Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يجازف الأميركيون بأنفسهم ويعودون إلى العمل؟

"إعادة فتح" المؤسسات في الولايات المتحدة تزيد الفجوة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد حدة، إذ تضع الناس أمام خياري المغامرة ''بمالكم أو بحياتكم''

"هذا مسار خطر إن حصل حقاً، فتفتح المؤسسات أبوابها قبل الأوان ويتعرض المزيد من الأشخاص للإصابة بالفيروس وينقلونه" (رويترز)

فيما تشرع الولايات بالسماح للمؤسسات بفتح أبوابها من جديد، سيعود موظفوها إلى العمل بسبب ما يمثله الحصول على راتب ثابت من إغراء بعد قضائهم أسابيع طويلة عاطلين من العمل أو مفصولين من وظائفهم أو في إجازات مفتوحة من دون راتب خلال جائحة فيروس كورونا، التي قتلت أكثر من 60 ألف شخص في الولايات المتحدة وأصابت ما يزيد على مليون شخص.

لكن الأميركيين الذين يرفضون العودة إلى العمل إن لم يشعروا أنهم سيكونون بأمان إذا فعلوا، يجازفون بالحرمان من إعانات البطالة، وهو إجراء قد يُتخذ في حقهم على الرغم من التحذيرات التي أطلقها خبراء الأوبئة ومسؤولون صحيون آخرون من أن أزمة الصحة العامة لم تنتهِ بعد.

ويتحرق المشرعون الجمهوريون الذين دفعوا باتجاه إيقاف تمويل إعانات البطالة وبرنامج التأمين الصحي الحكومي في ولاياتهم إلى إعادة فتح المؤسسات، فيما يتحضرون لمواجهة ارتفاع في طلبات تعويضات الفواتير الطبية ضمن إطار برنامج التأمين الصحي الحكومي "ميدك إيد"  Medicaid المُخصص للفقراء وطلبات إعانات البطالة، لا سيما في ظل ركود اقتصادي يبدو وشيكاً، وتراجع في عائدات الضرائب، وغياب لخطط رفع الضرائب الهادفة إلى ملء خزائنهم.

وفي غياب الضمانات بوجود ما يكفي من الاختبارات أو معدات الوقاية الشخصية، سلطت إعادة فتح المؤسسات الضوء على فجوة اجتماعية واقتصادية بين الأميركيين: ممن يستطيعون تحمل تكلفة ملازمة المنزل، وأولئك الذين لا يمكنهم أن يتحملوا تكلفة الخروج منه.

وقال ويندل بوتر، وهو مدير تنفيذي سابق في قطاع التأمين الصحي أصبح مُخبراً عن القطاع، إن "هذا مسار خطر... إن حصل ذلك حقاً، فتفتح المؤسسات أبوابها قبل الأوان ويتعرض المزيد من الأشخاص للإصابة بالفيروس وينقلونه، سيكون هذا منافياً للمنطق".

بعد تفعيل دونالد ترمب "قانون الإنتاج الدفاعي" لإجبار مصانع تعليب اللحوم على إعادة فتح أبوابها، أصبح عمالها يقفون في  أحدث خط مواجهة في حرب الرئيس على فيروس كورونا، ذاك "العدو الخفي".

وقال ديفيد مايكلز، مساعد وزير العمل السابق لشؤون الأمان الوظيفي والصحة الوظيفية وخبير الأوبئة لدى جامعة جورج واشنطن، إن المسؤولين يقولون للعمال "إما العودة إلى العمل أو ملازمة المنازل من دون قبض إعانات البطالة". إنهم يخيرونهم بين المغامرة "بمالكم أو أرواحكم... هذا خيار فظيع يُفرض على الناس". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يجازف العمال بفقدان إعانات البطالة إن لم يعودوا إلى العمل

شهد أبريل (نيسان) الماضي تقديم 3.2 مليون أميركي طلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة، تُضاف إلى العدد غير المسبوق للطلبات المماثلة الذي بات سلفاً يتجاوز عتبة 30 مليوناً بعد شهر واحد من تفشي المرض. ويعتبر الخبراء أن الأرقام تعطي لمحة بسيطة عن مدى اتساع أزمة البطالة.

في هذه الأثناء، أفاد "معهد السياسات الاقتصادية" The Economic Policy Institute بأنه مقابل كل 10 أشخاص نجحوا بتقديم طلب إعانة البطالة خلال الشهر الماضي، أخفق في الدخول عبر النظام من ثلاثة إلى أربعة آخرين ممن حاولوا تقديم طلباتهم، فيما عجز اثنان آخران عن تقديم طلبهما بسبب صعوبة العملية.

