Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التباعد الاجتماعي ينتحر في ميدان العتبة المصري

يشهد المكان ازدحاماً بسبب طبيعته التجارية الشعبية ويمثل كابوساً في زمن الوباء

رحم الله روّاد العبثية كافكا وصامويل بيكيت وأوجين يونسكو، فقد فاتتهم فرصة ذهبية لإثراء كتاباتهم بروايات أعمق من The Metamorphosis (المسخ) للأول، وأبأس من The Unnamable (اللا مسمّى) للثاني، وأصدم من The Future is in Eggs (المستقبل في البيض) للثالث. وطيَّب الله ثرى سلفادور دالي، فلو كان حيّاً لأضاف المزيد إلى رائعته "البناء الناعم مع الفاصوليا المسلوقة"، ولو كان بيكاسو بيننا لأعاد رسم "المأساة" بمنظور جديد.

لكن، قدرهم أنهم جميعاً رحلوا قبل أن تتاح الفرصة لهم ولنا، لنصطحبهم إلى ميداني العتبة والموسكي المصريين المتتاخمين، لينهلوا من زخم الأحداث المتتالية، وغنى الوجوه المتفاعل، وحركة الأجساد المتلاصقة في زمن كورونا.

عبثية وسوريالية
فبين عبثية الأعمال الأدبية وتفاصيل الحياة الحقيقية شعرة، وبين سوريالية اللوحات الفنية ولا معقولية المشاهد الواقعية خطوط لا يفصل بينها إلا أقلّ القليل. وأقل ما يُقال عن مجريات الأمور في ميداني العتبة والموسكي، أشهر أحياء القاهرة التجارية وأقدمها وأكثرها تفرداً، وسر التفرُّد يكمن في مناطحة الوباء، ومهادنة العدوى، ورفع شعار "بالطول بالعرض هنجيب كورونا الأرض".

أرض الواقع في ميدان العتبة، أحد أكثر ميادين مصر ازدحاماً بفعل طبيعته التجارية الشعبية الموجّهة إلى فئات المجتمع المتوسطة وأقل، تشير إلى أن مغامرات "توم وجيري" لم تتوقف بوفاة مخرجها التشيكي جين ديتش قبل أيام، لكنها حيّة ترزق، وتتجدد يومياً تحت سمع وبصر الملايين.

الخديوي والمعماري
مئات الآلاف من المصريين تقصد ميداني العتبة والموسكي بصفة يومية على مدار عمرهما التاريخي. الخديوي إسماعيل أسند مهمة تخطيط الأول إلى المعماري الفرنسي هوسمان الذي جعله يُباهي بجماله وحسن تخطيطه الميادين الأوروبية. وأصبح مبنى البوستة (البريد) محط أنظار الجميع ومركز القياسات، حيث تقاس على أساسه المسافات إلى أرجاء مصر المختلفة.

 

تحوّل ميدان العتبة ومعه الموسكي من وجهة النبلاء والأرستقراطيين، حيث المحلات الأنيقة والأزياء الأوروبية، إلى مركزٍ نابضٍ بالحياة والصياح والعراك والجدال، وهو ما جعلهما وجهة لملايين البشر من مصر وبعض الدول المجاورة على مدار عشرات السنين.

لكن، عشرات السنين الماضية في كفة، والأشهر الثلاثة الفائتة في كفة أخرى. ومع انتشار أخبار الإصابة بالفيروس الجديد كورونا المستجد (كوفيد 19)، وتأكّد تفشيه وتحوّله إلى وباء، قفز الميدانان إلى مخيلة كثيرين، باعتبارهما كابوساً في زمن الوباء.

السيناريو الأسوأ
هذا الكم المُذهل من آلاف الأجساد المتلاصقة على مدار ساعات اليوم الـ24 في الميدانين الصاخبين هو "السيناريو الأسوأ" الذي تتحدّث عنه المنظمات الأممية التي تحترف التحذير من الأسوأ المقبل، وتتطرّق إليه أفلام الخيال العلمي المرعبة المجسِّدة كوابيس تفشي أوبئة تقضي على البشرية. لكن، الإنسانية في ميداني العتبة والموسكي لا تلتفت إلى مثل هذه الترهات.

