Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي الياباني أكيرا ميزوباياشي يواجه عنف العالم بالموسيقى

روايته الجديدة "نفس محطمة" نشيد احتفاء بسلطة الفن

 الروائي الياباني أكيرا ميزوباياشي (دار غاليمار)

قال مارسيل بروست يوماً إن الأعمال الأدبية الكبرى كتبها أصحابها بلغات أجنبية. ولعل أحدث دليل على صحّة هذا القول رواية الياباني أكيرا ميزوباياشي الأخيرة، "نفْسٌ محطّمة"، التي كتبها مباشرةً باللغة الفرنسية وصدرت حديثاً عن دار "غاليمار". رواية تهزّ كيان القارئ وتلهب مشاعره بقصّتها الحزينة الآسِرة، بالاهتمام الذي يوليه كاتبها فيها لأصغر التفاصيل، وخصوصاً بتصويره الحياة كتدوينة موسيقية يعود لنا أن نجعل منها سمفونية أو، على الأقل، لحناً لطيفاً نواجه به عنف العالم.

شغف ميزوباياشي بالموسيقى سبق أن أثبته في روايته السابقة "حبٌّ على مدى ألف عام". وها هو يستثمره مجدداً وعلى أفضل وجه في نصه الجديد لكشف مآسي النزعات القومية والحروب، والتغنّي بالحرية الفردية المسؤولة، بالفن المنعتق من أي غاية تجارية، باللغات المفجِّرة للحواجز بين البشر... باختصار، بكل ما يشكّل سدّاً في وجه البربرية والانغلاق على الذات.

أحداث الرواية تنطلق في طوكيو، في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1938، داخل إحدى صالات مركز ثقافي محلّي حيث نشاهد أربعة موسيقيين هواة يتدرّبون على تأدية معزوفة لفرانز شوبير: الياباني يو ميزوساوا وثلاثة طلاب صينيين. وعلى رغم الحرب المندلعة بين بلديهم بسبب طموحات اليابان التوسّعية آنذاك، لا نستشعر أي توتّر بينهم، بل فقط شغفٌ بالموسيقى يوحّدهم ويسمو بهم فوق أي انتماء هوياتي ضيّق. لكن في ذلك اليوم المشؤوم، يقتحم جنود يابانيون الصالة ويضرب العريف بينهم يو على وجهه ويحطّم كمانه. ولحسن الحظ، خبّأ هذا الأخير طفله روئي في خزانة ما أن سمع وقع أقدامهم. لحسن الحظ أيضاً يدخل خلفهم إلى الصالة الملازم كينغو كوروكامي الذي يعشق الموسيقى الكلاسيكية، فيطلب من يو أن يعزف أي شيء كي يبرهن للجنود أنه حقاً موسيقي وليس متآمراً على وطنه مع شبّان صينيين. مناورة ذكية ومؤثِّرة كادت تنجح لولا دخول جندي أخير إلى الصالة حاملاً أمراً من القيادة العامة بواجب توقيف جميع المشبوهين.

الهجرة إلى فرنسا

كوروكامي سيكون الشخص الأخير الذي يغادر المكان، لكن قبل أن يفعل ذلك، يشعر بوجود الطفل روئي في الخزانة فيفتحها ويضع بين يديه كمان والده المحطّم، معبّراً له بصمتٍ عن أسفه لما حدث. من جهته، روئي الذي كان يتيم الأم لن يرى والده بعد ذلك اليوم، لكن فيليب مايار، أحد أصدقاء يو، سينقذه من محنته فيتبنّاه ويرحل به إلى فرنسا. هكذا يصبح اسمه جاك ويضع نصب عينيه هدفاً واحداً لحياته: إصلاح كمان والده. ولهذه الغاية، يمضي سنوات طويلة في محترفات كبار صانعي آلات الكمان في فرنسا، ثم في إيطاليا، لتعلّم مهنتهم. كما لو أنه، بإصلاح هذه الآلة الموسيقية العزيزة على قلبه، لن يتمكّن من إعادة تشييد نفسه فحسب، بل العالم أيضاً الذي ما برح مذّاك يعاني من بربرية الإنسان. لكن هل يمكن لشخص واحد إصلاح قدر ملايين البشر؟ وكيف؟ نعم، يجيبنا الكاتب على طول روايته، بالموسيقى.

