Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المبعوث الخاص للصحة العالمية: كورونا ينشط ثم يخمد لكنه سيظل في عالمنا

تنادي مها الرباط بإنهاء الصراعات السياسية ومساندة الشعوب في مأساتها بالعمل المشترك

مها الرباط المبعوث الخاص لمنظمة الصحة العالمية (الإنترنت)

وسط الاحتقان العالمي المتزايد، واحتدام الصراع الأميركي الصيني، تفضّل مها الرباط، رغم أهمية موقعها الحالي كمبعوث خاص لمنظمة الصحة العالمية، قضاء وقتها بمنأى عن تيارات السياسة الجارفة، واستثماره في متابعة جهود مكافحة فيروس "كوفيد-19"، في 22 دولة تقع في نطاق مسؤوليتها، غير أن العزل المنزلي الذي تعيشه الوزيرة المتخصصة مثل الملايين من البشر، لم يكن وحده كافياً ليحجب عن نظرها التراشق المحموم بين قوتين عالميتين، تتفشى بينهما الحساسيات، كما يخترق كورونا البلدان غير معترفٍ بالحدود الجغرافية.

ليس وقتاً للصراعات

ولم ترغب مها الرباط، أثناء حديثها لـ"اندبندنت عربية"، التطرق لتفاصيل الخلاف بين الولايات المتحدة والصين، لكنها في الوقت نفسه، تدعو إلى الأخذ بالموضوعية عند توجيه النقد، فالوضع برأيها لا يحتمل لوم جهة ما أو تحميلها المسؤولية، والفرص لا تزال ممكنة لاحتواء الجائحة، ومساعدة الدول في الاستجابة المثلى على الصعيدين الحكومي والشعبي، داعيةً إلى تجنب الصراعات، والتركيز على الهدف الرئيس الأسمى، الذي يتمثل في تخطي عقبة الفيروس، وإعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي.

وتنفي بشدة مزاعم انحياز منظمة الصحة العالمية للصين، وتؤكد أنها مؤسسة مهنية محايدة قائمة على العلم، ولا تميل أو تتدخل في صراعات سياسية، مشددةً على التزام الحياد، ومواصلة العمل الفاعل مع كافة البلدان على قدم المساواة، لكن اللغة التصالحية الطاغية في حديث الرباط عن الصين دفعتني إلى سؤالها بشكل مباشر عن موقفها من إجراءات هذا البلد الآسيوي لاحتواء الفيروس؟ حيث أجابت "الصين، وفي ووهان تحديداً، طبقت إجراءات حاسمة وسريعة يُحتذى بها، لخبرتها في التصدي للفيروس، بصراحة، عندما نفذت الإجراءات المناسبة استطاعت السلطات منع انتشاره في المقاطعات المجاورة، ثم عادت الحياة الطبيعية تدريجياً بعد الإغلاق الكامل، وسط وعي مجتمعي، ولم تُخفف الإجراءات إلا بعد التأكد من قوة النظام الصحي، والقدرة على اكتشاف الحالات بناء على دليل وخطط مدروسة."

"الصحة العالمية" في قفص الاتهام

وتعمل منظمة الصحة العالمية بشكل وثيق مع البلدان، من خلال المكاتب الإقليمية الموجودة في عواصمها، ويقوم دورها على تقديم المشورة والتوصيات، وتمكين جميع الدول من تتبع المرض وكشفه من خلال تعزيز قدرة المختبرات وتزويدها بالمعدات المطلوبة، فيما تتخذ الحكومات قراراتها بشكل حر ومستقل، وهو ما يلقي الضوء على نقطة جوهرية، ربما تكون هي السبب وراء اختلاف أعداد الإصابات والوفيات عالمياً، وهي تفاوت درجة الاستجابة من دولة لأخرى، وهذا يستند إلى عوامل مثل استعداد كل دولة للطوارئ، وقوة النظام الصحي، والالتزام السياسي والمجتمعي.

وشاع الجدل، أخيراً، في الأوساط الشعبية حول استجابة منظمة الصحة العالمية، بيد أن الرباط تصف الهجوم الحالي بـ"غير الموضوعي"، وتبرّئ ساحة المنظمة الأممية، وتؤكد أنها لم تتردد في إعلان أزمة كورونا جائحة صحية تثير قلقاً دولياً، إذ لم يكن تحركها محصوراً على تنبيه السلطات الصينية، وإنما أصدرت تصريحات مبكرة للعالم أجمع، تحذر فيها من الاستهانة بالفيروس الجديد ومقارنته بالإنفلونزا. وتتابع "تحركنا منذ اللحظات الأولى، ولم ندخر جهداً أو وقتاً عن إنذار الحكومات بشأن خطورة الوضع."

