية أو ابن حنبل مساوئ التشدد، مبيناً أن "وصمهما بالانغلاق والتطرف، ما هي إلا نزوة فاشلة، وانخداع أرعن بلوثات القراءات السطحية للتراث"، مشيراً إلى أنه حين تتحلى تلك الفئات بالموضوعية وتتخلى عن "لوثات الاستعمار، وتقرأ تاريخها مجرداً من الوصاية ستتصالح مع تاريخها وتؤمن بأن مقعدها في تاريخ الحضارة عتيق".

وعلى النقيض منه يقف الكاتب محمد المحمود، فهو يعتقد أن خطاب ابن تيمية تعولم في أواخر القرن العشرين وبدايات هذا القرن، وأثّر في تصورات كثيرين "حتى أصبحوا متطرفين، بل تكفيريين؛ مع أنهم يعيشون في قلب العالم الحر، العالم القائم على قاعدة التسامح الاجتماعي والعقائدي والفكري؛ بقدر ما هو قائم على قاعدة ضمان الحقوق والحريات بقوة القانون".

ويصل المحمود من خلال مقالين متتابعين له في "الحرة" الأميركية إلى أن فكر ابن تيمية الإسلاموي،  يُطِلُّ على البشر من "علياء عقيدته؛ فيصنفهم إلى مؤمنين وكافرين، ناجين وهالكين، وبهذا يستطيع أن يعيش كما يشاء، وفي أي مكان يشاء، يستطيع أن يتقلب بين مختلف السلوكيات وفق مصالحه وأهوائه ورغباته، وبهذا يبدو منفتحاً قادراً على التعايش مع مختلف الأحوال؛ ولكنه في الحقيقة يحمل تصوراً خطيراً في تحديد هويات الآخرين من جهة، وتحديد نمط التعامل معهم ـ في حال التمكين من جهة أخرى".

توظيف ابن تيمية

ويفترض الباحث في جماعات الإسلام السياسي هاني نسيرة في أطروحته عن "تأويل فكر ابن تيمية لدى جماعات التطرف الديني"، الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية 2015، أنه لم يكن مصدراً ملهماً ومرجعاً أولياً للسلفيات المتطرفة وتنظيماتها المختلفة دائماً، بل "مرجعاً موظفاً خلف منظّري الحاكمية وأمراء هذه التنظيمات، ينتقون ما قد يوافقهم منه دون ما يخالفهم، مما يخطئون فيه".

ويتخذ نسيرة نموذجاً لأطروحته "جماعة الجهاد" في مصر، مشيراً إلى أن التراث الضخم لابن تيمية اعتمد لدى الدعوات السلفية المعاصرة، التي اتخذت تأسيساته منهجاً لها، مبيناً أن لكل منها قراءته الخاصة لها فتختلف التفريعات المعاصرة التي اعتمدت دعوتها ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، التي استلهمت وتمددت بطول العالم الإسلامي، وإن اختلفت مدارسها قليلاً ما بين سلفية علمية أو تعليمية، وسلفية أهل الحديث، وأخرى توصف بالجامية أو المدخلية، وسلفية ألبانية.

ويؤكد أن بعضاً منهم يحاول توظيفه وادعاء النسبة الصحيحة إليه عكس هؤلاء، كالسلفية القطبية أو الحركية في مرحلة ثم السلفية الجهادية التي تضم منهج الجهاد في تغيير المجتمعات لمنهج السلف في الاعتقاد والأحكام.

متتابعة تيارات الغلو

ويبين أن الأمر يتضح في مرحلتين من تاريخ السلفية الجهادية وتنظيماتها: مرحلة التأسيسات التي استمرت عقوداً ومرحلة المراجعات التي شهدها العقدان الأخيران، رغم أن الأخيرة لم تكن شاملة، وأنتج غلو السلفية الجهادية الأول ممثلاً في تنظيمات الجهاد القطرية ثم القاعدة وفروعها والجهادية المعولمة، وفق ما يسميه الباحث "متتابعة الغلو"، جماعات أكثر غلواً شأن تنظيم داعش في العراق والشام الذي صار يصارعهم حول الجهاد الصحيح، ويرمي سلفه القاعدي بالبطلان والانحراف.