"كورونا دي بتاعة الناس التوتو". هكذا يشير "منعم" صاحب "فرشة" أطباق بلاستيكية مجهولة المصدر في ميدان العتبة، و"الناس التوتو" في نظره هم أولئك المهووسون بـ"حكاية الفيروس"، وقصص الإصابات والعدوى. ويقول "الحكايات التي يرعبوننا بها لن تسدّ الأفواه، أو تسدد الإيجار وفواتير المياه والكهرباء. ومن كُتِب له شيء سيراه، سواء كان كورونا أو غير كورونا".

سطوة الفيروس
كورونا قلب أوضاع الميدانين رأساً على عقب، لكن العقب لا يألو جهداً في إعادة الأمور إلى ما قبل الفيروس، حتى لو ظلّ الميدان تحت سطوة الوباء. في أواخر مارس (آذار) الماضي، وبعد رهان خاسر على "وعي المواطن" لدرء خطر الوباء، أقدمت محافظة القاهرة على خطوة جلل، ألا وهي إخلاء المكان من الباعة الجائلين. ولمن لا يعلم، فإنّ هؤلاء الذين يفترشون كل سنتيمتر من سنتيمترات الميدانين قوة ضاربة لأسباب عدة. منها أن أعدادهم، التي تُقدَّر بنحو 40 ألفاً، وتطعم أربعة أضعاف هذا الرقم على الأقل، ناهيك بالمترددين المقدَّرين بالملايين سواء المشترين العاديين، أو الذين يشترون لإعادة البيع، أملاً في تحقيق هامش ضئيل من الربح في ما يُعرف بـ"تجّار الشنطة". هذه الأعداد المهولة لا مجال للحديث عن استيعابها في سوق العمل الرسمية ولا حتى غير الرسمية.

 

رسمياً، قاد محافظ القاهرة اللواء خالد عبد العال قبل ما يزيد على شهر حملة موسّعة لإخلاء الميدانين من الباعة، وذلك لمنع التجمّعات التي وقفت المناشدات الرقيقة عاجزة أمام منعها أو حتى تخفيفها. الغرض من الحملة كان إجبارهم على إخلاء الميدان، وترك مجال البيع والشراء فقط للمحلات التجارية، وهو أقرب ما يكون إلى المستحيل. وعلى الرغم من "الفرشات" المغلقة أو شبه المغلقة، فإنها تملأ الشوارع الجانبية. تبدو من على بعد وكأنها بنيان عسكري مرصوص أو هيكل خرساني مغروس. بالاقتراب منها يتضّح أن الرصّ والغرس يمكن أن يكونا قيماً معنوية، وتمسكاً بالمكان يصل إلى درجة الإدمان.

"فرشة أبويا وجدي من قبله لن تبرح مكانها. لم تبرحها في يناير (كانون الثاني) 2011، ولم تتزحزح في عزّ 2013. ولن تذهب إلى مكان آخر في 2020، ولا بألف كورونا"، حسبما يؤكد الحاج فتحي الذي أغلق فرشته التي يبيع عليها الأحزمة والحقائب الجلدية، لكنه يُبقي على جانب منها مكشوفاً "لعل وعسى".

كرّ وفرّ
"لعل وعسى" التي يدور في فلكها الآلاف من زملاء الحاج فتحي تدفع البعض إلى الكرّ والفرّ في كل مرة يرقى إلى مسامعهم قرب وصول حملة إزالة من قِبل المحافظة. "لعلها حملة سريعة لزوم التصوير"، "عساها حملة لمصادرة فرشتين أو ثلاث، ثم عودة الحركة إلى طبيعتها"، كما كان يحدث في زمن ما قبل كورونا، لا سيما أن منظومة الباعة المفترشين الأرض تتمدد وتتوسع وتنتشر مع تقلص فرص العمل، وميل كثيرين إلى انتهاج طريق السهل الممتنع بعيداً عن ضغوط تعلّم حرفة، أو التزام مواعيد حضور وانصراف، وخضوع لإمرة مدير أو تعليمات شركة أو مصنع. هذا التمدد نجم عنه زحفٌ تدريجيّ، حيث إجهاز على ما تبقّى من أرصفة، ثم نزول إلى حرم الشارع، حيث ربعه ثم نصفه، وأخيراً ثلاثة أرباعه، وذلك بعدما اُحتلت الشوارع الجانبية بشكل كامل.

