Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد سوابق "الهيمنة بالعلاج" هل سيكون لقاح كورونا استثناء؟

وثق المؤرخ الأميركي شلدون واتس كيف وظفت القوى العظمى الأوبئة سلاحا انقلب أحيانا سحره على الساحر

مذبحة بوسطن للرسام هنيري بيلهام 

تواجه الطواقم الطبية أزمة كورونا غير المسبوقة من خلال البحث عن حلول في المعامل ومراكز الأبحاث، لكن أسلافهم الذين عايشوا الأوبئة المختلفة قبل قرون كانت لهم طرق متعددة في القضاء على انتشارها، بل وتوظيفها من جانب القوى خلفهم في تحقيق مآربها في الهيمنة وتعديل وقائع التركيبة السكانية.

وفي وقت تتهم أوساط أميركية وأوروبية الصين بأنها تقف خلف انتشار جائحة كورونا، على الرغم من نفي بكين، فإن أحداث التاريخ الماضي تبرهن على أن تلك التهمة لها ما يعززها فيما سلف، خصوصاً في سلوك ما يُسمى بـ"الإمبريالية الاستعمارية"، فهل تكون بذلك الصين تحاول "بيع الماء في حارة السقايين" كما يقول المثل المصري الشهير، أم أن الغرب هو الذي صدق عليه المثل الآخر "رمتني بدائها وانسلت"؟

نصر متكرر

أياً يكن، فإن التاريخ ظل ملاذاً دائماً لمحاولة فهم الحاضر، ولذلك عاد الكثير من الباحثين في أزمة كورونا الحالية، إلى أحد المراجع التاريخية النادرة في قصة التوظيف السياسي للأوبئة، وهو كتاب المؤرخ الأميركي شلدون واتس، الذي كان بعنوان "الأوبئة والتاريخ، المرض والقوة الإمبريالية"، وله ترجمات إلى العربية عدة، أشهرها ترجمة أحمد عبد الجواد، ضمن مشروع المركز القومي للترجمة في القاهرة.

لكن قد يكون الأهم بالنسبة إلى المعنيين الصحيين والجماهير في الأزمة الراهنة، في مطاردة واتس للأوبئة عبر التاريخ، هو إثبات المؤرخ الأميركي أن الغرب وجد في كل اجتياحات الأوبئة الماضية، طريقة للانتصار عليها حتى مع تواضع التقدم الطبي، ما يوحي بأمل أكبر في التغلب على الفيروس الغازي هذه الأيام، نظير الازدهار العلمي والبحثي مقارنة بالسابق، فيرى شلدون أن نصف القرن الأخير "شهد بزوغ انتصار للطب كنسق علمي كامل للتأثير المؤكد في شفاء ومنع الأمراض التي تهدد الحياة، لكنه لم يصل إلى ذلك إلا بعد تجارب متعددة غيرت علم الأوبئة واستطاعت تحجيم الأمراض المعدية التي كانت تصيب الأعداد الكبيرة من البشر وتهلكهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاحظ الباحث منذ وقت مبكر اتساع الهوة في توفير وعدم توفير الخدمات الصحية وتأثيرها في حفنة من المحظوظين وعدد كبير من غير المحظوظين، ويروي بتفاصيل موثقة كيف أدى البحث عن حلول لإنهاء الأوبئة سواء باتخاذ اللقاح سببا للاستعمار كما جرى في بورتوريكو، أو تقديم العلاج السري للمصابين كما حدث للأوروبيين في مواجهة الزهري، أو حتى بالتوصل إلى محاليل طبية تنهي أثر المرض وتحد من خطورته كما حدث مع الكوليرا.

ويضع شلدون أنموذجاً للبحث عن أنماط وباء الجدري، حيث كان في عام 1996 هناك 450 سلالة من فيروس الجدري في مخازن باردة في مركز مراقبة المرض في أطلانطا وجورجيا في الولايات المتحدة، وكانت ثمانية أو عشرة أنواع منها مختلفة عن فاريولا الكبرى وكان الباقي أنواعا مختلفة من فاريولا الصغرى أو المتوسطة، ومعظم الأشكال في هذا النطاق الواسع مجهزة جينياً لتتحول إلى شكل آخر، اعتماداً على إتاحة الأجواء البيئية المناسبة.

