Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العين والروح" لميرلو بونتي فلسفة في ظل سارتر وضده

تأملات اللحظات الأخيرة حول موقع الفن بين المبدع والطبيعة

موريس ميرلو بونتي (اندبندنت عربية)

بالكاد يبلغ عدد صفحاته مئة، ذلك النصّ الذي أصرّ المفكر الفرنسي موريس ميرلو بونتي على أن لا تنتهي حياته من دون أن يستكمله. وهكذا نجده خلال الأشهر الأخيرة من حياته يبتعد عن باريس، وعن كل ما له علاقة بالصخب والتدريس والسجالات الفكرية، عميقةً كانت أو تقنيةً، لينفرد بنفسه ويكتب "العين والروح" على شكل وصية "فنية" أخيرة. فهناك كان الكاتب يمضي أوقاته وحيداً في رفقة الطبيعة وذكريات الرسام سيزان، الذي كثيراً ما رسمها في تلك الأمكنة نفسها المحيطة بالبيت الريفي.

ومن هنا، لن يفوت قارئ الكتاب أن يرى ظلّين كبيرين يخيمان عليه: ظل سيزان نفسه، باعتباره مادة أساسية للتفكير في الموضوع، وظل جان بول سارتر بوصفه حاجزاً في هذا الميدان، لا تحلو الحياة الفكرية من دون تجاوزه. وكان من الواضح أن هذا كان الطموح الأخير لميرلو بونتي، ولو في عمق وعيه الباطني.

الكتاب عبارة عن تـأمّل في قضية الفن بالتحديد، سيقول كثر إن ميرلو بونتي فكّر دائماً في كتابته، لكنه لم يجد ما يكفيه من الوقت. وكان من الواضح أن ما وضعه هذا المفكر نصب عينيه حينها كان تجاوز ما لا يقل عن كتابين قديمين، إنما أساسيان لسارتر: "الخيال" و"المتخيّل"، لكن ليس للرد عليهما أو معارضتهما، بل بالأحرى للتساوي مرة أخرى مع سارتر في مجال إضافي.

نظرة إلى المفكر لا إلى أفكاره
في هذا الكتاب، وبشكل أساسي راح بونتي يطرح تساؤلاته، السيزانية غالباً كما أشرنا، على الرؤية، رؤية الفنان ورؤية الإنسان العادي (المتلقّي، الذي كان دائماً محل اهتمامه) في العلاقة مع الرسم، بالتالي العلاقة بين المخيلة والعقل، تلك العلاقة التي تنبني خصوصاً من طريق العمل الفني في تفاوضه الدائم مع المبدع ونظرة هذا الأخير إلى موضوعه الذي قد يكون الطبيعة، لكن قد يكون كذلك الجسم البشري أيضاً "تلك المعجزة الصغيرة" حسب ميرلو بونتي، التي يثبتها الفن على مسطح اللوحة بشكل يعطيها حياة إضافية غير حياتها الفانية.

والحقيقة، أن الكاتب يبدو واضحاً هنا في إدراكه كونه يخوض موضوعاً متشعباً، ما يجعله بحاجة إلى مجلدات كي يتمكّن من إيصال الموضوع برمته إلى قارئه، ومن هنا ما يبدو على هذا النص من كونه أشبه بأن يكون خطوطاً أولية مكثفة تحتاج إلى صفحات طويلة، لكي تتحوّل كل عبارة فيها إلى مرافعة حقيقية مقنعة عن الفن وعلاقته الحقيقية بالروح من ناحية، وبالعين من ناحية ثانية.

ومن هنا صعوبة هذا الكتاب وعدم شعبيته، حتى وإن كان ثمة كثر بين قراء ميرلو بونتي قد قرؤوه وأثنوا عليه، إنما من دون أن يقول أيّ منهم إنه تمكّن فيه من مضاهاة سارتر. ولم يكن هذا هو المهم هنا على أي حال. المهم هو أننا في حضرة "العين والروح" أمام واحدة من تلك التدخلات الفطنة والأريحية التي يحلو للفلاسفة ممارستها بين الحين والآخر داخل مجالات جمالية بعيداً عن تخصصاتهم التقنية البحتة.

ويقيننا، أن القيمة الحقيقية والأساسية لكتاب ميرلو بونتي الأخير هذا تكمن في هذا السياق بالتحديد، بحيث إن من يقرؤه يطل إطلالات إضافية على عوالم وأفكار هذا الفيلسوف بأكثر كثيراً مما يطلّ على فلسفة الفن نفسها، أو يستزيد من العلاقة التي يقيمها الكتاب بين الروح والعين والفن.

