Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عالم اجتماع يتساءل: هل سيعزز كورونا تفكيرنا النقدي؟

سوف يعيد النظام العالمي مكاشفة نفسه وتأملها ومن ثمَّ ترتيب أوراقه وقواه من جديد مع استمرار التنافس

التباعد الاجتماعي من الآثار التي سيتركها الوباء لفترة طويلة (غيتي)

يذهب عالم الاجتماع المصري العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة القاهرة أحمد زايد، إلى أنّ "علم اجتماع الوباء" موجودٌ بشكلٍ أو بآخر في تاريخ علم الاجتماع العام، لأنه يهتم بدراسة الآثار التي تحدث في المجتمع، جرّاء التغيّرات الخارجية التي تأتي من خارج النسق لا من داخله، مثل التغيّرات المناخية والظروف البيئية المحيطة، وتلك التي تنتجها الأوبئة والكوارث، وهي تؤثر في المجتمعات تأثيراً كبيراً، وتُحدث في الحياة الاجتماعية أزمات وصوراً عديدة، شاقة ومبهظة.

و"علم اجتماع الوباء" يساعد في الكشف عن انتشار المرض: هل ينتشر بين فئات اجتماعية أكثر من أخرى؟ هل أسلوب الحياة يؤثر في الإصابة بالوباء؟ ما الظروف الاجتماعية المصاحبة له؟ هل نمط الأغذية يؤثر أم لا يؤثر؟ كيف تؤدي الأوبئة إلى تغيّرات كبيرة في الجسد، والطريقة التي يحضر بها الجسد في الحياة؟ نحن مثلاً نضع على أنوفنا وأفواهنا كمامات الآن، ونحاول اتقاء المرض بصياغات معينة للتفاعلات الجسدية، عبر ما بات يسمّى اليوم بـ"التباعد الاجتماعي". وهو على نوعين. الأول يشير إلى التباعد بين الطبقات والفئات الاجتماعية في القيم ونوعية الحيوات. والثاني، وهو مستجدٌ بشكله الذي فرضه وباء كورونا، لناحية استحداث مسافة اجتماعية في ما بين الأفراد. ولذلك إذا صحّ أن نسمّي المجتمع المقبل "مجتمع ما بعد الجائحة"، فإنه يصح أيضاً أن نسميه "مجتمع التباعد الاجتماعي".

في هذا الحوار البانورامي يتطرّق أحمد زايد إلى أمورٍ كثيرة تخصّ جائحة كورونا، واكتساحها الجنس البشري بظاهرته ومكتسباته العلمية والاقتصادية والثقافية والحضارية، ويضعها جميعاً على المحك، محكّ الوجود من عدمه، خصوصاً إذا ما استمرّ الوباء فترةً زمنيةً طويلة، إذ ذاك، سنشهد بالتأكيد اجتماعاً بشرياً من نوع آخر، لا يمكن التكهن بطوالعه وأهدافه وأنماط حيواته الدقيقة حتى اللحظة. فالوباء المستجد وغير المسبوق يشكّل، قطعاً، منعطفاً نحو صيغة جديدة من الوجود في العالم، تتطلب، بالضرورة، شروطاً جديدة لم نعهدها من قبل.

الوباء سيدخل العالم في اجتماع بشري جديد

في البدء، قلت لأحمد زايد إنه وللمرة الأولى تتوحّد مخاوف البشرية، وتتأهب لمواجهة تحدّي الفناء الذي يفرضه عليها وباء "كورونا" المستجد، الذي يجتاح بصمتٍ مريبٍ أركان الأرض الأربعة، وعليه أسألك رأيك باعتبارك مشتغلاً في علم الاجتماع، كيف تنظر إلى جائحة العصر هذه؟ وما أثرها في الاجتماع العربي، واستطراداً البشري برمته؟ أجاب:

نعم. للمرة الأولى تتوحّد البشرية لتتحدى هذا الواقع الذي يفرضه عليها انفجار الوباء الجديد. تبدو البشرية في هذا الظرف وكأنها في مفترق طرق، يسكنها خوفٌ عميقُ، وكأنّ كائناً فضائياً غريباً اجتاح الأرض ليدمّرها، ويترك سكّانها في خوف وقلق وترقب. فسكان الكوكب هؤلاء، استقبلوا هذا الوباء على غير موعد، إذ لم يكن يتوقعه أحدٌ، ولم يتنبأ به أحدٌ، ولذلك فإنني أميلُ إلى تشبيهه بالحوادث الكبرى التي تحدث بالعالم، وتغيّر مساره، وتُدخله في زمن جديد. في أفق مغاير للحياة التي عهدناها، وسوف تتضح معالم ذلك كله في المستقبل المنظور.

ولقد ترك هذا الوباء البشرية جمعاء في عملية بحث دائم عن السِّر خلف هذا الانتشار الكبير، واختلفت الآراء، ورأينا الناس يفسرونه تارة باللجوء إلى فضاء الدين، وطوراً بقوة العلم والعقل. وقدرة العقل هنا لا تعني أن يقدِّم للبشرية ما يُسعدها، إنما ما يؤدي إلى تعاستها وخوفها وقلقها أيضاً.

واختلف الناس أيضاً في التأثير الذي يمكن أن يتركه هذا الوباء على البشرية في ما بعد، لكنهم جميعاً لا يعرفون السِّر، أي ما الذي حدث بالضبط، ولذلك فإن جائحة  كورونا أدخلت العالم في ظرفٍ جديدٍ سوف يتشكّل بناء عليه نمطٌ مختلفٌ من الاجتماع البشري، بخاصة إذا ما استمرّ هذا الوباء فترة زمنية طويلة.