هذا الزحف الذي تحوّل من ظاهرة إلى أمرٍ واقعٍ يضاعف صعوبة محاولات عمليات الإزالة في زمن كورونا. ملايين البيوت المفتوحة من هذه الفرشات تقف في مواجهة حادة وعنيفة مع انتشار الفيروس، وما يتطلبه من تصعيد لإجراءات الوقاية. والدليل على ذلك هو عمليات الكر والفر التي يشبهها البعض من الباعة أنفسهم بأفلام "توم وجيري". يقول منعم "الحكومة تعلم استحالة أن نرحل عن المكان كلية، أو أن نتخذ قراراً بتقسيم أيام البيع بيننا. بيوتنا مفتوحة طوال أيام الأسبوع، وأطفالنا يأكلون يوماً ويصومون الآخر حتى في رمضان. كما تعلم جيداً أنها غير قادرة على إبقائنا في بيوتنا، والتكفّل بمصروفاتنا. إضافة إلى أن منازلنا لا تختلف كثيراً عن الميدان. غرفة وصالة يعيش فيها عشرة أشخاص وربما أكثر، وهذا يعني أن المسافات التي يطالبوننا بالإبقاء عليها، ويسمونها تباعداً اجتماعياً غير منطقية، لأنها غير موجودة".

انتحار التباعد الاجتماعي
التباعد الاجتماعي أو الجسدي، كما تفضِّل منظمة الصحة العالمية أن تسميه، انتحر في العتبة، ويتلقون عزاءه في ميدان الموسكي المتاخم. فكل بضعة أيام تُشن حملة من قِبل محافظة القاهرة لإجلاء الباعة، والتأكد من اقتصار عملية البيع والشراء على المحلات التجارية، ثم ما يلبث أن يعودوا ومعهم آلاف المواطنين من الباعة والمشترين. وبين هذا وذاك حملات صحية لتعقيم المكان، أملاً في إقناع الفيروس بالتريث قبل الهجوم.

 

هجوم المواطنين من المتابعين أحوال البلاد وإجراءات مواجهة كورونا من القابعين في بيوتهم أمام شاشات اللاب توب والهواتف المحمولة يكون شديداً على الحكومة كلما ظهرت صور عودة الباعة والأهالي إلى الميدانين، وهو ما دعا أجهزة الإعلام الرسمية إلى نفي أخبار عودة الازدحام إلى المكان، وتأكيد أن الفيديو المنشور قديم. وهنا يعاود مواطنون نشر صور وبث فيديوهات تفيد العكس، لتعاود الحكومة النفي، وهلم جرا. والحقيقة، هي أن لا هؤلاء يدّعون ولا أولئك يكذبون. لكن ما يحدث أن حملات الإزالة والإغلاق مستمرة، لكن محاولات العودة والمعاودة أيضاً لا تتوقف.

نظرة على العتبة
وعلى "تويتر" زحامٌ يضاهي العتبة والموسكي. البعض جعل من "نظرة على العتبة" و"الموسكي يا ريس" ترنداً قبل أيام، إذ مطالبات بمتابعة الإغلاق واستمرار الإجلاء للباعة، لأنهم يعودون في لمح البصر، ومناشدات للمواطنين التحكُّم في رغباتهم الشرائية وتأجيلها، إنقاذاً لما يمكن إنقاذه في شأن تفشي الفيروس. لكن البعض الآخر آمن وسلّم بأن الميدانين خط أحمر أمام كورونا ومنظمة الصحة العالمية بجلالة قدرها. كتب أحدهم: "كورونا أجبر إيطاليا تغلق الفاتيكان، وأميركا تغلق ديزني، والسعودية تغلق الحرم المكي. لكنه وقف عاجزاً أمام العتبة والموسكي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نظرة سريعة إلى الميدانين في أيام عدم وجود حملات إجلاء أو إغلاق تدفع المتأمّل إلى التساؤل حول هُوية الملتزمين البيت، فإذا كان الجميع هنا يبيع ويشتري رغم الحظر والإغلاق، فالمؤكد أن الفيروس وحده هو الملتزم البقاء في المنزل.

التزام البيوت في زمن كورونا مسؤولية اجتماعية، وواجب الجميع تجاه نفسه وغيره، وحماية للمجتمع وصون للوطن، لكنه في العتبة والموسكي "خراب ديار مستعجل"، و"موت مع سبق الإصرار". مرة أخرى يقف الاقتصاد والعمالة العشوائية في وجه كورونا، رافعين شعار "يا قاتل يا مقتول". لكن في الميدانين القاتل فيروس واحد والمقتولون بالملايين. عبثية العتبة تحتاج إلى كافكا وقلمه الحاد، وسوريالية الموسكي تحنُّ إلى بيكاسو وريشته الثائرة ضد الواقع.