إلى ذلك، لم تُصدر كيم رينولدز، حاكمة ولاية آيوا، أوامر بملازمة البيوت في ولايتها، شأنها في ذلك شأن قلة من الحكام الآخرين.

ولم يتلقَ عمال الولاية الذين مُنحوا إجازات مفتوحة بلا راتب، تحذيرات من خسارة إعانات البطالة في حال امتناعهم عن العودة إلى العمل عندما يفتح أرباب عملهم مؤسساتهم. غير أن وكالة "تنمية القوى العاملة" في ولاية آيوا، Iowa Workforce Development أوضحت أن غياب هؤلاء العمال سيُعد "مغادرة طوعية" تجعلهم غير مؤهلين للاستفادة من تلك الإعانات الحكومية.

يُشار إلى أن ولايات جورجيا وساوث كارولاينا وتينيسي قد أصدرت سلفاً تحذيرات مماثلة.

من جهتها، قالت الحاكمة رينولدز، خلال إيجاز صحافي يوم الاثنين الماضي، "الحقيقة هي أننا لا نستطيع كبح هذا الفيروس... وسيبقى داخل مجتمعاتنا إلى أن يتوافر لقاح ضده. وعلينا في المقابل أن نتعلم كيف نتعايش مع وجود فيروس كورونا من دون أن نسمح له بالسيطرة على حياتنا".

زاد قانون "كيرز" CARES Act، الذي يتعلق بالإعانة والإغاثة والأمن الاقتصادي الخاص بفيروس كورونا، مؤقتاً عدد الفئات المؤهلة للاستفادة من إعانات البطالة بموجب برنامج "إعانة البطالة في زمن الجائحة"، ليشمل الأشخاص الذين يعتنون بأفراد عائلتهم المرضى والأشخاص الذين طلب إليهم الطبيب أن يعزلوا أنفسهم ومَن يُعانون من اختلالٍ في جهاز مناعتهم. 

وفي ظل وزير العمل يوجين سكاليا، الذي كان قد ألمح إلى أن توسيع نطاق إعانات البطالة خلال الأزمة ينم عن كرم زاد عن حده، أكدت الوزارة علناً أنه لا يمكن إعطاء إعانة البطالة لمن يتوقفوا عن العمل لأنهم "يخشون من الإصابة بعدوى فيروس كورونا من الزبائن الذين يقصدون المتجر".

وبينما تبدأ الولايات بإعادة فتح بعض المؤسسات تدريجياً وبشكل محدود، يبدو أن الأشخاص الذين تُرجح عودتهم إلى العمل أكثر من غيرهم هم العاملون في مجال البيع بالتجزئة ممن يتقاضون رواتب قليلة ويتعاملون بشكل مباشر مع العملاء، من أمثال مصففي الشعر وأخصائيي العناية بالأظافر إلى موظفي المطاعم وأماكن لعب البولينغ.

أما الأدوار التي يُرجح أن تكبر مع إعادة فتح الولايات للمؤسسات، فتضم وظائف أساسية خلال الأزمة تشغلها غالباً النساء من صاحبات البشرة السوداء.

فواحدة من كل ثلاثة عاملين أساسيين هي امرأة وفقاً لتحليل نشرته "نيويورك تايمز" لبيانات العمل والتعداد السكاني. ويقول هذا التقرير إن النساء يشكلن 9 من كل 10 ممرضين ومساعدي ممرضين، ومعالجي جهاز التنفس، والصيادلة وغيرهم من العاملين في الصيدلية. كما أن أكثر من ثلثي العاملين وراء صناديق الدفع في البقالات وفي مطاعم الوجبات السريعة هم من النساء.

ووفقاً لبيانات "معهد السياسات الاقتصادية"، فإن أقل من واحد من كل خمسة عمال من البشرة السوداء ونحو واحد من كل ستة عمال من أصل لاتيني، يستطيعون العمل من المنزل. كما أن من يستطيعون العمل عن بعد يمثلون أقل من 10 في المئة من العاملين في الشريحة الربعية الدنيا من توزيع الأجور مقابل 61.5 في المئة في الشريحة الربعية العليا، وفقاً للتقرير.