وفعلاً، بعد مرور سنين طويلة على ممارسة روئي المهنة المذكورة، تضع رفيقة دربه يوماً تحت عينيه حواراً صحافياً مع عازفة كمان يابانية شابة تدعى ميدوري يامازاكي وتحصد الجوائز وإطراء النقاد أينما حلّت. ولأن هذه الشابة توجّه في حوارها تحيّة لجدّها الذي لعب دوراً محورياً في خيارات حياتها، مضيفةً أنه كان ضابطاً في الجيش الياباني، يراسلها روئي ويكتشف أن هذا الجد ليس سوى الملازم السابق كوروكامي. وحين يسافر إلى طوكيو للقائها، يدفعه افتتانه بشخصها وما ستقوله له من أشياء عن جدّها إلى وضع كمان والده بين يديها، تماماً كما فعل جدّها معه وهو طفل في الحزانة...

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ميزوباياشي لا يطرح شخصياته كأبطال في هذا النص، بل يجسّدها بمقياسٍ بشري عادي كي نتماثل بها ونصغي إلى ما يقوله من خلالها عن قوة الحب بالرغم من تجربة الانفصال، عن جمال انتقال الإرث بين الأجيال، وعن الخراب الذي تحدثه الحرب داخل النفوس والناتج من قسوةٍ وحده الإنسان قادر على تخيّلها وممارستها على أخيه الإنسان. وفي هذا السياق، تشكّل "نفسٌ محطّمة" مناورة أدبية ناجحة يتمكّن الكاتب بفضلها من تحويل تجربةٍ شديدة الألم إلى فرصة لإعادة تشييد مخلّصة. ولا نقصد فقط بذلك الجهد الذي سيبذله روئي على مدى سنين طويلة لإصلاح كمان والده، بل أيضاً ذلك التقاطر المدهش لظروف تنجح الموسيقى فيها في جمع كائنات لا تفصل بينها الجغرافيا والزمن فحسب، بل الموت أيضاً.

أسئلة الحياة

لكن قيمة الرواية لا تقتصر على ذلك، إذ يقارب ميزوباياشي فيها أيضاً أسئلة مهمة مختلفة، كالذكريات التي ترافقنا مدى الحياة، وجرح الاقتلاع من موطن الولادة الذي لا يلتئم، والحِداد المستحيل على الوالدين، وذلك على خلفية موضوعه الرئيس، أي الموسيقى كفنٍّ يتعمّق مع مرور الزمن إلى حد يصبح فيه مادّة الحياة وجوهرها. ولإنجاز ذلك، يصقل لغةً شعرية، مشجية بقدر ما هي ساحرة، تمسّنا في الصميم برهافتها، وتساهم بساطتها في تعزيز واقعية القصة المسرودة.

باختصار، "نفسٌ محطّمة" هي نشيد احتفاءٍ بالموسيقى القادرة على هزم الموت والكراهية والزمن، وأيضاً بالنفس البشرية التي لا ينظر الكاتب إليها بطريقة تقليدية، أي كأقنومٍ منفصل عن الجسد أو كهالة روحية، بل كسيرورة متجذِّرة بعمقٍ فينا تجعلنا نطمح إلى قيَم الجمال والعدالة والحقيقة، وكجهدٍ جبّار يبذله الإنسان بلا كلل لتلطيف عذابٍ أوّلي، وألمِ انفصالٍ يعود إلى مرحلة البدايات.

"إلى اللقاء وشكراً"، تكتب في رسالتها الأخيرة إلى روئي الصينية لين يانفين التي كانت تتمرّن مع والده خلال ذلك اليوم المشؤوم، إثر عثوره عليها بمعجزة الإنترنت وزيارته لها في مستشفى بشنغهاي قبل أيامٍ قليلة على وفاتها. وحين نقلب الصفحة الأخيرة من الرواية، منبهرين ومدمّعين، نرغب في قول الشيء نفسه إلى أكيرا ميزوباياشي.

المزيد من ثقافة