Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أيام "كورونا" القلقة محفورة على جدارية طابع البريد

مع ظهوره وانتشاره في بريطانيا سرت إشاعة نقله الطاعون والعالم الرقمي ضيق حدوده

وصل الطابع الأول مكاتب البريد في مستهل شهر مايو عام 1840 (أ.ف.ب)

رغم الاختلاف الواسع بين القادة السياسيين، والأبطال الرياضيين، والانتصارات العسكرية، والمكايدات الجيوسياسية، والرموز التحريرية، والمناظر الطبيعية، والمشاهد الجدلية، والرسائل الرمزية، والرسوم السيريالية، فإنه يوحد بينها ظهر صمغي يتم تنديته بالماء، فيلتصق بالمظروف وتبدأ الرحلة، حيث يعبر آلاف الأميال، ويبحر عبر أنهار ومحيطات، ويطير جواً، ويستقر في يد المرسل إليه، مع الشكر لساعي البريد.

وساعي البريد إن حكى فهو يؤرخ لقصص إنسانية، وأخبار رحيل، وبشرى مولود جديد، وأسرار وحكايات ومطالبات ومناشدات. منها ما وصل ليد المرسل إليه، ومنها ما ضل طريقه، ومنها ما ظل تائهاً عقوداً طويلة ثم وصل إلى المرسل إليه بعد رحيله، أو بعد زوال أسباب الإرسال.

طابع "بني بلاك"

إرسال الرسائل من مكان لآخر لم يكن بالأمر اليسير؛ عملية مكلفة، الحساب على كل ورقة على حدة، بالإضافة إلى المسافة التي يتم قطعها. أما السداد فكان مسؤولية المرسل إليه. الظهور الأول لطابع البريد الذي يشتريه المرسل ليلصقه على المظروف المراد إرساله كان في بريطانيا في مثل هذا اليوم السادس من مايو (أيار) عام 1840، أي قبل 130 عاماً بالتمام والكمال.

الطابع الصادر تحت اسم "بني بلاك"، حاملاً صورة الملكة فيكتوريا ببروفايل جانبي، وكلمة "بريد" أعلاها، و"واحد بنس" أسفلها. وعقب إصدار طابع البريد الأول، شهدت التجارة والتواصل والاتصال ازدهاراً وانتشاراً، بعد تخفيض التكلفة وتيسير عملية التوصيل.

ويمكن القول، إن "بلاك بني" هو العلامة الفارقة الأكبر في تاريخ ومسيرة نقل الرسائل في العالم الحديث، لكن هذه العلامة التي يحتفل العالم اليوم بذكراها لم تأت بسهولة، ولم يتم تفعيلها دون كفاح ونضال.

مناضل البريد

والمناضل هنا، هو رونالد هيل، المعلم بمدرسة في مدينة برمنغهام البريطانية. فبعد سنوات من حملات صحافية اقترحت سبلاً أيسر في نقل الرسائل، ومطالبات شعبية بتكلفة أقل في توصيل المراسلات، وحملات سياسية انتخابية تستغل هذا، وتفتئت على ذاك، فتستخدم الوعود البريدية في الدعاية الانتخابية، خرج هيل بكتيب صغير عنوانه "إصلاح نظام البريد: أهميته وقيمته". ميزة هذا الكتيب أنه احتوى على مقترح منطقي لخفض نفقات البريد وفي الوقت نفسه يفيد الدخل القومي للدولة.

 

احتوى الكتيب على مخطط شامل للبريد على النحو التالي؛ مكتب بريد في كل مدينة، وموظفون يديرون المنظومة، وعربات وخيول تنقل الرسائل، وتوحيد تعرفة التوصيل طالما يتم الإرسال والتسلم داخل الحدود البريطانية.

وبحسبة اقتصادية بسيطة، توقع هيل أن تؤدي هذه الترتيبات وتوحيد التعريفة إلى زيادة ضخمة في عدد الرسائل المرسلة، ومن ثم تضاعف العوائد المالية منها، وسداد الرواتب وتحقيق هامش ربح جيد للدولة. ودق هيل كذلك على وتر اجتماعي وآخر سياسي. فأكد أن زيادة أعداد المراسلات في بريطانيا من شأنها أن تعمق أواصر الصلات والعلاقات الاجتماعية بين أنحاء الإمبراطورية، وأن ذلك من شأنه أن يسهم في توحيدها وتقويتها بدلاً من تمزيقها وتفتيتها.