صحيحٌ، إنه لن يحدث أي تأثير كبير له، إذا ما قُضِي عليه خلال شهر أو شهرين، أو انتهت قصته، كما انتهت قصة فيروسات أخرى من قبل، لكن الظرف الذي نعيشه يختلف اختلافاً بيّناً أيضاً. نحن نجد عدد وفيات يكبر كل يوم، وعدد إصابات تتسارع أرقامه، كل ساعة، بل كل دقيقة، وجميعها في تزايد مفتوح، لذلك إذا ما استمرّ الوباء فترة طويلة، فسوف نشهد اجتماعاً بشرياً على نمط مختلف أشبه بالاجتماع البشري في ما بعد الحروب الكبرى، وربما أكثر هولاً وحذراً بكثير.

وأردف قائلاً، أكاد أنظرُ إلى وباء كورونا وكأنه حربٌ جديدة. نعم إنه حربٌ جديدة، ولذلك سوف يُدخل البشرية في ظرف مغاير واجتماع بشري جديد، سيكون دور الدولة فيه مختلفاً عن دورها في الاجتماع البشري ما قبل كورونا، وسوف تكون العلاقات أيضاً بين الدول والناس مختلفة، وسوف يتغير الخطاب العالمي للمرض.

فقد قلب الوباء خطاب المرض عبر العالم. جعلنا نتأمّل الموقف، وكأنّه موقف معكوس، يواجه فيه الأغنياء والفقراء المصير نفسه. نعم. سوف يتغيّر أيضاً نظام العيادة، ولذلك عندما تأملت هذا الموضوع بشكل دقيق، تذكّرت الكتاب الشهير الذي كتبه ميشيل فوكو حول ولادة العيادة، وقلت إذا كانت العيادة ولدت لممارسة أشكال من الضبط والرقابة على الصحة، وتقديم أطر لخلق بدائل في العناية الصحية بالحياة، فإنّ الحجر الذي فرضه هذا الوباء سوف يكون بديل العيادة أو استمرار نظامها، بحيث يمكّن السلطات والدول من أن تفرض نظماً رقابية على السكّان، متخذة من خطاب الصحة ذريعة أيديولوجية، لفرض تلك الرقابة الشديدة على التفاعل والسلوك البشريين.

كما أنّ العلاقة بين الدولة والمجتمع ربما ستختلف اختلافاً كبيراً في هذا الصدد، لأنه يمكن للدولة أن تتملك قوة جديدة، وأن تستعيد عناصر قوتها في مقابل قوة المجتمع، ونحن شاهدنا خلال السنوات العشر الماضية قوة كبيرة للمجتمع في مختلف أنحاء العالم، كما تجسّدت في الحراك السياسي والاجتماعي والمدني الذي شهدته الساحات. ربما يخبو هذا الحراك أو يتخذ أشكالاً جديدة.

وفي المقابل، سوف تقوى الدولة، ويصبح المجتمع خاضعاً مسكيناً يبحث عن صحته أولاً، وعن زاده، وتبحث معه الدولة أيضاً عن الصحة والزاد، لكن الدولة سيكون لها القوة العظمى، لأنها هي التي تملك أساليب الضبط والرقابة والقانون.

وأحسب أنّ استمرار الجائحة بشكل طويل سيدفع العالم إلى أن يغيّر من نظمه التشريعية عبر اتفاقات جديدة وقوانين وتشريعات جديدة، عالمية وإقليمية ومحلية، يمكن أن تشكّل الحياة على نحو مختلف.

نتوقع كل هذه التوقعات، ولا نعرف إذا كانت سوف تحدث أم لا، ولذلك يجب في الوقت نفسه الذي نتوقع فيه حدوث هذه المتغيرات، أن نتوقّع العكس أيضاً، ويصحو العالم، بالتالي، على سيطرة جديدة لرأس المال، وسيطرة أكبر للشركات الكبرى والشركات المتعددة الجنسية، مع تزايد جبروت التحالف الذي يحدث في ما بين رأس المال ومجتمعات المعرفة، كما تتجسّد في الاختراعات التكنولوجية المختلفة، وأساليب الابتكار في الأجيال المختلفة، وطريقة التواصل الاجتماعي، بحيث يبدو العالم وكأنه أشبه بفيلم من أفلام الخيال العلمي يتحقق في الواقع، بشكل أو بآخر، وتصبح السيطرة على العالم أسهل من خلال مزيدٍ من الاتحاد بين رأس المال والمعرفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علم اجتماع السيارات والمرور

وعن سؤال حول ما نسمعه اليوم عن علم اجتماع جديد يسمّى "علم اجتماع الوباء"، وما إذا كانت هذه التسمية صحيحة أم لا، أجاب زايد:

نعم، علم الاجتماع تظهر فيه على الدوام فروعٌ جديدة. ولا غرو، فهو العلم الذي يدرس المجتمع في حال ثباته، وحال تغيّره، وهو دائماً يلاحق الظروف المتغيّرة في العصر، والظروف المتغيّرة بالمجتمعات، لذلك نجد أنّ فروعاً كثيرة لعلم الاجتماع ظهرت على إثر ظهور مشكلات جديدة، مثل علم اجتماع الكوارث، وعلم الاجتماع الإكلينيكي، وعلم اجتماع الجسد، وعلم اجتماع الرياضة وكثير من الفروع، لأنّ أيّ مجال من مجالات الحياة، يُمكن أن يُدرس بدوره دراسة سوسيولوجية. وحدث أن علق ذات مرة أحد علماء الاجتماع الكبار على هذا الأمر بالقول إنّ فروع علم الاجتماع تتعدد، لدرجة أنه يمكن أن نجد فروعاً لعلم اجتماع أشياء بسيطة للغاية، مثل علم اجتماع السيارات، وعلم اجتماع الدراجات، وعلم اجتماع خاص بحوادث المرور... إلخ.