وعن الاستعداد المسبق لأزمة صحية عالمية، تقول الرباط إن المنظمة منذ سنوات تحذر من إمكانية تفشي وباء مجهول، وفي عام 2017، أشار المدير العام تيدروس أدهانوم، إلى وضع مشابه، وشجع على استثمار الحكومات للتصدي للأوبئة، من منطلق دورهم في توجيه المشورة والنصح، لا إلزام الحكومات، قبل أن يأتي كورونا، على حد وصفها، ليكشف هشاشة الأنظمة الصحية، خصوصاً في الدول غير المستقرة التي تعاني من نقص القوى البشرية، والمعلومات، والأدوية، وقصور البنية التحتية، وهي عوامل تمثل تحدياً إضافياً أمام خدمات الرعاية الصحية، وتوضح أنهم يعتزمون سد هذا الثغرات، من خلال الشراكة الأخيرة مع بنك الاستثمار الأوروبي، لتطوير البنية التحتية ومساندة العاملين الصحية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سألتها، لماذا نشهد اليوم أربعة ملايين إصابة رغم إعلان المنظمة نجاحها في الاستجابة لفيروس كورونا، هل تلقون اللوم على الحكومات؟ أجابت بأن تقييمهم مبني على أسس عملية ومحايدة تنأى عن السياسة، وتؤكد أن الجدل الدائر يشتت الدول عن الهدف الرئيس، منوهةً بأنه سيتم تقييم الاستجابة لاحقاً لأخذ الدروس المستفادة. وتضيف "كل البلدان تسعى لرفع مستوى استجابتها، والوباء حتى هذه اللحظة يمكن التغلب عليه إذا اتخذت الإجراءات الحاسمة من الشريكين الأساسيين، الحكومة والمجتمع".

وعن دول إقليم شرق المتوسط التي تشرف على جهودها، تُجدِّد التأكيد على تفاوت استجابة الدول، وبعضها مثل سوريا واليمن، لها وضع خاص بسبب النزاعات التي تعاني منها، لكن في نظرها، يسير الإقليم المكوّن من عدد من الدول العربية، إلى جانب باكستان، وإيران، وأفغانستان، والصومال، في الاتجاه الصحيح، غير أنها تدعو إلى مضاعفة الجهود، ورفع الاستعداد من خلال التوسع في أماكن العزل، والفحوص المخبرية، وهناك أيضاً مجال مهم لا يزال يتطلب المزيد من الجهد وهو إشراك أفراد المجتمع المدني للالتزام الجاد بتدابير الوقاية الشخصية.

الصحة كأولوية سياسية

وتعتقد الرباط أن التحدي الأصعب الذي واجهته أثناء تسنمها منصب وزير الصحة في مصر، كان كيفية إدخال خطط الصحة العامة في أولوية متخذي القرار السياسي، لتوفير كافة الإمكانات، وشحذ الهمم المادية والبشرية حتى تنتظم كل القطاعات تحت هدف واحد للتعامل مع أي فيروس، سواء الإنفلونزا أو عائلة الكورونات، وتنسب أي نجاح في التعامل مع الأوبئة، إلى استعداد النظام الصحي والمجتمع، وتستشهد بالتهاب الكبد الفيروسي في المنطقة العربية عندما كان هاجساً أجبرهم على رسم خريطة طريق لتنفيذ مبادرات الصحة العامة، وتذكر بأن نقص الدواء كان عقبة أخرى، لكن بفضل التعاون المجتمعي والدعم السياسي نجحوا في توفير ذلك.

انتحار العاملين الصحيين في تزايد

وبينما تشيد بجهود الأطباء والعاملين الصحيين في الخطوط الأمامية، تلفت النظر إلى تعرضهم للتمييز من بعض أفراد المجتمع الذين يعتبرونهم مصدراً للعدوى، مطالبةً بتوعية الناس ليس لتجنب الوصمة الاجتماعية فقط، بل احترامهم وتقديرهم، وتشير إلى أنها لاحظت خلال عملها الميداني، أن تفاعل المجتمع وتلاحمه مع مقدمي الخدمة الصحية، يشكل عاملاً محفزاً للأطباء على مضاعفة الجهود لتجاوز الأزمات الوبائية.

