Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قضية شراء تركيا صواريخ (S-400) قصة لا تنتهي

ماذا يضرّ روسيا إذا كانت قد تسلمت الأجرة من دون أن تتقاسم مع أنقرة الخبرة التكنولوجية؟!

طائرة شحن عسكرية روسية تحمل نظام الدفاع الصاروخي S-400 في قاعدة جوية تركية (أ.ف.ب)

كنتُ قد أكدتُ منذ عشرة أشهر في مقالي المنشور بهذه الزاوية على أن تركيا لن تستطيع استلام صواريخ (S-400) التي اشترتها من روسيا ودفعت ثمنها، وحتى لو استلمتها فلن تستطيع استخدامها، وإن استخدمتها فستصبح "إيران الثانية" على المستوى الدولي.

وبالفعل، فقد اشترت أنقرة هذه الصواريخ من روسيا ولكنها لا تستطيع تفعيلها، والحال أنها كانت قد أعلنت في البداية أنه سيتم تفعيلها في ديسمبر (كانون الأول) 2019، ثم لما أخفقت في ذلك أعلنت مرة ثانية أنه سيتم تفعيلها بالتأكيد في أبريل (نيسان) 2020.

وها قد مضى أبريل ولا نرى أثراً لما قالوه. لكن مصادر الخارجية التركية لا تزال توحي وتومئ أخيراً إلى أن قرار تفعيل نظام الدفاع الجوي المشترَى من روسيا لا يزال متوقعاً، وأنه تم تأجيل تفعيله بسبب فيروس كورونا، ولا تزال هناك استعدادات فنية في طريقها إلى الاكتمال، وقد يستغرق ذلك شهوراً.

 ومن الغريب أنه قد تم إعلان التأجيل هذا بعد الاتصال الهاتفي للرئيس رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ومن الواضح أنه إذا قامت أنقرة بتفعيلها، فسينعكس ذلك على علاقاتها مع الناتو والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وإذا لم تفعّلها فستتصادم مع روسيا هي الأخرى.

نعم لا يستطيع أحد أن ينكر أن تركيا تحتاج - بشكل أو بآخر- إلى نظام دفاع جوي قوي. وهذا أمر يتفق عليه كل الأطراف، من الموالين للحكومة والمعارضين لها في تركيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن النقاش يدور حول سؤال: كيف ومِنْ أين ينبغي الحصول عليه؟ فلربما سيكون لذلك تأثير على مصير تركيا على مدى الخمسين عاماً المقبلة.

نعم، إن تركيا بموقعها الجغرافي وقوتها العسكرية دولة ذات أهمية استراتيجية، ولها الحق، بطبيعة الحال، أن تتخذ القرارات وتعقد الاتفاقيات مع مَنْ تشاء من الدول والمنظمات الدولية.

ولكن المشكلة هي أن السياسة الخارجية التي اتبعتها حكومة حزب "العدالة والتنمية" على مدى السنوات الثماني الماضية غريبة في نوعها وخالية من رؤية استراتيجية عقلانية.

فهي أشبه ما يكون بـ"لعب مزدوج" يترفع عنه دولة في حجمها.

نعم، إن الازدواجية والتذبذب زعزعا ثقة جميع الأطراف تجاه تركيا، بما فيها الدول الصديقة، بل أوشك بعض شركائها الاستراتيجيين أن يقطعوا علاقاتهم معها.

والحال أن الدول إما أن تتحالف في سياستها الخارجية مع كتلة دولية معينة أو تطبق سياسة التوازن مع جميع الأطراف.

وللأسف، فشلت إدارة أنقرة في كلا الأمرين، وكادت أن تصبح لا في العير ولا في النفير.

أجل، يمكن أن يكون لديك قوة عسكرية، ويرتفع أداؤك الاقتصادي إلى مستوى معين، وتتمتع بأهمية استراتيجية عالية، ولكن إذا لم يكن لديك سياسة خارجية مخططة تخوّل لشركائك التنبؤَ بخطواتك، بل قمت في كل أزمة

بالقفز من طرف إلى آخر، فلن تكون في نهاية المطاف إلا بيدقاً على رقعة الشطرنج.

نعم، لا تزال تركيا تتنقل من نقطة إلى أخرى على الرقعة التي تلعب عليها الولايات المتحدة وروسيا.

 والشيء الوحيد الذي تفعله حكومة حزب "العدالة والتنمية" بمفردها الآن هو أنها تظن أنها تنفّذ سياساتها في سوريا وليبيا عن طريق الجماعات التي تم إعلانها منظمة إرهابية على المستوى العالمي.

فلذلك لا ينبغي أن يُنظر إلى قضية صواريخ (S-400) على أنها صفقة تجارية عادية. وأتوقع أنه سيتم تأجيل تفعيلها في المستقبل.

ومن أحد أسباب التأجيل ما شاهدناه في سوريا من القصف الجوي على الجنود الأتراك في إدلب، والذي راح ضحيته 36 جندياً تركياً قبل شهرين تقريباً، مما تسبّب في أزمة بين تركيا وروسيا التي لا ينكر أحد أنها كانت وراء تلك الحادثة.

ومن الواضح أن هذا يعطي فكرة كافية حول مدى كون روسيا شريكاً موثوقاً لتركيا.

ومن جانب آخر، فقد كان لفيروس كورنا تداعيات كبيرة على الاقتصاد التركي الذي كان يعاني، بالفعل، من أزمة حادة، وبالتالي فإنه من غير المعقول تفعيل هذه الصواريخ، التي ربما تؤدي إلى فرض عقوبات أميركية على تركيا، مما يتسبّب في انهيار وشيك للاقتصاد، بل ربما تدخل في مصافِّ الدول التي قد تحتاج إلى دعم من صندوق النقد الدولي. ولا ننسى أن الولايات المتحدة تتمتع بوزن لا يستهان به في الصندوق.

وهناك مَنْ يظن أن الرئيس أردوغان يستخدم قضية صواريخ (S-400) كبطاقة رابحة ضد الغربيين من جانب، ومن جانب آخر يستخدم تأجيل تفعيلها كورقة ضد روسيا.

ولكن السؤال هو: ماذا يضرّ روسيا إذا كانت قد تسلمت الأجرة من دون أن تتقاسم مع تركيا الخبرة التكنولوجية للصواريخ؟

ربما يستطيع رجب طيب أردوغان أن يستخدم هذه الورقة ضد الاتحاد الأوروبي، ولكن يصعب عليه أن يستخدمها ضد الناتو والولايات المتحدة.

وأوضح دليل على ذلك توقيعه على اتفاقية استراتيجية مع دونالد ترمب في العام الماضي، حتى بعد شرائه هذه الصواريخ التي لن يستخدمها.

ويبدو أن قضية الصواريخ هذه ستصبح مثل قضية الأرمن التي لم تزل تشغل بال تركيا وتستنفد جهدها عقوداً طويلة، اللهم إلا أن تؤوب أنقرة إلى رشدها وتتبع سياسة خارجية رشيدة تَحُول دون تورطها في مثل هذه الخطوات التي تعرضها للابتزاز.

ولنفرض جدلاً أن أردوغان غامَرَ وقام بتفعيل هذه الصواريخ، فأين سيستخدمها؟

وأقول من دون مزاح: إنه لن يستطيع استخدامها إلا ضد شعبه لحماية قصره الباذخ؛ لأن هاجسه الأكبر هو سقوطه عن السلطة، وهو مستعد لأن يفعل كل شيء للحيلولة دون ذلك.

المزيد من تحلیل