قصة البريد

يشير حسين شيرازي في كتابه "قصة البريد" إلى أن هيل اعتبر مسألة البريد شغله الشاغل، رغم أنه كان معروفاً باهتمامه بقضايا الشأن العام. وطبع مئات النسخ من كتيبه، وأدار حملة توعوية على أعلى مستوى وبشكل فردي. وزع الكتيبات على رجال الأعمال وأصحاب الشركات وعلى المواطنين العاديين، وكانت النتيجة مئات المطالبات والالتماسات المقدمة للبرلمان لدراسة إمكانية تنفيذ مقترحات هيل، بالإضافة إلى دعم العديد من الأقلام الصحافية له في فكرته البريدية الفذة. وفي المقابل، عارضه القائمون على أمر البريد التقليدي باهظ التكلفة حماية لمصالحهم وأرباحهم الطائلة.

أما رجال البريد الذين كانوا قائمين على توصيل الرسائل حينئذ، فقد شنوا بدورهم حرباً شعواء على فكرة البريد الجديد، وما يتصل بها من طوابع، وأشاعوا أن النظام الجديد من شأنه أن يفتت الإمبراطورية البريطانية ويقضي على مجدها.

خطبة العرش

وبعد ضغوط شعبية هائلة على البرلمان، وافق على دراسة مقترح هيل في أواخر عام 1837 وتم تشكيل لجنة لدراسته. واستغرق عمل اللجنة عامين كاملين وتكللت جهود هيل والضغط الشعبي النجاح في 27 أغسطس (آب) عام 1939 بالموافقة عليه. وفي خطبة العرش ذلك العام، قالت الملكة فيكتوريا إنها تأمل أن يكون مشروع هيل للبريد عاملاً من عوامل زيادة الدخل القومي، وأن يجني المجتمع منه فوائد جمة.

بدعة وطاعون

ووصل طابع البريد "بني بلاك" الأول مكاتب البريد في الأول من مايو (أيار) عام 1840، وبه علامة مائية كذلك على هيئة تاج، ضماناً لعدم التقليد أو التزوير، وفي يوم 6 من الشهر نفسه، أي في مثل هذا اليوم، بدأ بيع الطابع.

الطريف أن موظفي البريد القدامي حاولوا أن يبثوا إشاعات مفادها أن هذا الطابع الملعون سينشر الوباء بين البريطانيين ويقضي عليهم في بضعة أشهر، بسبب لعق صمغ الطابع للصقه، وهو ما سيؤدي إلى انتشار الطاعون.

ورغم ذلك، فقد شهد يوم 6 مايو عام 1840 بيع 60 ألف طابع من قبل البريطانيين الذين أمضوا ليلتهم مصطفين على أبواب مكاتب البريد. الطريف أيضاً أن هذه الرغبة المحمومة في هذا اليوم لم تكن لشراء الطابع بغرض إرسال خطابات، ولكن لاقتناء هذه "البدعة"، كما كانوا يعتقدون حينئذ، التي كانوا يعتقدون بزوالها لكن "البدعة" انتشرت واستدامت وبزغ نجمها وصارت مجالاً من مجالات العمل الخدمي، وحققت أرباحاً طائلة بخدمة ملايين البشر، وإنْ تراجعت في أواخر القرن العشرين.

 

مصر في جنوة

وفي أواخر ستينيات القرن الـ19، وتحديداً في عام 1866، أصبحت مصر من أوائل دول العالم التي تدخل عالم طوابع البريد بعد بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وسويسرا. ثالث دولة في العالم بعد بريطانيا التي تصدر طابع بريد. في عهد الخديوي إسماعيل الذي آمن بأهمية البريد وقدرته على توثيق صلة مصر بالدول الأوروبية. وتمت صناعة طوابع البريد الأول في مدنية جنوة الإيطالية، وفئاتها خمسة وعشرة و20 بارة (البارة عملة عثمانية تساوي ربع مليم)، وقرش وقرشان وخمسة قروش.

ومضت السنوات، وأصبح لكل دولة من دول العالم هيئة بريد وموظفون وموظفات بالملايين ومطابع تطبع الطوابع وملايين البشر يشترونها ويلصقونها ويرسلونها إلى الأهل والأصدقاء والمعارف والأعمال. ووراء كل طابع بريد قصة أو رسالة، منها الرياضي أو الثقافي أو الفني أو السياسي سواء لترسيخ قيم الوطنية والانتماء، أو لإرسال رسائل للأعداء ومكايدة المنافسين، أو حتى حمل خطأ قاتلاً بحسن نية.