العودة إلى بونتي مستقلاً
ولعل هذا الأمر يبدو لنا بالغ الأهمية هنا، انطلاقاً من فكرة أن كل شيء في الفلسفة الفرنسية، منذ أواسط القرن العشرين، وحتى رحيل جان بول سارتر، كان يدور من حول هذا الأخير، بالتوافق أو بالتضاد معه، بالتالي فإنّ هذه الاستفاضة في التمعّن في حياة ميرلو بونتي وفكره، تغدو مهمة نظراً إلى أن هذين لم يعالجا فترة طويلة من الزمن إلا من خلال احتكاكه بسارتر، صداقته له، ثم خلافه معه إثر نشره كتابه الأشهر "مغامرات الجدل" (1955). لكن. مهما يكن لا بدّ من تـأكيد أنه منذ رحيل سارتر وبعد عودة الأمور إلى نصابها بالتدريج، بدأت الأوساط العلمية الفلسفية الفرنسية تعتاد النظر إلى ميرلو بونتي بشكل مستقل تماماً عن نظرها إلى سارتر، وبدأت تكتشف أنه إذا كان ثمة مفكر فرنسي في أواسط القرن العشرين يستحق، حقّاً، لقب فيلسوف بالمعنى السقراطي الأنيق للكلمة، فإنّ هذا المفكر لن يكون سوى ميرلو بونتي نفسه، شرط أن يتخلّص من شبح سارتر، وأن تُعتبر علاقته بهذا الأخير، ونزعته الوجودية، ومشاركته في رئاسة تحرير مجلة سارتر "الأزمنة الحديثة" ذات حقبة، أموراً طارئة، غير أساسية في حياته وعمله.

سقراطية ميرلو بونتي
والحقيقة، أن ميرلو بونتي، المولود في روشفور عام 1908، والراحل في باريس عام 1961، كان سقراطياً لا سارترياً، حتى وإن شارك سارتر تتلمذه الأساسي على أنثروبولوجيا كانت وظواهرية هوسرل. فالشغل الشاغل لميرلو بونتي كان الإنسان، وبخاصة في علاقته بالطبيعة، وهذا أمر ازداد الإلحاح عليه، خصوصاً بعد أن نُشِر في باريس كتابٌ في نحو 400 صفحة، يضم الدروس الشفهية التي كان ميرلو بونتي يعطيها لتلامذته في "الكوليج دي فرانس" بين 1956 و1960، التي جعلت علاقة الإنسان بالطبيعة محوراً لها، ومن هنا أتى عنوان الكتاب "الطبيعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا الكتاب، الذي أتى مستكملاً ومثوِّراً النظرة التي كانت تلقى على ميرلو بونتي من خلال كتبه الرئيسة مثل "فينومينولوجيا الإدراك" (1947)، و"في مديح الفلسفة" (1953)، و"العين والروح" (1964)، و"المرئي واللامرئي" (1964)، هذا الكتاب أتى ليؤكد سقراطية ميرلو بونتي، من خلال تأكيده أن الإنسان هو وعيه، في ما تكمن الطبيعة في عفويتها وفطرتها.

ومن هنا فإن بين "الطبيعة والإنسان شرخ من المستحيل رتقه"، فالطبيعة ليست الإنسان، والإنسان ليس الطبيعة. وانطلاقاً من هنا يوضح ميرلو بونتي في محاضراته تلك الجدل الذي دفع الغرب إلى التساؤل حول القطيعة الأساسية بين الإنسان والطبيعة، وإلى دراسة "الطبيعة البشرية"، انطلاقاً من أبعاد تختلف عن أبعاد العلم الدارويني والأنثربولوجيا الكانتية.

وانطلاقاً من مثل هذا التحليل يبرهن ميرلو بونتي على أنّ ثمة انقلاباً ها هنا، "إذ بعد أن دخل الإنسان في الطبيعة أول الأمر، حدثت حركة معاكسة هي حركة الطبيعة التي دخلت في الإنسان" فصارت جزءاً من وعيه.

دردشات بين أصدقاء
هذا التحليل رسمه ميرلو بونتي، كما كان من شأن سقراط أن يفعل، بصورة شفهية أي أنه لم يدوّنه أبداً. وهو في هذا أعطى روحاً جديدة لتدريس الفلسفة وربطها بالروح السقراطية، حيث لم يعد الدرس الفلسفي نصّاً يُقرأ ويحاوَر، بل صار "دردشة" بين أصدقاء يسودها روح السخرية والتساؤل الخلاق (وهنا، ها نحن مرة أخرى في قلب النزعة السقراطية).

ويقول المتحدثون اليوم عن هذا الاكتشاف الجديد لميرلو بونتي إن الفيلسوف، من خلال أسلوبه التعليمي هذا بدا وكأنه أدرك حقّاً الغاية الأساسية من إقامة صرح لتدريس الفكر: مكاناً يندفع فيه المفكر، وقد تحرر من الأطر الجامعية الرسمية المكبلة، في عملية تفكير منفرد دائم، شفهي يقوده إلى إلقاء كاشفات ضوء مفاجئة على مناطق ظل في الفكر، لم يكن أحد اشتبه بأن لها وجوداً من قبل.

وهذا ما جعل سيمون دي بوفوار تقول عنه، في الماضي، وقد أدركت حقّاً مغزى توجهه العملي والفكري "أنك لتستشعر في كتابه (مغامرات الجدل) حنيناً إلى عصر ذهبي للثورة، لا يقع لا في واقع الأشياء، ولا في الماركسية التي تحدق في هذا الواقع من كثب، بل فقط في الحياة الداخلية لميرلو بونتي نفسه"، ولنضف نحن هنا، استناداً إلى "العين والروح"، هذا الكتاب الذي توقفنا عنده: "... بل في المكان الأمثل ليكون وسيطاً حقيقياً بين الإنسان والطبيعة، أي الفن".

المزيد من ثقافة