Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت قلب نابض وكيان ضئيل

الدول التي يُتوقّع أنها منتِّجة للمعلومات الجديدة تقف على رأس لائحة "النسخ واللصق"

هل ما زالت اللغة العربية تؤدي دوراً فعلياً في نقل الفكر العربي إلى الآخرين (موقع الأمم المتحدة)

اتّسعت شبكة الإنترنت لكل لغة ينطق بها البشر، حتى اللغات المندثرة أو التي تنطق بها مجموعات محدودة من الأفراد، بات لها محتوى رقمي "إنترنتي" يعبّر عنها ويُكتب بأحرفها. فكيف الحال باللغة العربية التي ينطق بها حوالى 400 مليون إنسان، ينتشرون في مختلف بقاع الأرض، وهي مصدر اعتزازهم كونها أحد أهم نتاجات الحضارة العربية عبر التاريخ؟ وقد كُتبت في هذه اللغة إبداعات تجعل منها واحدة من أجمل لغات العالم وأقدرها. وكان الشاعر والفيلسوف الألماني غوته أحد المعجبين بهذه اللغة.

هذه أسباب إضافية كي تكون العربية واحدة من اللغات ذات الحضور الرئيس في العالم الرقمي إلى جانب غيرها من لغات العالم الحيّة، وهي كانت في زمن الكتابة الورقية والتناقل الشفوي في القرون الوسطى قد أدّت دوراً هائلاً في نقل المعارف إلى أوروبا والهند والصين نتيجالة ازدهار الترجمة والنقل والعلوم والفلسفة، في ما سُمّي بعصر النهضة العربية.

لكن في زمن الشبكة العنكبوتية، هل ما زالت اللغة العربية تؤدي دوراً فعلياً في نقل الفكر العربي إلى الآخرين، أو في نقل فكر الآخرين إلى العرب؟

الأهمية الحضارية للمحتوى الرقمي

كل المعلومات التي كانت تنتقل بين البشر على الورق، من كتب وصحف ومجلات ودراسات وأبحاث، باتت تُنقل إلكترونيا عبر شبكة الإنترنت وبجميع اللغات. وقليلة هي المعلومات التي قد يجد من يحتاج إليها مضموناً كافياً في مكتبة عربية أو أرشيف عربي. لذا، بات طالب المعلومات باللغة العربية يحتاج إلى توافر محتوى رقمي عربي معزّز على شبكة الإنترنت.

فالناطقون بالعربية الذين يشكّلون نسبة 7 في المئة من عدد سكان الأرض، ينتجون 3 في المئة فقط من المحتوى الرقمي العالمي. وهذه نسبة ضئيلة، إذا ما قارنّاها بالنسب التي تخصّ لغات أخرى ينطق بها عدد أقل من البشر.

وليست النسبة ضئيلة فحسب، بل إن المادة المعلوماتية في هذه النسبة غير فعّالة في غالبيتها، وليست ذات قيمة علمية وحضارية وثقافية يُعوّل عليها. وكي لا نقوم بالمقارنة مع لغات وثقافات عالمية أخرى، يمكننا الاستعانة بدراسة أجرتها "مؤسسة الفكر العربي" برعاية "مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي"، في السعودية، في شأن "المحتوى الرقمي العربي". وسنستقي من الدراسة ما يتعلّق بالمحتوى "الثقافي"، لأن الدخول في المواضيع كلها يحتاج إلى صفحات كثيرة من التحليل والمراقبة والتفسير والتعليق.

الصورة البانورامية الكبرى

وصفت خلاصة التقرير بلغة شاعرية، المحتوى الرقمي العربي بأنه "كيان ضئيل في عالم الإنترنت"، وبأن "حركته الإجمالية ترواح بين البطيئة والمعقولة"، ونموّه لا يكفي للانتقال به إلى "عالم العمالقة". وله قلب ينبض بمعدل قابل للملاحظة وأطراف ضامرة شبه ميتة. وفيه عددٌ كبيرٌ من الأجزاء الخاوية المنتفخة كبالونات الهواء. هذا التوصيف هو اختصار الدراسة التي أعدها اختصاصيّون في الشبكة العنكبوتية. وإذ يجعل المحتوى الرقمي العربي "مريضاً"، فلأنه لا يريد أن يقول أنه "ميت".