لذلك، إذا تحدّثنا عن سوسيولوجيا الوباء، أظن أنها موجودة بشكلٍ أو بآخر منذ مدة طويلة في مشهديّات علم الاجتماع، لأن هذا العلم يهتم بدراسة الآثار التي تحدث في المجتمع، جرّاء التغيرات الآتية من خارج النسق، وليس من داخله فقط، مثل التغيرات في المناخ والظروف البيئية المحيطة، وتلك التي تنتجها الأوبئة والكوارث، وهي جميعها تؤثر في المجتمعات تأثيراً كبيراً، وتحدث في الحياة الاجتماعية أزمات وصوراً عديدة، شاقة ومبهظة.

وأظن أن لهذا الفرع من فروع علم الاجتماع أهمية خاصة، كونه جزءاً من منظومة علم الاجتماع الطبي. وثمة إمكانية كبيرة، لأن يستقل باعتباره فرعاً في حد ذاته. وأعتقد أنه مهم جداً، وقريب جداً، من فروع أخرى في تخصّصات أخرى، مثل جغرافيا الأوبئة أو الأمراض، فعلم الجغرافيا يهتم بهذا الموضوع في الجغرافيا البشرية، بل إنه يمكن أن يوجد، حتى في علوم أخرى، مثل علم السياسة وعلم الاقتصاد، لأن الأوبئة والجوائح الكبيرة تُحدث تأثيراً كبيراً جداً في الاقتصاد والممارسات السياسية.

جدير بالذكر أنّ علم اجتماع الأوبئة يساعد في الكشف عن انتشار الوباء: هل ينتشر في فئات اجتماعية أكثر من أخرى؟ هل أسلوب الحياة بين الناس يؤثر في الإصابة؟ ما الظروف الاجتماعية المصاحبة له؟ هل نمط الأغذية يؤثر أم لا يؤثر؟ هل المستوى أو الانتماء الطبقي إلى الفرد يؤثر أم لا يؤثر؟ هل المستوى التعليمي الفكري والثقافي يلعب دوراً في التغيير؟ كيف تفضي الأوبئة إلى تغيرات كبيرة في الجسد، والطريقة التي يحضر بها الجسد في الحياة؟ فنحن الآن نضع على أنوفنا وأفواهنا كمامات، ونحاول اتقاء المرض بصياغات معينة للتفاعلات الجسدية عبر التباعد الاجتماعي. وأنا أعتقد أنّ الاجتماع البشري كما ذكرنا قبل قليل سوف يكون مختلفاً لو استمر هذا الوباء فترة زمنية طويلة. في هذه الحال، فإن سوسيولوجيا الوباء سوف تكون مهمة، مثلما سيكون هناك أهمية للمجال الصحي الخاص بالعلاج والرعاية الصحية، وقد تلعب دوراً كبيراً جداً في ترشيد المجتمعات لصوغ سياسات جديدة وسياسات متجددة للتعامل مع الأوبئة.

بين تباعدين اجتماعيين

وقلت لمحدثي أحمد زايد: ذكرت مصطلح "التباعد الاجتماعي" الذي راج أخيراً  رواجاً كبيراً في الإعلام بسبب كورونا، هل كنت تتصوّر أن يأتي يوم لعلم الاجتماع الذي نشأ وتطوّر في كنف مجتمع المدينة الحديثة (مع أوغست كونت وماكس فيبر، مثالاً لا حصراً) أن تسمع فيه بمثل هذا المصطلح أو تلك الدعوة، وترى أكبر مدن العالم فارغة شاحبة على هذه الشاكلة الأسطورية؟ أجاب:

لا. لم أكن أتصوّر أبداً أن يأتي اليوم الذي نستخدم فيه مفهوم "التباعد الاجتماعي" بهذا المعنى. لقد كنت أستخدمه في كتاباتي للإشارة إلى أشكال التباعد التي كانت قائمة في مجتمعنا ما بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. القول بأن الطبقات الأكثر ثراءً تتباعد في سلوكها، وفي قيمها، وفي توطّنها الاجتماعي داخل المدن تبتعد عن الطبقات الفقيرة وتبتعد عن الطبقات المتوسطة. وأن الطبقة الوسطى نفسها، ربما يحدث فيها شكلٌ من أشكال التباعد الاجتماعي، فكنت أستخدم مفهوم التباعد الاجتماعي استخداماً لنقد طبيعة المجتمع الحديث الذي نعيش فيه، وأشكال التباعد التي يفرضها التفاعل الحديث والتطورات الحديثة والمعاصرة داخل المدن العربية. وكنت أعطي دائماً مثالاً بالمجتمعات المسيّجة داخل المدن على أنها تمثل شكلاً من أشكال التباعد الاجتماعي، وكنت أعطي بعض الأمثلة على التباعد الاجتماعي داخل الطبقة الوسطى مثلاً، بالإشارة إلى الكثيرين الذين ينتمون أو ينحدرون من فئات أقل وأدنى، ثم ينتمون إلى الطبقات الوسطى ويتباعدون عن أصولهم الاجتماعية وهكذا، كنت أستخدم هذا المفهوم استخداماً نقدياً بهذا المعنى، ولم أكن أتصوّر أن يأتي اليوم الذي نستخدمه بطريقة مختلفة، أو التي حتى ندعو فيها إلى التباعد الاجتماعي، ولذلك أتصوّر أننا هنا بصدد شكل من أشكال التباعد الفيزيقي، لكنه تباعد اجتماعي أيضاً، لأنه يبعد الناس عن التفاعل الطبيعي، وعن التفاعل التلقائي القائم على التلقائية والتدفق والتقارب المكاني في الأصل.