ويتصارع الجيل الأول والثاني والثالث من منظري السلفية الجهادية في الطرفين على الصحة، وكلاهما يدعي وصلاً ونسباً بابن تيمية ويعتمده مرجعاً له، كما يسجل هاني نسيرة.

ويفسر الباحث ذلك بإشكالات في القراءة والفهم والاستدعاء، تمثل مصدر الاشتباه والتناقض في حضور ابن تيمية الجهادي المعاصر، وهي سبب هذا الخلاف الشاسع في الاستدعاء المعاصر لابن تيمية لدى هذه الجماعات المتفقة حيناً والمتناحرة أحياناً أخرى.

الفكر الفلسفي المهمّش

من جهته يتناول عبد الله بن عبد العزيز الهدلق شخصية ابن تيمية من خلال كونه "نموذجاً من نماذج الفكر الإسلامي الذي استطاع تمثّل الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته، ثم قام بنقدها، مضيفا أنه كان يهدف إلى إزاحة الرهبة من الآخر وكشفه وتحجيمه، والتصدي لأيّ وصاية فكرية تصدر عنه".

ويستدعي الهدلق مقولة محمود ماضي في سياق استحضاره جذر علم الاستغراب من خلال كتاب "الرد على المنطقيين" لابن تيمية، فيقول: إن ابن تيمية أراد للإنسان المسلم أن يفكّر بعقله ولا يدع أفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين يفكّرون له.

ويرى الهدلق أن السلفية تحسب ابن تيمية أربح ورقة لها في التراث العقلي عامّة، مستشهداً بأقوال بعض دارسي الفلسفة في القيمة الفكرية لتراث ابن تيمية الفلسفي كمصطفى عبدالرزاق وأبو يعرب المرزوقي ومحمد جلال شرف وعبدالحكيم أجهر وعبدالفتاح أحمد فؤاد ومحمد عمارة.

تقييم ابن تيمية سلفياً

ويرى الباحث في مركز "سلف" للبحوث والدراسات علاء إبراهيم عبد الرحيم، أن هناك من سلك مسلك التعسف في تقييم أطروحات شيخ الإسلام، واتَّخذوا الخلافَ مع الشيخ ذريعةً لإسقاطه، وصرف الناس عن الانتفاع بمصنفاته البديعة وفتاويه النافعة المحرَّرة، كما أن الأولى أن يكون تقييم العالم بالنظر في أدوات الاجتهاد ومدى استكماله لها، واستعماله لتلك الأدوات والآلات في استخراج الحكم الشرعي في المسألة محلِّ البحث؛ فإن أخطأ في الحكم بعد ذلك فإنه معذورٌ، ولا إثم عليه، وهو مأجور أجراً واحداً على اجتهاده.

وذكر إبراهيم في ورقته العلمية، "أطروحات ابن تيمية ودعوى عدم الاستقرار"، أن هناك بعضَ من ينتسِب إلى العلم في هذا الزمن ويتهم شيخ الإسلام ابن تيمية "بأن نتاجه أطروحة فكريَّة قلِقَة، خرّجت أجيالاً من علماء الأمَّة على أن هذه الأطروحةَ تُجتَنَب لا يُنظر فيها!".

 وقدم تقييمه لأطروحات ابن تيمية إجمالاً، كما ذكر أشهر المسائل والفتاوى التي أُنكِرت عليه، وشُنِّع عليه بها في زمانه، ومن أشدّها مسألة تحريم السفر وشد الرحال إلى المزارات الشهيرة في زمانه حتى اليوم، ومنها قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمسألة التي حبس لأجلها مسألةُ الحلف بالطلاق، واختياره أنه من الأيمان التي تدخُلها الكفارة، ولا يقع بها الطلاق.