خطأ بحسن نية

وكم من حسن نية أدى إلى جني ملايين الأرباح في عالم طوابع البريد. ففي مدينة فيسبادن الألمانية، تم بيع طابع بريد بمليون و26 ألف يورو (نحو مليون و112 ألف دولار أميركي) في العام الماضي، ليصبح بذلك أغلى طابع بريد على الكوكب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقصة الطابع بدأت في عام 1851 وقت طباعته بطريق الخطأ على ورق أخضر بدلاً من الورق الوردي المعتاد حينئذ، وهو ما جعله طابعاً نادراً جداً، وله متابعون وحالمون باقتنائه ولو كلفهم ذلك ملايين. وهكذا أصبح الطابع المعروف بـ"طابع بادن المعيب" الأغلى في العالم لحين إشعار آخر.

إشعار من نوع آخر دفع ألمانيا قبل سنوات إلى سحب نحو 14 مليون طابع كانت طبعتها في 2001 دون أن تحصل على حقوق الطبع. وضمن هذه الطوابع ما حمل صورة للممثلة الأميركية أودري هيبورن، ضمن مجموعة خاصة لتخليد ذكرى ممثلي وممثلات هوليوود. واضطرت ألمانيا للتخلص من هذه الطوابع واحتفظت بعدد منها. وفي العام الماضي، تم طرح عدد من الطوابع التي تحمل صورة هيبورن في مزاد علني، وبيعت بـ430 ألف يورو (نحو 466 ألف دولار).

هواية بالملايين

ملايين اليوروهات والدولارات تُدفع في طوابع بريد لها قصص وحكايات. هواة جمع الطوابع و"بيزنس" اقتنائها وإعادة بيعها أو الاحتفاظ بها في أنحاء العالم. وكلما كان الطابع نادراً أو مثيراً للجدل أو الغضب وقت صدوره، كلما كان ذلك أفضل.

موقع "جاست كولكتينغ"، المتخصص لطوابع البريد الغريبة والتذكارية والنادرة، يشير إلى خمسة طوابع بريد يعتبرها الأكثر إثارة للجدل في العالم، وبالطبع فإن الجدل العالمي يرتكز على الخلاف السياسي وتضارب المصالح. الأول طابع أصدرته روسيا في عام 2002 لتكريم ستة من العملاء السريين في عهد ستالين، وهو ما اعتبره الأميركيون تخليداً لذكرى من ضربوا عرض الحائط بحقوق الإنسان. والثاني للرسامة المكسيكية الشهيرة فريدا كاهلو، التي اعترض البعض في أميركا على وضع صورتها على طابع بريد، بسبب توجهاتها الاشتراكية من جهة وعلامات استفهام حول ميولها الجنسية من جهة أخرى. الطابع الثالث صدر في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1981 يحمل عبارة؛ "إدمان الكحوليات: بإمكانك التغلب عليه".

ورغم أن الفكرة من الطابع كانت تشجيع مدمني الكحوليات على التغلب على إدمانهم، فإن الرسالة جاءت مباشرة أكثر من اللازم. والطابع الرابع صدر في بريطانيا وعليه صورة ماري ستوبس المؤلفة وعالمة الحفريات، التي اهتمت بمجال "تحسين النسل" بناء على الصفات الوراثية. وعلى الرغم من أنها افتتحت أول عيادة لتنظيم الأسرة في عام 1921، فإن هدفها الأصلي ظل تحسين النسل.

 

لكن الجدل الأكبر والغضب الأوفر كانا من نصيب الطابع الأميركي المطبوع في العام الذي حمل صورة "سحابة فطرية" التي تنجم عن القنابل الذرية، مصحوبة بعبارة "القنابل الذرية تعجل بنهاية الحروب، أغسطس 1945"؛ في إشارة إلى القنبلة الذرية التي ألقتها أميركا على هيروشيما اليابانية معجلة بذلك نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد اعترضت اليابان على الطابع، وتم إيقاف بيعه في مكاتب البريد.

الطوابع رسائل

ومن مكاتب البريد إلى غرف صناعة القرار حيث يتم الاتفاق على إصدار طابع بريد ليحمل رسالة سياسية أو دعماً لروح وطنية أو ما شابه. في مقال عنوانه "الطوابع كرسائل في أوقات التحول السياسي"، والمنشور في دورية "جيوغرافيكال ريفيو" في يناير (كانون الثاني) 2011.