وهذا المفهوم يعتبر أحد الصور التي يمكن أن تصبح جزءاً من السلوكيات التي تحدث في ما بعد الجائحة، لأن الناس ربما تميل إلى أشكال التباعد الاجتماعي تفادياً للعدوى. وعلى أي حال يعتبر المفهوم جديداً، لكنه سوف يظل مضاداً للاجتماع البشري، لأن الاجتماع البشري يقوم على التقارب، والفلاسفة، بالمناسبة، أكّدوا منذ زمن طويل أن الإنسان مدنيٌّ بطبعه، وأنه ميّالٌ إلى الاجتماع. قال ذلك أرسطو، وأكّده ابن خلدون، ومعظم الفلاسفة، فالتباعد الاجتماعي في أصله، هو نوع من التضامن، وكان إميل دوركايم يتحدّث عن المجتمع على أنه يقوم على شكل من أشكال التضامن العضوي الذي يشبه فيه المجتمع الكائن الحيّ الذي يتكوّن من أعضاء، وكل عضو فيه يؤدّي وظيفته بالتكامل مع سائر الأعضاء.

في الحقيقة يعتبر الحديث عن المسافة الاجتماعية قائماً، وأشار إلى ذلك نيتشه في حديثه الشيّق عن شجون المسافة، وأشارت إليه دراسات في علم النفس الاجتماعي عندما تحدّثت عن المسافة الاجتماعية التي يمكن أن يخلقها الأفراد بينهم وبين الأفراد الآخرين لظروف معينة، والمسافة النفسية التي يمكن أن تفصل ما بين الزوج والزوجة، أو تحدث في داخل الأسرة، إلى آخر هذه الاستخدامات التي كانت محطّ تداول لدى الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس حول المسافة الاجتماعية أو حول مفهوم المسافة بشكل عام. لكن هذه الاستخدامات كانت في معظمها تُستخدم بمعنى نقدي أكثر من استخدامها بشكل تفضيلي. لذلك فإنّ التباعد الاجتماعي الذي أوجدته الجائحة، يمكن أن يضاف إلى صور التباعد الأصلية التي أشرتُ إليها في بداية إجابتي عن السؤال.

هكذا إذن، يوجد نوعان من التباعد الاجتماعي لدينا. الأول يشير إلى التباعد بين الطبقات والفئات الاجتماعية في القيم ونوعيات الحيوات. والثاني هو التباعد الاجتماعي بشكله الجديد الذي يفرضه المرض، والذي يرتبط بخلق مسافة اجتماعية في ما بين الأفراد. ولذلك إذا صحّ أن نسمّي المجتمع المقبل "مجتمع ما بعد الجائحة"، فإنه يصحّ أيضاً أن نسميه "مجتمع التباعد الاجتماعي".

ضعف الإنسان وهشاشته

وانطلقت مع مُحاوري إلى موضوع ذي صلة بانفجار الوباء الخفيّ قائلاً له: أثبت وباء "كورونا" ضعف الإنسان وهشاشته أمام نفسه والطبيعة، على الرغم من استمراره بالعبث فيها حتى اللحظة، فهل ما يحدث هو "غضب" الطبيعة على الإنسان، أم نتيجة "للعب" في مختبرات الأسلحة الجرثومية الخاصة بدول كبرى بعينها، أم نتيجة لتناول وجبات الخفافيش والأفاعي والنمل الحرشفي وحشرات آسيوية أخرى... إلخ؟ أجابني:

نعم، إنّ الوباء أثبت ضعف الإنسان أمام نفسه والطبيعة، ولا أعتقد أن الموضوع يتصل كثيراً بغضب الطبيعة، الطبيعة التي يهجم عليها الإنسان، ويستغلها أسوأ استغلال، لكن أنا أميلُ إلى القول إن العقل هو الذي يغضب على الإنسان، وإن العقل هو الذي يهجم على هذه الطبيعة، والعقل الذي يحاول دائماً أن يقدّم كل ما يسهّل للإنسان حياته في شكل اختراعات تكنولوجية، وفي شكل أدوات الاتصال المختلفة في كل المجالات. وعلى قدر ما يقوم العقل بخلق كل هذه الأشياء التي تسعد الإنسان، على قدر ما يعمل على محاصرته وتضعيفه أمام نفسه، وتحويله بشكل دائم إلى إنسان يبحث عن حل للغزّ وجوده: مَنْ أنا؟ ومَنْ أكون؟ وكيف أعيش؟ وما المستقبل؟ وهذا هو الذي خلق هذه الحالة التي يسميها بعض علماء الاجتماع "حالة عدم اليقين" أو "حالة مجتمع الخطر"، وصفاً للظرف الذي يعيشه الإنسان. وأعتقد أنّ العقل يساعد دائماً التقدم، ونحن نؤمن إيماناً راسخاً بأن العقل لعب دوراً كبيراً في بناء الحضارة، لكنه هو في الوقت نفسه، كما يذهب عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر، يخلق حول الإنسان قفصاً من حديد، ويجعله محبوساً داخل أنماط من البيروقراطية التي يسود فيها القهر القاعدي المرتبط بعمليات الضبط، وعمليات الرقابة، والخضوع لقواعد وقوانين صارمة تجعله دائماً يعيش، كما لو كان آلة. ونحن قد نستدعي هنا أيضاً ما ذهبت إليه جماعة "مدرسة فرانكفورت" من قول بأن ثمة من يحاصر الإنسان ويجعله إنساناً ذا بُعد واحد على غرار ما ذهب إلى ذلك هربرت ماركيوز. ولا شكّ أن الظرف الكوروني الجديد الذي نعيشه يضع العقل أمام نفسه، ويميط اللثام عن الآثار الضارة لانفلاته بغير ضوابط.