وأدى "برنامج حماية الأجور" بموجب قانون "كيرز" CARES Act، إلى سحب 350 مليار دولار على شكل قروض للشركات التي توظف أقل من 500 شخص. وصدرت الموافقة على تقديم مبلغ 310 مليارات إضافية بعدما نفد التمويل في غضون أيام قليلة. وستعفي  هيئة "إدارة المؤسسات الصغيرة" هذه الشركات من سداد الديون، شريطة حفاظها على الرواتب كما كانت قبل الجائحة على امتداد شهرين.

وتجاوزت إعانات البطالة "المدعومة" الرواتب في بعض الولايات التي يعتبر مستوى الأجور فيها متدنياً. فالمساعدة الإضافية بقيمة 600 دولار التي تُدفع أسبوعياً للعمال العاطلين من العمل، وقد تقرر المضي في توزيعها حتى يوليو (تموز)، هي أعلى بكثير من إعانات البطالة التي تدفعها "لجنة تنمية القوى العاملة" في لويزيانا، وتبلغ 247 دولاراً أسبوعياً مثلاً. وتطبق الولاية الأجر الفيدرالي الأدنى البالغ 7.25 دولار في الساعة. نظم المشرعون الجمهوريون في الولاية اعتراضاً ضد قرار الحاكم جون بيل إدواردز بتمديد أوامر ملازمة المنزل حتى 15 مايو (أيار) الحالي، وذلك على الرغم من أن الولاية تشهد معدلات وفيات وإصابات مرتفعة للغاية للفرد الواحد، تخطت نسب الإصابات والوفيات في بعض أكبر المدن والمقاطعات الأميركية التي تضم أعداداً من السكان أضخم بكثير مما في لويزيانا.

وتُظهر الوثائق الداخلية التابعة لفرع الحزب الجمهوري في الولاية وجود حملة منظمة هدفها التقليل من أهمية التحذيرات الصحية وإضعاف إدواردز، وهو الحاكم الديمقراطي الوحيد في أقصى الجنوب.

في غضون ذلك، قال ميتش ماكدونال زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ، إن الولايات التي تواجه أزمة مالية تستطيع أن تشهر إفلاسها، كما اعترض على "الإنقاذ المالي للولايات الزرقاء" (في إشارة إلى تصويتها للديمقراطيين)، معتبراً أن الزعماء الديمقراطيين "سيستغلون هذه الجائحة لحل مشكلات كثيرة صنعوها بأنفسهم".

يواجه العمال الذين أُنهيت خدماتهم احتمال خسارة تأمينهم الصحي

يفيد تقدير عالي المستوى وضعته شركة "هيلث مانجمنت أسوشيتس"،  Health Management Associates بأن ما يتراوح بين 12 و35 مليون شخص، ممن يحصلون هم وأفراد عائلاتهم على التأمين الصحي من خلال رب عملهم هم وأفراد عائلاتهم، قد يخسروا تغطيتهم هذه بسبب موجة فصل الموظفين خلال الجائحة.

وقال بوتر "بما أن معظم البالغين ممن يعملون في هذا البلد، وعائلاتهم، يحصلون على التغطية الصحية من خلال مكان عملهم، يُظهر هذا الواقع عبثية ربط تلقي الناس للرعاية الصحية بوظائفهم، وسخفه أيضاً".

لم يكن لدى ستة وعشرين مليون أميركي أي تأمين صحي أساساً قبل الجائحة.

وترى "هيلث مانجمنت أسوشيتس" أن معدلات الانضمام إلى "ميديك إيد" قد ترتفع من 71 مليوناً إلى 82-94 مليوناً، مما سيتسبب بضغوط على موازنات الولايات التي تعاني سلفاً من صعوبات مالية بسبب الاستجابة للجائحة.

ومن غير الواضح إن كانت الولايات مستعدة لطفرة جديدة في معدلات الانضمام إلى البرنامج الصحي الفيدرالي الذي يخدم الأميركيين الفقراء.

لم توسع 14 ولاية حتى الآن البرنامج، الذي ينضوي تحت قانون الرعاية الصحية الميسرة"، خوفاً من عجز موازنتها الخاصة على تغطية التكاليف المتبقية في البرنامج المدعوم فيدرالياً، مما قد يؤدي إلى حرمان ملايين "الفقراء العاملين" في أميركا من تأمين صحي. يُشار إلى أن من شأن هذا التوسع أن يغطي الفجوة في التغطية بين الأشخاص الذين اعتُبروا غير مؤهلين في السابق للحصول على "ميديك إيد" ولكنهم غير قادرين على تحمل تكلفة التأمين من خلال البرامج الخاصة أو تلك التي يوفرها رب العمل.