بروز الميول الاستعمارية

ويوثق الكتاب كيف استشرت الإصابة بالجدري عبر استنشاق الهواء المحمل بالعدوى من زفير المرضى، وبعد حدوث العدوى يظل الفيروس بالهواء المحمل بالعدوى في حالة كمون لمدة 8 إلى 12 يوماً، بعد ذلك يصاب المريض بالصداع والغثيان وطفح على الجلد وأشياء مرعبة أخرى، كما يُصاب آخرون بالمرض من خلال الاتصال ببثراته الصديدية التي تظل معدية لمدة أسبوعين أو أكثر.

ويورد كيف أن "الاستثناء الأميركي" المتمثل في أنه لم يحدث في أية قارة أخرى في الأزمنة التاريخية أن أدى اقتران مرض وظاهرة "الموقف من المرض" إلى انهيار كامل للسكان المحليين.

ويذهب إلى أن الأميركيين من أصل أوروبي تقبّلوا إمكانية السيطرة على الجدري من خلال التلقيح عملياً، وبسبب كون المواقف الإمبريالية ترفض أن يتعلم العنصر الأفضل في إنجلترا من المستعمرات، فقد تأخر بسبب ذلك استخدام شكل من أشكال التلقيح في بريطانيا، الذي كان يستخدم حتى عام 1714.

ولكن مع حلول التسعينيات من القرن التاسع عشر تستوقف شلدون تجربة الولايات المتحدة التي بدأت تدرك مصيرها كقوة عالمية عظمى، وكان واحد من أعمالها للتأكيد على الذات هو الاستيلاء على ما بقي من العالم الجديد الإسباني والإمبراطورية الآسيوية.

التطعيم كإحسان للسكان!

وفي عام 1898 عند نهاية الحرب الإسبانية الأميركية وجدت الولايات المتحدة نفسها مالكة لبورتوريكو ثاني الجزر الكاريبية والتي قضى الجدري الإسباني على جزءٍ كبير من سكانها عام 1518- 1519.

فسر الأميركيون صعوبات بورتريكو المستمرة مع الجدري على أنها دعوة للعمل، كما تذكر كلمات القائد الأميركي جاي ف. هنري، "لم يكد آخر ممثلي الحكم الإسباني السيئ يدير ظهره للجزيرة وقبل أن تضع الإدارة العسكرية الأميركية أقدامها، ستقوم كإحسان للسكان الجُدد التابعين لنا، بتطعيمهم جميعاً".

وبتصميمهم على أن يضطلعوا بهذا الجزء من عبء الرجل الأبيض الذي سقط على أكتافهم، ولتنظيف فتحات الحشرات في أعتاب أبوابهم، فقد أغلق الجيش الأميركي معهد التطعيم في بورتوريكو، وبدأ برنامجاً مقصود منه التأكيد على أن التطعيم الإجباري الشامل إذا أدير بالشكل المناسب سيؤدي بالتأكيد إلى اقتلاع الجدري من جذوره من أي إقليم أو أي شعب.

وبعد ثلاثة أعوام خبت حماسة رجال اليانكي وتوقفت حملة استئصال المرض، وعلى البر الرئيس اعتاد الساخرون البيض أن يطلقوا على حالات الجدري بين البحارة في الموانئ الأميركية "خدوش بورتوريكو" أو الجديري البورتوريكي، وأصبح الجدري مرض الشعوب المستعمرة، التي لا تنتمي لهم، أي الآخر.

وقد قرر قادة منظمة الصحة العالمية في عام 1967 العمل على إطلاق حملة تطعيم مكثفة للسيطرة على الجدري، وسيخلف أثرها في أعلى الذراع علامة التطعيم على 80 في المئة من سكان العالم غير المتقدم.

وفي عام 1976 وجد آخر جدري مُعدٍ باقياً في الميدان بين البدو في الصومال، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1977 أصبح علي مالين، الطباخ في مستشفى بمدينة مركا، آخر إنسان على وجه الأرض يصاب بهذا المرض بصورة طبيعية.

المواجهة الاجتماعية السرية

ويعيد شلدون مواجهة الأوروبيين للزهري إلى تبنيهم اكتشاف الخبيرين الألمانيين فريتز شاودين وأريك هوفمان، العامل المسبب للمرض منذ عام 1905، وكذلك استخدام نتائج الاختبار الذي قام به الألماني أوجست بول فون وازرمان عام 1909، وتوظيف اكتشاف الألماني بول أهليرك دواء "سالفرسان" الفعّال أحياناً والخالي من الأعراض الجانبية الشائعة للوصفات التي كان يروجها الدجالون والأطباء لعلاج الزهري.

