Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أبيي" القنبلة السودانية الموقوتة بين الشمال والجنوب

تصاعد حالة الغبن والاحتقان بين سكان المنطقة في ظل غياب الدور الرقابي والأمني للقوات الأممية

يسعى رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى إنهاء الصراع في منطقة أبيي (أ.ب)

لم تعرف منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، غير أجواء التوتر من حين إلى آخر لسنوات طويلة، بين القبائل التي تقطن هذه المنطقة وتتقاسمها تاريخياً، وهي المسيرية التابعة لدولة السودان (قبيلة عربية مسلمة)، ودينكا نقوك المنحدرة من جنوب السودان وتتوزع ديانة أفرادها ما بين الوثنية والمسيحية، بسبب احتكاكات شبه يومية في المياه والمراعي، خصوصاً أن المنطقة غنية بالموارد الطبيعية والثروة الحيوانية.

وتخضع أبيي على ضوء اتفاقية نيفاشا التي وقعت بين حكومة السودان في عهد الرئيس السابق عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق في 2005، وأدت إلى انفصال الجنوب عام 2011، تحت الوصاية الدولية، حيث شكلت الأمم المتحدة بعد إعلان دولة جنوب السودان بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1990، عام 2013 قوة مؤقتة قوامها أكثر من 5000 جندي لحفظ السلام في أبيي يطلق عليها "يونسفا"، كلفت برصد التوتر بين دولتي السودان وجنوبه، ومحاولة تطويقه.

وتتمتع هذه القوة الأممية بصلاحيات كبيرة لاستخدام القوة في حماية المدنيين والعاملين في مجال المساعدة الإنسانية، على أن تبقى القوات العسكرية التابعة للبلدين خارج حزام المنطقة.

قنبلة موقوتة

ظلت كلتا الدولتين تلجآن، كلما تفجر الوضع إلى توجيه أصابع الاتهام إلى جهة أو مكون بعينه، ففي كثير من الأحيان حمّلت حكومة جنوب السودان الجيش السوداني مسؤولية الأحداث التي تقع من وقت إلى آخر، ما جعل الخرطوم تستجيب إلى نداء جارتها في آخر اشتباك وقع في يناير (كانون الثاني) الماضي، بإقالة رئيس إدارة أبيي التابع للجانب السوداني في رمزية لمشاركته الضمنية في الأحداث مع بعثة "يونسفا"، بالتالي إبعاد التهمة عن الجيش السوداني وما يتبع له من قوات رسمية أخرى.

بينما ظل اتهام الخرطوم يُركز على القوات الأممية في المنطقة وتحميلها مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية.   

وأعاب كثير من المراقبين على اتفاقية نيفاشا عدم حسمها هذا الملف، الذي بات بمثابة قنبلة موقوتة، قد يؤدي إلى تصاعد النزاعات داخل المنطقة الغنية بالنفط، وتطورها إلى حرب أهلية يصعب السيطرة عليها، وهو ما تسعى إليه قوى تريد إحراج قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وحضها على الرحيل مع استمرار موجات التوتر وفشل الدولتين في السيطرة على مجريات الأحداث، خصوصاً أن البيئة المحلية حافلة بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تقود إلى نسف عملية التعايش السلمي في منطقة أبيي، وإفشال جهود السلام والتنمية بطول وعرض منطقة القرن الأفريقي.

اتهامات متبادلة

في المقابل، ظل مجلس الأمن خلال مناقشته هذا الملف في فترات عدة، يحث الطرفين على ضرورة إيجاد علاج شافٍ لهذه الأزمة، لما تشكله من تهديد خطير للنظام الدولي، فضلاً عن بروزها على السطح كلما وجدت العوامل إلى ذلك، في الوقت الذي تتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وجوبا بسبب الإخفاقات في التوصل إلى حزمة من الترتيبات الإدارية والأمنية التي تكفل تسويتها عن طريق الحوار، والتشديد على الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.

وفي هذا الشأن، أشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون عمليات السلام جان فير لاكروا، خلال مخاطبته مجلس الأمن الدولي عن التطورات الأمنية الأخيرة المتعلقة بقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي، إلى تدهور الأوضاع الأمنية في هذه المنطقة.

 ولفت أنه على الرغم من تحسن العلاقات بين السودان وجنوبه، إلا أن الوضع لا يزال صعباً للغاية في منطقة أبيي، ولن يتم إحراز تقدم في تحديد الوضع النهائي للمنطقة على المدى القصير.

وتابع "لا يزال الوضع الأمني في أبيي متقلباً، مع وقوع حلقات من التوترات المتزايدة بين دينكا نقوك والمسيرية، في ظل زيادة الإجرام ووجود عناصر مسلحة في منطقة مسؤولية القوة الأمنية المؤقتة"، منوهاً بتعرض قوات "يونسفا" إلى هجمات من قبل عناصر مسلحة، وأن التصعيد الكبير للعنف بين المجتمعات، أدى إلى وقوع عدد من الهجمات الانتقامية.