وقد يتعرض تمويل "ميدك إيد" Medicaid هو الآخر لـ"ضائقة رهيبة"، إذ تواجه الولايات "معضلة مزدوجة عبر تراجع عائدات الضرائب من جهة والحاجة لدفع المزيد من المال من جهة ثانية، كي يتسنى للناس الحصول على إعانات البطالة والرعاية الصحية" خلال الأزمة، بحسب تعبير بوتر.

من ناحيتها، قالت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إنه سيتسنى للمستشفيات ولمقدمي الخدمات الصحية أن يرسلوا فواتيرهم إلى الحكومة الفيدرالية الخاصة بتوفيرهم رعاية صحية تتعلق بكوفيد-19 لأشخاص لا يملكون تأميناً صحياً، وستُسدد الحكومة هذه النفقات تبعاً لأسعار "ميديكير" Medicare، بحسب ما صرح وزير الصحة أليكس عازار. لكن لم يُكشف بعد عن تفاصيل هذه الخطة.

وطرح الديمقراطيون في الكونغرس توسيع نطاق إعانات برنامج "كوبرا" COBRA، الذي يتيح للأشخاص تمديد التغطية الصحية التي كانوا يحصلون عليها لدى أصحاب العمل بعد أن يتركوا وظيفتهم. ويبين الهدف المعلن للبرنامج، الذي أُعد ليكون تغطية صحية على المدى القصير خلال الفجوة الزمنية الفاصلة بين وظيفتين، مدى اعتماد الأميركيين على العمل من أجل الحصول على التأمين الصحي.

وتقضي الخطة التي طرحها الديمقراطيون في مجلس النواب بدعم أقساط برنامج "كوبرا" للعمال الذين سُرحوا من وظائفهم. ووجهت شركات التأمين الخاصة رسالة إلى الكونغرس تؤيد فيها هذه الخطة.

أما بوتر، فيسميها إنقاذاً مالياً.

وشرح أنها "ستعيد للشركات كل الأرباح التي يُحتمل أن تخسرها جراء إلغاء العمليات الجراحية الاختيارية كافة. وستكون شركات التأمين الرابح الأكبر من هذه الجائحة".

لكن 10 في المئة من الأميركيين فقط المؤهلين للانضمام إلى "كوبرا" سيستفيدون من البرنامج الذي يحمل المستخدمين السابقين مسؤولية دفع حصتهم من الأقساط، إضافة إلى الحصة التي كان صاحب عملهم السابق يغطيها وغيرها من الرسوم. ووجد "صندوق عائلة كايزر" أن متوسط أقساط التأمين في عام 2019 لبرنامج تغطية عائلي مدعوم من رب العمل يصل إلى 20576 دولاراً سنوياً.

فيما يجد ملايين الأميركيين أخيراً أنفسهم عاطلين من العمل، تتطلب خطة الديمقراطيين من المشاركين في البرنامج أن يتحملوا نفقات أخرى، وستثبت حالة عدم المساواة القائمة في مجال الصحة. ولن يستطيع الأميركيون، من غير المؤهلين للاستفادة من تغطية "كوبرا"، الحصول على الرعاية الصحية المدعومة حكومياً عبر البرنامج، فيما يشمل هذا الدعم خطط التأمين الصحي ذات التكلفة المرتفعة للعمال الذين يتقاضون أجوراً عالية، وكذلك خطط التأمين ذات التكلفة المتدنية والتغطية الأقل.

وقال  بوتر "سيستمر التفاوت بين الذين وجدوا أنفسهم بلا تأمين أخيراً. وستستمر خطط التأمين الصحي للكثير من الناس، لكنهم سيدفعون الكثير من المال من جيوبهم".

قدم المشرعون التقدميون تشريعاً طارئاً لتسديد النفقات التي يتكبدها الأشخاص لقاء علاج كوفيد-19 من دون الاعتماد على شركات التأمين التي تبغي الربح. ويقضي مشروع القانون الذي طرحه السيناتور بيرني ساندرز وعضوة الكونغرس براميلا جايابال، بتغطية التكاليف المفروضة على الأشخاص الذين ليس لديهم تأمين صحي عبر برنامج "مديكير".

واعتبر بوتر أنه "من المذهل حقاً أن يكون الكونغرس مستعداً لإنفاق المزيد من المال، من أموال دافعي الضرائب، للحرص على حصول الأشخاص على الرعاية التي يحتاجونها" بموجب خطة "كوبرا". وأضاف "ما يثير الغضب هو التفكير في أن مسؤولينا المنتخبين يعتقدون بأن هذا الخيار هو الأفضل".

© The Independent