تسامح لا يعرفه الأتباع

وفي سياق تناول الأتباع الجدد لابن تيمية الذين يمارسون الانتقائية في أقواله ويحملون آراءه على مقاسات ما يشتهون على حد تعبير الكاتب خالد السيف، يرى الأخير أن "التيميين الجدد لا يحبون ابن تيمية هذا". ويقدم مقارنة سيرية لأتباعه وما كانت عليه شخصيته من قرب من العامة وعيشه عيشة الفقراء وغياب الرسمية في تعامله مع من حوله مع كرم ومروءة، وسعي في مصالح أصحابه وتوسعه في عذر الخلق ولا يكفّر أحداً إلا بعد قيام الدليل والحجة عليه. 

ويوضح السيف أن على المتتبع لابن تيمية التفريق فيما بين شخصية المنظّر لمنهج السلف بعامة، وابن تيمية السلفي المجادل خصوصاَ. مشيراً إلى مقولته التي تقرر منهجيته الحقة إذ يقول، "ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة" ويمضي في الرسالة ليقول، "فإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا، يعني الخوارج، مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم، فكيف بالطوائف والمختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفّر الأخرى وتستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة".

ويؤكد السيف أنه ما من شيءٍ في فقه "التسامح" قد أبقاه ابن تيمية ليقال من بعده، محذراً من أنه لا يصح أن يرفع أحد لواء سلفية ابن تيمية دون استصحاب مثل هذا  "النص" الذي كتبه بأخريات عمره.

مراجعات لنفي التكفير

ويتناول المتخصص في الشريعة الإسلامية البروفيسور حاتم بن عارف العوني ضمن نقاشاته الفكرية، بعض المراجعات التي مرت بها شخصية ابن تيمية، ويعرض بعض المواقف التي تثبت أن التفكير بالطريقة العلمية المنضبطة نضوج فكري مر به عدد من العلماء ومنهم أبو الحسن الأشعري وابن تيمية، مستنداً إلى ما نقله الإمام الذهبي، "وكان آخر الأمر من تقي الدين ابن تيمية أنه قال: اشهد عليّ أني لا أُكفِّر كل من توضأ وصلّى".

ويواجه العوني بعض الإيرادات التي استند إليها بعض الرافضين لما يراه، بالقول إن هناك مواقف متناقضة لابن تيمية حول مسائل التكفير، لا يمكن إلا أن تكون من باب تغير الاجتهاد، ومنها تكفير الأشعرية مع اشتهار عدم تكفيرهم في مواطن عديدة عنده، وإن كان يكفر كثيراً من مقالاتهم، وكذلك تكفيره لمن كفر الصحابة إلا نفراً بأعيانهم، مفصلاً أحوال الشيعة ومن المكفَّر منهم ومن لا يُكفَّر، بالإضافة إلى حكاية الاختلاف في كفر الخوارج وكأنه اختلاف سائغ.

ويبدي العوني استغرابه من استنكار "تَغيُّر الاجتهاد في التكفير عند شيخ الإسلام ابن تيمية بخاصة، وكأن تغيّر الاجتهاد في ذلك عار يجب تنزيهه عنه، أو كأنه نوع من الخطأ لا يقع من العلماء، أو كأن شيخ الإسلام ابن تيمية معصومٌ مما لا يعصم منه بقية العلماء سواه".

ويؤكد العوني مشاركته رأي الإمام الذهبي، وهو الظن بشيخ الإسلام ابن تيمية، أنه "لا بد أنه قد تراجع عن كل، أو غالب التكفير غير المنضبط، وأنه استقر على عدم تكفير أحد من أهل القبلة".

وعلى سبيل نفي العلاقة الشخصية الأسطورية بالإرهاب والتطرف، يلاحظ عدد من الباحثين المعاصرين، أن مؤسسي تنظيم الاخوان المسلمين أمثال حسن البنا وسيد قطب لم يسجل الفقيه الحنبلي حضوراً مهماً في أطروحاتهما، وإنما صار موضع استشهادات واستدعاء الأجيال الجديدة.

لكن الباحث المصري محمد يوسف موسى الذي خصص للشخصية الجدلية مؤلفاً سماه "ابن تيمية"، أفرده في درس سيرته والمرحلة التي عاش فيها، بين مصر ودمشق فقيهاً ومجاهداً وسجيناً؛ خلص إلى أن تركيب الشخصية التيمية إلى جانب حالة الصراع بين التيارات والمذاهب الفقهية والعقدية في عهده من جانب، والصراع بين العرب والغزاة التتار والصليبيين ومواقفه منها، صنعت للرجل عداوات منذ وقت مبكر، مثلما أوجدت له محبين لا يحصون.