ويذكر أنه بمجرد انتهاء الحرب العالمية الأولى قررت الحكومات الأوروبية استخدام الـ"سالفرسان" واختبار وازرمان لمنع ما حذّر الخبراء الفرنسيون من أنه سيكون تدهوراً للجنس الأبيض من خلال الزهري الوراثي، ومع حلول السلام عام 1918 كانت البدائل حملات واسعة لتعليم استخدام الواقي الذكري وتبني برامج شفائية من المرض في عيادات جديدة وبعناية مجانية وسرية، وإن لم تنه المرض لكنها وضعت الحد الأساس للتعامل معه على مدى عقود.

ابتداء نظم الصحة وتوظيف المحلول

أما الكوليرا فقد ظهرت على شكل وبائي في الهند عام 1817 ووصلت إلى بريطانيا عام 1831، وأدت على مدى القرن التاسع عشر إلى فقدها ما يُقدّر بنحو 130 ألف من قاطنيها بعد تعرض الناس فيها لخمسة أوبئة من الكوليرا.

وكان مستغرباً كيف تداولت الأخبار عام 1861 أن الأمير الألبرت الألماني في وندسور قد مات من مرض القذارة الذي تنقله المياه "التيفود"، ولم ينقذ الناس سوى جعل مجالس المدن تلتزم بتوفير مياه شرب نظيفة ونظم فعالة من الصرف الصحي لسكان المدن العاديين.

ويبين أنه كان من المثير للعجب أن الإنجليز لم يهلكوا بشكل منتظم من وباء الكوليرا في العقود التي تلت آخر زيارةٍ رئيسة للمرض عام 1866-1867 الذي ترك خلفه 14 ألف وفاة، ويذهب إلى أنه بعيداً من احتمالات الفرص فالكوليرا كانت مقامراً عنيداً، وربما ما أنقذ الإنجليز كان فرض ضوابط حجر صحي شديدة بين الهند والغرب.

ولم تعرف الكوليرا نهاية لتهديدها بحسب شلدون إلا على يد فرق الأبحاث الأميركية بعد الحرب العالمية التي ابتكرت محلول الجلوكوز المتأين الذي يماثل السوائل الحيوية التي يفقدها الجسم عند تناوله عن طريق الفم، والذي أدى إلى تقليل الوفيات من الكوليرا إلى 1 في المئة.

سلاح الأوبئة ينقلب سحره على الساحر

وتذكر الأكاديمية البحرينية، ضياء الكعبي، في قراءتها السلوك الاستعماري من وحي ما وثق المؤرخ، أن الإمبريالية "قامت في صراعها الدولي للسيطرة على ثروات أفريقيا وآسيا والأميركيتين بنقل أمراض جديدة انتشرت في صورة أوبئة إلى شعوب القارات مباشرة عن طريق الغزو العسكري أو تجارة العبيد".

ومن الأمراض المعدية التي ظهرت في أوروبا بين الشعوب التي استعمرتها أوروبا مثل أفريقيا والأميركيتين، والشعوب القديمة التي استعمرتها أيضاً مثل الهند والصين ومصر، هي تلك الأمراض الوبائية السبعة، الطاعون، والجذام، والكوليرا، والزهري، والجدري، والحمى الصفراء، والملاريا.

لكن التاريخ في قراءة الكعبي يبرهن أيضاً على أن سلاح الأوبئة كثيراً ما ارتد سحره على الساحر، إذ "انتقل الطاعون إلى مدن الشمال الإيطالي عام 1347 عن طريق حركة التجارة والتجار من موانئ البحر الأسود، ثم انتقل من إيطاليا إلى داخل القارة ومنها إلى إنجلترا، وامتد أيضاً إلى دول جنوب المتوسط ومنها مصر. وكان انتقال وباء الكوليرا إلى إنجلترا عن طريق التجارة وتأسيس الشركة الشرقية البريطانية في الهند".

وقد يكون التوثيق التاريخي لتعامل القوى العظمى مع الأوبئة وسيطرتها عليها لدرجة اتخاذها سلاحاً، مفيداً أيضاً في تصور العالم بعد أزمة كورونا، بعيداً من أحلام القول بأنه ستزيح قوى كأميركا وتأتي بأخرى مثل الصين وروسيا، وهو التصور الذي رفض منطقه باحثون عرب وخليجيون على هذه الصحيفة وسواها، لكن ماذا عن "لقاح كورونا"، هل سيحاول من يمتلكه أولاً توظيفه مجدداً في تحقيق مآرب شبه استعمارية كما حدث في الماضي، أم أن عالم ما بعد "الأمم المتحدة" أصبح مختلفاً؟