فلو أجرينا قراءة في المحتوى الثقافي الذي استحوذ على 44.5 في المئة من المحتوى، يمكننا فهم سبب توصّل الدراسة إلى هذا الاستنتاج.

ولا بد من الإشارة إلى أن النسبة الباقية من المحتوى توزّعت على القضايا الإنسانية والسياسية والقانونية والعلوم والتعليم والاقتصاد والقضايا العسكرية والأمنية والإعلام والاتصال. واستحواذ الثقافة على هذه النسبة العالية ليس مدعاةً إلى التفاؤل لأن "الثقافة" العربية الرقمية توزّعت على المواقع الدينية، ومن بعدها مواقع الفيديو والموسيقى والفنون الاستعراضية، ثم الرياضة بعدما احتُسبت في خانة الثقافة الإنترنتية.

هذا ما يوضح معنى الثقافة لدى المتابعين للمحتوى الرقمي العربي. أما النسبة المئوية التي تتحصّل عليها الثقافة بمفهومها المعروف أو الحقيقي، فهي ضئيلة بما يستدعي الاستغراب في عالم عربي يعجّ بالشعراء والتشكيليين والمسرحيين والمؤلفين على اختلافهم. فهؤلاء مجتمعون، إضافةً إلى المواقع التي تُعنى بالقيم الأخلاقية والشعر والموارد الثقافية والأوضاع الثقافية والتراث الثقافي والإبداع الثقافي والأشكال والأنواع الأدبية واللغات والبرامج الثقافية والفلسفة والنثر والرواية والترجمة، يراوح نصيبهم بين 1.3 و0.25 في المئة.

وهذا يعود إلى سببين، فإما أنه لا وجود لمتابعين لهذا المحتوى، أو أن هذا المحتوى ذاته ضعيف ولم يُنشر على الشبكة العنكبوتية بشكل احترافي. وهذا يكشف عن أن المكونات المتعارف عليها تقليدياً على أنها مكونات الثقافة الحية مثل الأدب والفنون والفكر، لا تزال عاجزة عن اللحاق بالرياضة مثلاً.

نسخ لصق "كوبي بايست"

استناداً إلى معيار الأصالة الذي يقيس مدى التفرّد وعدم التكرار والنقل بالنسخ واللصق بأي طريقة أخرى في المحتوى، جاء في التقرير أن متوسط نسبة المحتوى الأصيل، أي غير المتكرّر الذي لا يتم تناقله ونسخه وإعادة نشره بين قنوات النشر المختلفة في المحتوى الرقمي العربي، يصل إلى 20 في المئة فقط، أي أن 80 في المئة من المحتوى الرقمي العربي هو عبارة عن تكرار ونسخ ونقل. وهذا ما يؤكد قلّة الإنتاج المعلوماتي في العالم العربي، وأن رواد شبكة الإنترنت يتناقلون المعلومات ذاتها، أكثر من حرصهم على إنتاج إضافات متفرّدة خاصة بهم.

وما يثير الاستهجان أن الدول التي يُتوقّع أنها منتِّجة للمعلومات الجديدة في العالم العربي، كانت على رأس لائحة دول "النسخ واللصق"، مثل لبنان والبحرين وتونس والمغرب وقطر، بينما الدول المجدِّدة في المحتوى الرقمي هي موريتانيا وسلطنة عُمان.

هذه المعلومات الإحصائية تعود إلى بضع سنوات خلت، ولكن استندنا إليها لأنه لا دراسة جديدة على غرارها. غير أن الدراسات الفردية والخاصة تشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي شهدت تطوراً كبيراً في العالم العربي في السنوات الماضية مثل "تويتر" و"فيسبوك". وهذا ما رفع نسبة المحتوى الرقمي العربي عالمياً. ولكن هذا التأثير يشبه نفخ الهواء في البالون لا أكثر.