تدخل القيادتين

وشهدت المنطقة الأيام الماضية توترات بين السكان راح ضحيتها 23 قتيلاً من قبيلة المسيرية، ما استدعى من رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إجراء اتصال هاتفي أمس الأربعاء (6-5-2020) برئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت، اتفق خلاله الجانبان على أهمية إنهاء الصراع في منطقة أبيي، مؤكدان أن المشكلة تستدعي التدخل الصارم والسريع للتوصل إلى حل شامل ينهي الصراع في المنطقة خلال الأيام المقبلة.

 وأكد الطرفان التزامهما بالاتفاقيات المتعلقة بالمنطقة التي وقعتها الحكومتان، وعلى رأسها الترتيبات الإدارية والأمنية المؤقتة للمنطقة، واتفاقيات التعاون بين الدولتين.

وتمثل الاعتداء في احتجاز مجموعة من المتفلتين لـ 3000 رأس من الماشية تتبع لرعاة قبيلة المسيرية في جنوب منطقة بحر العرب، ما أدى إلى احتقان وسط المسيرية.

لكن بتدخل والي ولاية أويل التابعة لدولة جنوب السودان ألقي القبض على الجناة وإعادة الماشية إلى شمال بحر العرب بأمان.

في الوقت ذاته، وعدت السلطات المختصة في جنوب السودان بمحاكمة الجناة أمام لجنة من الإدارات الأهلية وقيادات المسيرية، وسيكون لهم الخيار بين القصاص والديّة.

الحلول والمعالجات

وعلى أثر تكرار هذه الأحداث كل فترة، ما الحلول والمعالجات التي يمكن أن تنهي هذه الصراعات المتواصلة بين قبيلتي المسيرية والدينكا، وإحلال السلام والأمن في المنطقة؟

يقول الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية عبد المنعم عبدالله لـ "اندبندنت عربية"، إنه "يجب على المسؤولين في الدولتين التعامل بجدية مع هذه القضية حتى لا تتفجر الأوضاع ويحدث ما لا تحمد عقباه، خصوصاً أن الوضع الأمني في غاية الهشاشة، فضلاً عن تصاعد حالة الغبن والإحتقان بين سكان المنطقة، في ظل غياب الدور الرقابي والأمني للقوات الأممية التي فشلت في السيطرة على المشكلات التي تحدث بشكل متكرر".

ويشرح "في نظري باتت مشكلة أبيي الآن أكثر تعقيداً من أي فترة سابقة، بسبب تدويل القضية وموقعها الاستراتيجي، إلى جانب ما تتميّز به من ثروات نفطية هائلة، ما أشعل جذوة الصراع بين البلدين، ولا أعتقد أن الأمر سينتهي بتسوية سياسية لأن كلا الطرفين حكومة وسكان المنطقة متمسكان بها ولا أحد يرغب في التنازل مهما كلف الأمر، لذلك تشكل هذه المنطقة برميلاً من البارود بإمكانه الانفجار في أية لحظة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح "تتطلب معالجة هذه المشكلة سرعة تحرك دولتي السودان وجنوب السودان وشركاء السلام الفاعلين في المجتمع الدولي لتنفيذ بروتوكول منطقة أبيي، إضافة إلى أهمية تنشيط دور الحكماء والعقلاء في المنطقة، ولجنة السلام المشتركة من قبيلتي المسيرية ودينكا نقوك، إضافة إلى المبادرات المجتمعية، فهذه الجهود إذا استنفرت ستحدث اختراقاً مهماً في اتجاه استقرار المنطقة وتعايش سكانها في سلام وأمان".

وبحسب تصريحات نائب رئيس مجلس السيادة في السودان محمد حمدان دقلو، فإن حكومتي البلدين توصلتا عن طريق المشاورات التي تمت على مستوى القيادة إلى إيجاد آلية لحماية مواطني المنطقة، من خلال تشكيل قوات مشتركة ترابط بالقرب من أبيي للقيام بهذه المهمة، ما يشير إلى وجود قصور واتهام لقوات اليونسفا بعدم تحملها مسؤولياتها المتعلقة بحماية مواطني المنطقة، باعتبارها منطقة منزوعة السلاح ولا توجد بها قوات عسكرية.

الخلاف التاريخي

تقع أبيي في الجزء الجنوبي الغربي لولاية جنوب كردفان السودانية، في مساحة تقدر بـ 25 ألف كيلو متر مربع.

وتتبع المنطقة إدارياً لولاية جنوب كردفان، وينتشر فيها ثلثا حقول النفط في السودان، الذي يبدأ شرقاً بحقلي شارف وأبو جابرة، منتهياً بحقول هجليج وبليلة.

وتبعد منطقة أبيي الحدودية نحو 50 كيلومتراً عن بحر العرب وهو نهر صغير يقع بين السودان وجنوبه، ويمتهن معظم سكانها ذوو الأصول الأفريقية والعربية الرعي.

ويدعي كل من البلدين سيادته التاريخية على المنطقة، لذلك كان من المفترض إجراء استفتاء حول تبعية منطقة أبيي بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان في 2011 إلا أن الخلاف بين حزب الرئيس السابق عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان حول تعريف الناخب الذي يحق له التصويت حال دون قيام الاستفتاء، ما دعا مجلس الأمن الدولي لإنشاء بعثة عسكرية لحماية المنطقة.

المزيد من العالم العربي