يشير الكاتب ستانلي برون إلى أن طوابع البريد لها دور كبير في الترويج للهوية الوطنية وأهداف الدولة. يضيف، أن الطوابع ظلت وسيلة للتجسيد المرئي السياسي في الدول. الطوابع التي تحمل خريطة الدولة وحدودها أو عملتها الوطنية، أو مظاهر من ثقافتها أو طبيعتها تحمل رسالة تثقيفية وتوعوية موجهة للداخل أو للخارج للتعريف بمكانة الدولة وقوتها. وكانت الدول تلجأ إلى وسيلة طوابع البريد لتهيئ شعوبها لأفكار معينة في لحظات التحول السياسي الكبرى، وهو ما جرى وقت تفتت الاتحاد السوفياتي. وقد أمعنت روسيا بعد ذلك في إصدار طوابع بريد تدق على أوتار الدين والموروثات الروسية بدلاً من الأفكار الأيديولوجية التي كانت سائدة على الطوابع السوفياتية من قبل.

هذه المنمنات الملونة شهدت عصوراً ذهبية حيث هواة جمع واقتناء، ومتخصصين في التقييم والتسعير والمقايضة، وتخصيص لجان وتوجيه خبراء لإصدار طابع يليق بالبلاد، وينقل رسائل صغيرة إلى مشارق الأرض ومغاربها، لكنها شهدت كذلك عصر سحب البساط من تحت الأقدام حيث ما يصل من المرسل للمرسل إليه في مظروف مغلق، عليه طابع بريد، يسلمه ساعي البريد في أسبوع بات يصل بدقة زر على لوحة الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني.

نوستالجيا الطوابع

وعلى الرغم من احتفاء العالم يوم 6 مايو من كل عام بذكرى صدور أول طابع بريد، فإن الاحتفال في كل مرة على مدار العقود الثلاثة الماضية بات يحمل كثيراً من النوستالجيا، وقليلاً من محاولات الإبقاء على طابع البريد حياً يرزق، إن لم يكن في مكاتب بريد تقلص حجمها وتحول بعضها إلى أنشطة أخرى، ففي متاحف البريد حيث يعلم الصغار ما كان عليه العالم قبل البريد الإلكتروني؛ حيث لا طابع بريد، ولا ساعي بريد، فقط مرسل ومرسل إليه.

ولعل ما قاله الطفل مالك محمد سليم، البالغ من العمر تسعة أعوام، عن الفرق بين الرسائل أيام زمان والرسائل الآن، هو أن رسائل زمان كانت تستلزم "البصق" على الطوابع للصقها على المظروف، عكس رسائل البريد الإلكتروني التي لا تحتاج إلى البصق هو أطرف ما قيل.

وما لا يعلمه سليم هو أن هذه الطرافة تعكس معضلة أرّقت الملايين، وأصرت أخرى على الإبقاء عليها، ألا وهي لصق الطابع عن طريق لعق وجهه الآخر. عشرات الأبحاث الصحية ومئات التحذيرات انطلقت في عهد البريد وطابعه وساعيه الذهبي لتحذر من مغبة استخدام اللعاب في لصق الطابع، سواء لصاحب اللعاب أو من يتعامل مع الخطاب فيما بعد.

لعق الطوابع

أما الجانب الإيجابي للعق الطوابع فيكمن في الكشف عن هويات مطموسة وأشخاص مفقودة. في اليابان وبعد ثماني سنوات من وقوع زلزال مدمر تمكنت السلطات من تحديد هوية مواطنة يابانية وجدت ميتة، وظلت هويتها غير معروفة إلى أن تم العثور على خطاب عليه طابع بريد، وثبت أنه مرسل منها عن طريق تحليل بقايا اللعاب.

بقايا مكاتب البريد حول العالم لا تزال تبيع طوابع البريد. وبقايا سعاة البريد ما زالوا يعملون ولكن في أضيق الحدود، حيث الرسائل الحكومية أو البنكية أو غيرها مما لم يتم إحلالاها وتبديلها بعد بالإلكترونية. هذه الحدود تحولت من الضيق إلى التقلص، أو الإغلاق التام في زمن تفشي كورونا، حيث أجهز الوباء ومخاوف تفشيه على العديد من خدمات البريد في الكوكب. دول عدة أوقفت الخدمات البريدية، وأخرى جعلتها قاصرة على مكاتب البريد السريع حيث لا طوابع أو مظاريف غير معلومة المصدر والاستخدام. بينما استخدمت سويسرا أزمة الوباء لتعيد بعضاً من البهاء لطابع البريد، فأصدرت طابعاً تذكارياً يحمل روح التضامن مع المتضررين من الفيروس وتخليد هذه الأيام الصعبة، على أن تخصص مبيعات هذا الطابع للصليب الأحمر السويسري وهيئة التضامن السويسرية.

المزيد من منوعات