إنّ الظرف الغامض والخوف الذي نعيشه الآن يجعلان الحاجة ماسة إلى تأمل فلسفي حول طبيعة الوجود، وربما نحن بحاجة إلى نظرية للخروج من هذا الوجود الغامض، لأنّ الوجود الذي نعيشه، هو وجود محاصر بأشياء كثيرة، ليس بالبيروقراطية، ولا بالعقلانية، ولا بالقواعد، ولا بالأطر الثقافية فقط، لكن هو محاصر بأشكال مختلفة من الغموض والخوف والقلق التي تجعل الوجود الإنساني فارغاً من المعنى، بحيث تصبح الحاجة ماسّة إلى خروج جديد، إلى فلسفة جديدة تدفعنا إلى مزيدٍ من الانعتاق من دائرة الأسر، ومن الأقفاص الحديدية التي تحيط بوجودنا المعاصر.

الحداثة المصقولة

وسألت زايد: هل تتوقع بعد جائحة "كورونا" أن تتجه البشرية إلى تكوين مختبر سياسي مجتمعي وثقافي واحد، يكون حاكماً فعلياً، لا شكلياً، على سائر السياسات الاقتصادية والتنموية والبيئية. ويبقى في حالة طوارئ دائمة لضبط مصلحة الكوكب والإنسان ومعهما سائر الكائنات الأخرى؟ فقال: إن هذا الموضوع معقدٌ جداً. فالوضع بعد فيروس كورونا، بخاصة إذا ما طال أمده، سيكون أشبه بموقف ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ولذلك على العالم أن يعيد تنظيم نفسه من جديد. وفي الحقيقة إن علاقات القوة سوف تستمر، وسوف يستمر معها أيضاً الصراع بين الدول والتنافس على تملك مزيد من المنافع على المستوى العالمي، لأن الرأسمالية التي نحن بصددها لن تتغير. ونحن نشاهد الآن بعض الجهات كيف تستفيد من صناعة بعض الأشياء المستخدمة في المجالات الصحيّة.

على أي حال سوف يستمر هذا التنافس داخل النظام العالمي، لكن النظام العالمي سوف يعيد مكاشفة نفسه، وتأملها، وسيعيد ترتيب أوراقه وقواه من جديد على غرار ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية.

ولذلك، أتوقع ظهور تشريعات جديدة واتفاقات دولية جديدة، وربما التفكير في مؤسسة أو منظمة من هذا القبيل التي يذكرها السؤال، كأنّ يكون هناك مختبر سياسي مجتمعي كبير للعالم كله. ويمكن أن يحدث هذا في إطار المنظمات القائمة بالفعل، أي ينشأ كوحدة داخل الأمم المتحدة، لكن هل سيكون عمله ملزماً؟ الأمم المتحدة نفسها تحتاج إلى مراجعة، لأنّ القرارات الخاصة بها غير ملزمة، فتكون ملزمة للضعيف، لكنها غير ملزمة للقوي.

ولذلك إذا نشأ أي كيان جديد، فلا بدّ من أن تكون القرارات الخاصة به ملزمة، ولو استمرّ الوضع كما هو عليه، فلن تكون لها فائدة، وسوف تحذو حذو الأمم المتحدة، لكن من مصلحة البشرية أن تفكّر في هذا الموضوع جيداً. نعم على البشرية أن تستفيد من هذا الظرف استفادة قصوى، لأن عليها أن تتخلّى عن كثير من التكبر أو الاستكبار والضغط الدائم على الدول الفقيرة. لا بدّ من أن تكون هناك منظومة مختلفة ورؤية مختلفة تكون فيها الجوانب الاجتماعية والنفسية والأخلاقية أكثر ظهوراً، لأنه من الواضح جداً أن السياسة ليس فيها هذا البعد الأخلاقي. وبهذا الصدد، فربما نكون بحاجة إلى ما أسميه بالحداثة المصقولة التي تتميز بالعلاقات الأخلاقية والاهتمام بالجوانب المعنوية والإنسانية والفنية في الإنسان. إن تكوين مثل هذه الكيانات وإصدار مثل هذه التشريعات في المستقبل، يمكن أن يجعلا العالم أكثر قدرة على أن يدرك مصالحه الحقيقية ويدرك مصيره، لأنّ المسألة في هذا الظرف الذي نعيشه ليست مسألة تعامل مع مرض، إنما مسألة حياة أو موت، ومصير ووجود.

مفهوم المسؤولية الاجتماعية

ثم قلت لمحدثي: البعض يرى أننا ما زلنا أمام الوهم بأن إجراءات الخطر والمنع المتّبعة، عربياً ودولياً ستقضي على الفيروس الجديد، وستمكننا قريباً من استعادة مظاهر حياتنا اليومية الاعتيادية السابقة، في حين أن كل ما فعلناه ونفعله كبشر حتى الساعة، هو أننا دخلنا طوعاً زمن الانتظار الطويل والمنصت، ووضعنا أنفسنا في حالة الحياة المرجأة والإرادة المعطّلة. ما تعليقك؟ أجابني:

هذا سؤال جميل، وأنا معجب جداً بهذه المقابلة. ما بين الرأي الذي يقول بإجراءات الحظر والمنع على المجتمع، محلياً ودولياً، سوف تقضي على الفيروس، وفي مقابل الرأي الذي يقول إن هذا الوضع أدخلنا في حالة من الانتظار والترقب والإرجاء والإرادة المعطلة. نعم هذا تناقض موجود، وأعتقد أن السبب في هذا التناقض يرتبط بالحياة التي تعطّلت، والإرادة التي فوجئت، والقدرات التي سكنت، والحياة التي فقدت جزءاً كبيراً من حيويتها، ومن تدفقها في المجالات المختلفة في مجالات الاقتصاد والسياحة والترفيه والاستهلاك والسياسة، وفي سائر المجالات. سكنت الحياة وأصبحت، كما لو كانت تدعونا إلى أن نركن إلى حالة من الإرجاء. وفي الوقت نفسه، فإنّ هذه الحالة نفسها من الإرادة المعطلة أو من الإرجاء، هي التي تولّد الأمل، لأنها إذا استسلمت إلى اليأس والخوف واستسلمت إلى الغموض الذي تعيشه، يمكن أن تفضي إلى نتائج سيئة، حيث يفقد الإنسان، حتى القدرة على التحكم في مصيره، والقدرة على أن يسيّر أموره على نحو سديد. لذلك لا بدّ من أن يتولد منها قدرٌ من الأمل.

وفي هذا الظرف، لا بدّ من أن نتمسّك بالأمل، وأن نعمل في الوقت نفسه على تقدير الإجراءات والتعليمات التي تضطلع بها الدول، ويقوم بها أفراد من المجتمع المدني، كما يقوم بها العاملون في مجال الصحة، والقرارات التي تصدر عن النخب السياسية وإدارة الحكم في البلدان المختلفة، كل أولئك لم يستسلموا هنا إلى الوهم، بل تمسّكوا بالأمل، حيث تظهر في الأفق البعيد إمكانية لتحقيق الانتهاء من حالة الإرجاء هذه، والمرحلة التي يمكن أن تعود فيها الحياة إلى مجراها الطبيعي. ومن الطبيعي أن الغموض يخلق كل هذه الأشياء، لكن دعنا نتعلق بالأمل، ودعنا نتعلق بالإجراءات التي تحدث على أرض الواقع، وأن نتعاون ونتكاتف فيها أكثر.

وهنا يجب أن نستدعي مفهومات مهمة، مثل المسؤولية الاجتماعية، والواجب الأخلاقي، والالتزام، كل هذه يجب أن نستدعيها الآن، ويجب على الشعوب كلها أن تستدعيها. صحيحٌ أن هناك قطاعات عريضة من شعوب لا تشعر بالمسؤولية، بخاصة الشعوب التي فيها مستويات من التعليم المنخفض والأمية والاهتمام بلقمة العيش اليومية التي يحرص عليها الإنسان، حتى وإن ضحّى بحياته، صحيح أن هذه الأمور موجودة، لكن علينا دائماً أن نهيئ قدراً من المسؤولية الاجتماعية، وقدراً من الشعور العام بالواجب الأخلاقي من الدول، ومن الحكومات، ومن النخب السياسية، ومن القوى السياسية المختلفة، ومن القوى المدنية المختلفة، ورجال الأعمال الذين لهم الدور الوطني المهم، الذي ينبغي أن يظهر في هذا الوقت، ثم يأتي المواطنون العاديون الذين تقع عليهم مسؤولية كبيرة من الدعم والمساندة. وهنا يحضر مفهوم الشراكة الذي يجب أن يؤسس لفكرة المستقبل، فلا سبيل إلى مجتمع قويّ من دون شراكة قوية تقوم على مبدأ المسؤولية الاجتماعية.

مجتمع ما بعد الجائحة

ثم قلت لمحدثي: باعتبار "كورونا" فيروساً جديداً، كما يقول العلماء المتخصصون، وليس له، بالتالي، أي علاقة بما سبقه من أوبئة قاتلة ومدمرة عرفها التاريخ البشري، فإن أمره سيستتبع بالقوة بروز فلسفة اجتماعية وعلمية جديدة ومتجاوزة. ما تعليقك؟ وهل بإمكانك بوصفك متخصصاً في علم الاجتماع أن ترسم لنا بعض ملامح هذه الفلسفة الاجتماعية المفترضة؟ أجاب:  لقد كانت هناك محاولات للتفكير في هذه الفلسفة حتى قبل الجائحة، لأنّ المجتمعات الحديثة استشعرت منذ عقدين من الزمان أهمية الخطر، وأهمية أن تنظر في مستقبلها، بخاصة الأحداث التي حدثت بعد تفكيك الاتحاد السوفياتي، وبعد سقوط جدار برلين، وبعد الأحداث التي حدثت بالصين في ميدان تيانانمن، وبعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وحادثة تشيرنوبل، كلها أحداث وقعت في أوقات متقاربة، ودلّت على أن المجتمع يتغيّر بسرعة، وأن التغيّرات التي تحدث فيه لا يمكن التنبؤ بها، وهي التي دعت كثيراً من علماء الاجتماع إلى أن يتحدثوا عن اختفاء السرديات الكبرى وظهور السرديات الصغرى، وأن ثمة ضرورة لمراجعة كل أساليب التفكير القديمة. ولعل الجائحة تجعل هذا التيار يستمر في المستقبل، محاولاً طرح أفكار حول قضايا مهمة، خصوصاً في ما يتعلق بالضميرَين الجسدي والصحي للإنسان.