وتكشف أن الدراسات الأخيرة أظهرت ارتفاع معدلات الاكتئاب، والقلق، والأرق، والانتحار في أوساط  الأطباء، بسبب التحديات الهائلة المتمثلة في حجم العمل المُلقى على عاتقهم، وتعاملهم المباشر مع المصابين، ما ينعكس على حالتهم الذهنية، وقدرتهم على التواصل مع ذويهم وأسرهم، لافتة إلى أن أسباب تصنيف عاملي القطاع الصحي ضمن الفئات الأكثر عرضة لالتقاط العدوى هي إمكانية وجودهم في أماكن غير معدة لاستقبال الحالات، ونقص الخبرة، والأعداد المتزايدة من المرضى، والنوبات الطويلة التي تؤدي إلى الإرهاق، بالتالي فقدان التركيز، فضلاً عن نقص معدات الحماية الشخصية الذي يعرضهم للخطر، وتطالب بتدريبهم للتعرف إلى أمراض الجهاز التنفسي، والتأكد من سلامة بيئة العمل، عن طريق أنظمة المراقبة والرصد لتجنب الفجوات التي تؤدي لانتشار العدوى بالمستشفيات.

ننتظر النتائج قريباً

وتشير مبعوث منظمة الصحة العالمية، إلى أن هناك نحو 100 لقاح، ستة أو سبعة منها ستمر بعملية طويلة رغم دخولها التجارب السريرية للتأكد من فاعليتها، وعدم وجود مضاعفات أو آثار جانبية، وصولاً إلى مرحلة التصنيع، وأطلقت المنظمة في أواخر أبريل (نيسان) الماضي، بدعم من رؤساء الدول، ومنظمات الأمم المتحدة، مبادرة "آكت كوفيد-19" لتسريع البحث والإنتاج، واليوم هناك تجارب سريرية لتطوير علاجات في أكثر من مئة دولة، لكن إلى هذه اللحظة، لا يوجد دواء يمكننا القول إنه علاج أكيد للفيروس، وعندما تصدر نتائج التجارب السريرية قريباً، سنتيقن من نجاعة الأدوية المطروحة، ومن ضمنها عقار "ريمديسيفير" الذي أظهر في إحدى المستشفيات نتائج جيدة على المرضى، لكنهم بحاجة لوقت كافٍ للتأكد، ولعدم تيقنهم من الوصول للقاح أو علاج، تشدد على أهمية البروتوكولات العلاجية المتعددة التي تتبعها الدول لعلاج مرضاها، استناداً إلى خطورة المرحلة، بداية بأدوية خفض درجة الحرارة، حتى استخدام أجهزة التنفس الصناعي.

قلق التعايش مع كورونا

وبحسب الرباط فإن عدم مغادرة فيروس كورونا المستجد عالمنا، واقع حتى يظهر العلاج أو اللقاح المناسب، فالفيروس مثل غيره يمكن أن ينشط، ثم يخمد، لكنه سيظل موجوداً، لذلك ينبغي على الدول اتباع الإجراءات الاحترازية، مع مراعاة درجة أو ظروف انتشار الوباء والسياقات الخاصة بها. وتتابع، "فكرة التعايش مع الفيروس تقلقني، لأن البعض ربما يترجمها إلى العودة للحياة الطبيعية، وهنا يجدر التنبيه إلى أننا لن نعود إلى ممارسات ما قبل الفيروس، سنتعايش نعم، لكن علينا التعاون الدولي، والاستثمار، والتضامن في تطوير اللقاحات والتشخيص والعلاج، تحت مظلة منظمة الصحة العالمية، وكمجتمع يجب أن نغير عاداتنا، ونحد من التجمعات، وعلى الأفراد أن يكونوا أكثر وعياً، وإحساساً بمحيطهم."

وعن تخفيف الإجراءات، تقول إن الانتقال من الإغلاق مرحلة معقدة، حيث تختلف التحديات والظروف من بلد لآخر، ولا يوجد نهج موحد يناسب الجميع، وتشدد على أهمية الموازنة بين الصحة والاقتصاد، وإلا ارتدت الجائحة في موجة أوسع نطاقاً، لا سيما أنه مع مرور الوقت، لن تكون الدول قادرة على الاستمرار في إجراءات الإغلاق التام، وستجد نفسها مرغمة على فتح حكوماتها، وهي خطوة ينبغي أن تترافق معها اشتراطات معينة، تشمل إجراء دراسات، وتقييم المخاطر، والتدرج بالفتح، وتطبيق معايير مكافحة العدوى في المطارات والموانئ.

وبعدما تجاوزت مها الرباط أيام العزل المنزلي الأولى التي تصفها بـ"الصعبة" من دون التقنيات الحديثة التي خففت وطأتها، وسهلت عملية التواصل وعقد الاجتماعات، تبدي تأهبها لعالم ما بعد كورونا، وملامحه المتمثلة في التباعد البدني، وتجنب التجمعات، وتقدير النظافة الشخصية، وارتفاع مستوى إحساس الفرد بالمسؤولية أثناء الخروج إلى الأماكن العامة.

المزيد من دوليات