وبينما وثق أن خصومه من المذاهب الفلسفية والمقربين من السلاطين مثل فقهاء المالكية في ذلك الوقت، كانوا شديدي الفجور في خصومته لدرجة السعي في سجنه وقتله، فإنه كذلك أقر بأن مسائل عدة، اتسمت بالشذوذ خالف فيها فقهاء زمانه. وهي المسائل التي يقول الباحث السعودي عبد الله الرشيد، إن عدداً منها وجد طريقه إلى اختيارات ومدونات القضاء والأسرة في بعض البلدان الإسلامية، بينها التي تنظر إلى الشخصية المعروفة بحذر شديد، نظير ما توارثت بعض الأقطار من موقف غير ودي على الأقل نحو الفقيه الحنبلي والمجتهد الذي عمّت نظرياته الآفاق.

مسائل خالف فيها كل الفقهاء

وحصر الباحث موسى الذي وضع كتابه عام 1962، قبل مرحلة الصحوة الإسلامية بعد 1967، الآراء التي قال ان ابن تيمية تفرد بها عن غيره، وأدت إلى محاكمته ومنعه من الإفتاء وجانب من النقمة عليه منذ عصره، حتى اليوم. وهي مسائل لفت إلى أنها لا تخلو من كونها اجتهاداً، فهمه من نصوص الشريعة، ولم يجد حرجاً من القول بها، في وقت ساد فيه احترام الآلية الفقهية السائدة، وفق قواعد المذاهب المعروفة، فيما قسّم هو اجتهاداته وآراءه إلى ثلاث مجموعات: قسم صدر فيها عن المذهب الحنبلي، وثانٍ اختارها لم يلتزم بها مذهباً معيناً، ولكنها لا تخرج عن أقوال فقهاء المذاهب المعروفة، أما القسم الثالث وهو الذي كان محل الجدل، فآراء خالف فيها كل المذاهب، أو المشهور من أقوال فقهائها.

وهذه أبرز تلك الأقوال التي وصفت بالشاذة حينها في المجال الفقهي، أما في باب الاعتقاد، فإنها مشهورة:

  • القول بقصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً، طويلاً كان أو قصيراً كما هو مذهب الظاهرية وقول بعض الصحابة.
  • القول إن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر، واختاره البخاري أيضاً.
  • القول إن من أكل في شهر رمضان معتقداً أنه ليل فبان أنه نهار لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
  • القول إن المتمتع (في الحج) يكفيه سعي واحد بن الصفا والمروة، كما هو في القارن والمفرد، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما.
  • القول باستبراء المختلعة بحيضة، وكذلك الموطوءة بشبهة، والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.
  • القول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين؛ أي مثل إماء أهل الكتاب.
  • القول بجواز التيمم، مع وجود الماء، لمن خالف فوات العيد والجمعة أو وقت صلاة أخرى من الصلوات المكتوبة إذا استعمل الماء.
  • القول الذي مال إليه أخيراً بتوريث المسلم من الكافر الذمي، وله في ذلك بحث طويل.
  • القول بعدم وقوع الطلاق بالحلف إذا حنث، وليس على الحالف حينئذ إلا كفارة اليمين، وقد جرى له بسبب هذا الرأي محن وقلاقل معروفة.
  • القول إن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة، ومن الغريب أن هذا هو الحكم الذي كان عليه العمل أيام الرسول وأبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر.
  • القول إن المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرره، لها أن تتيمم وتصلي.
  • القول إن تارك الصلاة عمداً لا قضاء عليه ولا يشرع له القضاء، بل عليه الإكثار من النوافل رجاء غفران الله له.
  • القول إن سجود التلاوة لا يشترط له طهارة، كما هو مذهب ابن عمر واختيار البخاري.
  • القول إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير قليلاً كان أو كثيراً. وغيرها.