ولا بدّ لهذا الفكر من أن يستمر في مجتمع ما بعد الجائحة، وأحسب أنه سوف يأخذ مسارات أساسية عدة: المسار الأول سوف يكون متجسّداً بالتفكير النقدي، بخاصة النقد الذي يوجّه إلى مشروع الحداثة الذي عشنا في كنفه طوال هذه الفترة من الزمن. وهذا النقد سوف يكمل النقد الذي بدأ مع "مدرسة فرانكفورت"، واستمر فترات طويلة، وانقطع قليلاً، ويجب عودة هذا النقد مرة أخرى ومراجعة المنظومة ككل، وتبيان جوانبها المادية، والاستهلاكية، والكاشفة عن الهيمنة وعدم العدالة. كل هذه موضوعات يمكن أن تناقش وتطرحها أسئلة هذه الفلسفة الجديدة.

والمسار الثاني يتعلق بالبحث عن بلورة جديدة، تُخرج العالم إلى آفاق أوسع، وإلى حداثة من نوع مختلف، حداثة أكثر عدالة، وأقلّ مادية، وتزخر بالجوانب التكاملية للإنسان.

والمسار الثالث في هذه الفلسفة المتوقعة هو أن تكون فلسفة إنسانوية، بمعنى أن تبحث عن الإنسان من جديد، أي ذاك الإنسان الذي ضيّعته الحداثة، وتحاول أن تعيده من جديد، ولا تعيد إليه كرامته فحسب، إنما وجوده الضائع. فلسفة تدعو إلى مجتمعات تسودُ فيها الرغبة في إعلاء شأن الإنسان وشؤون المساواة والحرية والعدالة. ولعل هذه النقطة الأخيرة يمكن أن تستدعينا إلى القول بيقين إن هذه فلسفة يمكن أن تضع أسساً جديدة للعدالة والمساواة في هذا العالم الجديد.

أخيراً، فإنّ موضوع الصحة والجسد والحماية سوف يكون حاضراً في كل تلكم المسارات، طالما أنه يشكل مصدراً رئيساً للقلق.

نموذج ليوتوبيا جديدة

وعن سؤال كيف سنتصدى، اجتماعياً، لمشاعر الخوف التي تجتاح كثيرين من الناس الفاقدة السيطرة على مشاعرها وسلوكياتها وتصرفاتها إزاء هذا الفيروس، حتى إن بعضهم من كثرة تهجّسه به يظنّ نفسه مصاباً، وهو في الحقيقة إنما يشعر بالذعر أحياناً، ليس إلا؟ أجاب زايد:

نعم، لقد أدّت هذه الجائحة إلى مشاعر خوف عميقة. وارتبط الخوف لدى كثير من الناس بقلق وتوجس وغموض. والخوف عندما يرتبط بهذا القدر من الغموض، وبهذا القدر من القلق، يخلق لدى الناس شعوراً غريباً يتصل بطبيعة وجودهم ومستقبلهم والإنجازات التي حققوها في حياتهم. ماذا فعلنا؟ ماذا حققنا في هذه الحياة؟ هل أولادنا سيتمكنون من العيش مع قدر من الأمن؟ وأسرنا، هل ستعيش آمنة؟ ماذا سيكون عليه مستقبلها؟ هل سوف تصاب بالمرض أم لا تصاب؟

يبدو الإنسان، كما لو كان كل يوم، وكل دقيقة، ينظر في نفسه. وهذه النظرة في النفس ليست نظرة بيولوجية فحسب، إنما قائمة على معايير النظافة في تعامله، حتى مع الأوراق، ومع النقود، ومع الأشياء المادية التي يستخدمها داخل المنزل، فيحرص على تعقيمها، لكن الخوف ينقله إلى التأمل في الحياة بشكل عام، في مصيره ومصير أولاده وعائلته ومستقبله وإنجازاته التي حققها في حياته، وطبيعة الحياة حتى في ما بعد فيروس كورونا. ما الذي سوف يكون؟ وما الذي ستؤول الأمور إليه؟

صحيحٌ أن التأمل في النفس والذات والجسد، وفي كل هذه العناصر مجتمعة، مفيدٌ للغاية، غير أنّ جزءاً من الإيجابيات، هو أن نقوم بذاك التأمل الانعكاسي أيضاً، شريطة عدم الارتباط بالخوف، لأن الارتباط بالخوف ينطوي على قدر كبير من السلبية.

على أنّ الخوف عندما نأخذه بمعنى أعمق، وننظر إليه في اختلاف مفهومه لدى الفئات الاجتماعية المختلفة، يكون وضعه إزاء بصيرتنا أكثر تعييناً، فمثلاً الخوف في الطبقات الاجتماعية العليا يكون مرتبطاً بالثروة والملكيّة. أمّا الخوف في الطبقات الوسطى فلا يرتبط بالخوف على الحياة المادية فقط، إنما على الحياة المهنية أيضاً. وعندما ننزل بالخوف إلى مستويات الطبقة الدنيا، نجد موقفاً مختلفاً تماماً: ندرة في الاقتصاد، وفي الحاجات، ولذلك الخوف عندما يرتبط بالندرة، سيؤدي حسب توماس هوبز إلى الفوضى، وإلى تخليق أشكال من السلوكيات قد تصل في بعض الأحيان إلى العنف.

أنتهز هذه الفرصة في الحديث عن العنف، لأشير إلى التصريح الذي أدلى به السكرتير العام للأمم المتحدة بأن الجائحة خلقت مشكلة في السلام الأسري، وأن العنف ممكن أن يسود في الأسرة. وأنا شخصياً ضد هذه الأطروحة، توجد مزايا كثيرة جداً في التشابك الأسري الذي حدث بسبب الجائحة، لكن عندما نتحدث عن العنف، نتحدّث عنه في ظروف معينة، فهو ليس موجوداً عند كل الناس، إنما إذا توافرت بذرة العنف، وكان الاستعداد له موجوداً لدى الأسرة. فسوف يزداد في موقف الحجر.

أمّا عن استمرار الخوف بعد الجائحة، فإنه سوف يستمر، لكن بقدر معين، ويكون سبب استمراره هو الخوف من قدوم جائحة أخرى، كما لو كنّا انتهينا من عصر الذَّرة، ودخلنا في عصر الجوائح، خصوصاً إذا كانت هذه الجوائح مجعولة بفعل فاعل، أو إذا كانت لها علاقة بالإرهاب أو بالاستخدامات المدمرة الطاقة الإنسانية والاتجاهات السلبية التي تعمل على تدمير المجتمع الحديث.

الدرس المستخلص

إذن، أي درس يمكن أن يستخلصه البشر من دراما هذا الوباء الذي بدأ يطمُرُ حياتنا والرغبة الملحة لبقاء هذه الحياة؟ عن هذا السؤال أجاب:

إذا كان هناك من درس يمكن الاستفادة منه في هذا الظرف، فهو يتعلق أولاً بالذات، ثم بالمجتمع ككل. في ما يتصل بالذات، أعتقد أن التأمل في ذواتنا يعكس قدراً كبيراً من التأمل الانعكاسي. وهذا مفهوم نستخدمه نحن في ميادين علم الاجتماع للتعبير عن الرغبة في المكنة الحداثية، والرغبة في أن يكون الإنسان متطلعاً دائماً إلى ما هو أفضل، فيميلُ دائماً إلى النظر في ذاته ونقدها، ونحن يمكن أن نقوم بشيء من هذا القبيل، وهو أن نتأمل ذواتنا، ونرى هل كانت سلوكياتنا قبل الجائحة مرضية؟ وهل وجود الجائحة في حد ذاته يدفعنا إلى تعديل بعض السلوكيات؟

سوف أعطي مثالاً بسيطاً يتصل بعلاقتنا بأصدقائنا في العمل، والصراعات الكثيرة التي ندخل فيها، التي أطلق عليها "الصراعات الفقيرة"، أو "النضالات الفقيرة"، التي ندخل في حلبتها من أجل حصد مكاسب صغيرة جداً، وبسيطة جداً، ونتبارى في استخدام أساليب أتينا بها من الثقافة التقليدية. أساليب تنطوي على خلفية شللية وتحيّز وانفعال ولا عقلانية. كما تنطوي على قدر كبير من الأساليب التي يسعى خلالها الإنسان لتحقيق مكاسب بسيطة، وتؤثر تأثيراً كبيراً في ممارسة المهنة، فتجعلنا نترك المهنة، ونتصارع حولها في أمور قليلة وفقيرة.

ومن الدروس المستفادة في هذا "الزمن الكوروني" زمن الجائحة الكبرى، هو التوفر على مزيد من التأمل الانعكاسي، مع النظر في الذات، ومحاولة للتخطيط لحياة أفضل وأكثر إنسانية، أحترم خلالها الآخرين، وأكون أكثر تسامحاً معهم، وأكثر إنجازاً وأكثر رعاية لنفسي وصحتي وصحة أسرتي. وهكذا.

وعلى المجتمعات أن تتأمل نفسها أيضاً، وتراجع التجارب التي دخلت فيها أو عبرتها، وأن تحسب الخسائر لديها، والمكاسب، بغية أن ترى مثلاً، هل كان الدرب الذي سلكته صحيحاً؟ ليس في ما يتصل بالصحة والرعاية الصحية فقط، إنما في كل أمور الحياة، خصوصاً منها تلك التي نستلهمها من الكوارث لنعمل على تجنبها ثانية.

وثمة درس يخصّ، في رأيي، العالم أجمع. لا بدّ من أن ندرك خلاله أننا نعيش في عالم يكاد يختلط فيه كل شيء، ومعه بتنا لا نعرف رؤوسنا من أرجلنا. وكل يوم يزداد هذا العالم غموضاً على غموض. ولأن أمر هذا العالم هو هكذا، فلا بدّ، في المقابل، من أن نبدي قدراً كبيراً من الحرص، ونتأمل المشكلات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه كبشر، وعلى رأسها مشكلة سباق التسلّح النووي، والصواريخ الباليستية المحمّلة برؤوس نووية، وغير ذلك من صنوف أسلحة التدمير الشامل، التي من شأنها أن تطيح الإنسان والكوكب معه.

كما أن تطوير الأسلحة الجرثومية والبيولوجية وانفلاتها العشوائي يفتك أكثر ببني البشر، وقد أثبتت لنا جائحة كورونا حقيقة هذا الأمر اليوم، ألا يكفينا ما نتخبط به، مثلاً، من جرّاء هذا الفيروس الذي لم يتوصّل علماء الطب إلى عقار أو لقاح له حتى اللحظة؟! لذلك على عقلاء العالم كافة أن يتوصلوا إلى وضع قوانين قارّة، وخطط عملية ملزمة لإيقاف عملية تطوير الأسلحة البيولوجية والجرثومية في مختبرات الموت والدمار.

ونحن نصبو إلى اليوم الذي تتوقف فيه كل الأسلحة الفتاكة، سواء أكانت تقليدية أم نووية أم جرثومية، ويعيش الجنس البشري برمته في عالم واحد يسوده السلام والعدل والأمن المستدام، وذلك على غرار ما كان المجتمع البدائي البسيط يعيش عليه في منتهى السعادة والسلام والوئام. نحن بأمسّ الحاجة إلى أن نُحيي تلك الروح البدائية مرة أخرى، فكلما أخذتنا الحداثة بعيداً، تكون الحياة البدائية نموذجاً ليوتوبيا جديدة.

المزيد من حوارات