Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الخرتيت" ليونيسكو... الرجل الأخير يدافع عن إنسانيته

وباء تحت الجلد يحوّل البشر إلى حيوانات

مشهد من تقديم معاصر لـمسرحية "الخرتيت"

لسنا ندري ما إذا كان الكاتب المسرحي الفرنسي من أصل روماني، أوجين يونيسكو، قد "استعار" شخصية مسيو بيرانجيه من سميّه مسيو بيرانجيه الآخر، الذي نجده في إحدى روايات أناتول فرانس الكبرى، لكننا نعرف أنه اقتنع بالشخصية وتمثيلها للرجل الفرنسي العادي- الوسط إلى درجة أنه أسند إلى المسيو بيرانجيه خاصته الدور المركزي في أربع مسرحيات له كتبها تباعاً بين عام 1957 و1966، أي بعد تفجّر مسرح العبث أو اللامعقول عبر أعماله وأعمال صمويل بيكيت وغيرها من مسرحيات كتبها "أجانب" يعيشون في فرنسا وباللغة الفرنسية.

مهما يكن، نعرف أن مسرحيات يونيسكو تبقى الأكثر فرنسية، لا سيما منها تلك الرباعية التي نتوقف هنا عند أولاها، "الخرتيت" (1957) التي ستكون أشهرها وتترجم إلى عشرات اللغات وتُقدّم على مسارح مدن كثيرة في شتى أنحاء العالم، حتى وإن بقيت مسرحيتا يونيسكو الأقدم "المغنية الصلعاء" و"الدرس" أكثر منها تمثيلاً على كتابة هذا المؤلف.

إطلالة على الشكوى الفرنسية المتواصلة

تدور أحداث "الخرتيت" في فرنسا، وتحديداً في أوساط الطبقة البورجوازية الصغرى فيها، أي الطبقة التي يمثلها مسيو بيرانجيه، المحبط الشاكي همّه كما يجدر بكل فرنسي من طبقته أن يفعل في كل لحظة وآن. ومنذ البداية يُقدّم لنا هذا الفرنسي العادي سكيراً متباطئاً في حركته غريب الأطوار في نمط حياته، قبل أن تنضاف إلى صفاته هذه أمور أخرى، كرُهابه تجاه الخرتيت.

والحال أن هذا الرُهاب يتلو الإعلان عن فرار خرتيت في المدينة، مع أن بيرانجيه لم يهتم أول الأمر حقاً بهذا الخبر، بل أدهشه أن يجد الناس مِن حوله مهتمين به. لكن ما يحدث إثر ذلك هو أن وجود الخرتيت في المدينة سرعان ما يتحوّل إلى نوع من "وباء يصيب الناس تحت جلدهم"، محوّلاً إياهم إلى خراتيت بدورهم. وهنا إذ يتتابع سقوط الناس في الخانة الخرتيتية بحيث لا يبقى منهم في إنسانيته سوى عدد ضئيل جداً، بما فيهم بيرانجيه، وإذ يجد بيرانجيه حبيبته ديزي، وهي من قلة بقيت لها إنسانيتها، تكاد تقع تحت إغواء صديقه جان، يدرك أن عليه الآن أن يتحرّك. وهو يتخذ قراره بالتحرّك حين يصل إلى المكتب ليجد كل الموظفين زملاءه تحوّلوا إلى خراتيت، بل إن جان نفسه سرعان ما يلحق بهم متحولاً، أمام عيني بيرانجيه وعيون المتفرجين، إلى خرتيت هو الآخر. وبالتالي يجد بيرانجيه لدهشته ورعبه أنه وديزي فقط من دون سكان الأرض جميعاً قد بقيت لهما سماتهما الإنسانية. غير أنه ما إن يتيقن من هذه الحقيقة الجديدة التي تحيّره بقدر ما تحبطه، تتحول ديزي بدورها إلى خرتيت. هنا، وإذ يسمع صاحبنا من الشارع أصوات الحيوانات تزمجر، يروح متسائلاً عما إذا لم يكن الناس جميعهم على حق في تحولهم هذا ويرفع عقيرته محاولاً أن يحاكيهم في الزعيق لعله يضحى مثلهم وتنتهي الحكاية، لكنه يجد نفسه عاجزاً عن ذلك، فيشهر سيفه ويقرر أن يقاوم...

خرتيت النازية

من الواضح أن ما يتحدث عنه يونيسكو في "الخرتيت" ووباء التحول إليه، إنما يرمز به إلى الإيديولوجيا الشمولية التي سادت قبيل الحرب العالمية الثانية على شكل نازية وفاشية تمكنت من أن تستولي على عقول البسطاء، وربما الناس جميعاً أيضاً، وبالتالي تهدّد بأن تعود إلى الساحة في أية لحظة الآن، وبالتالي أتت المسرحية لتجابه مسائل مرتبطة بها، مثل الامتثال وخيانة المثقفين وسهولة تخلي البشر عن مبادئهم ومثلهم العليا في لعبة التحوّل التي عرفت النازية كيف تمارسها من طريق الأكاذيب أو كاريزما الزعيم أو الوعود بالفراديس المقبلة. ومن الواضح أن نجاح المسرحية ينبع من إدراك متابعيها لهذه المعاني التي زرعها يونيسكو فيها، هو الذي صرّح دائماً بأن معركته الأساسية هو هذا "الاستغباء" الذي تمارسه الإيديولوجيات على البشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن المعروف أن مسرح يونيسكو الذي أتى متزامناً مع مسرح بيكيت وأرثر أداموف، بدأ مع مسرحيته الأشهر "المغنية الصلعاء" (1950)، التي شاركت في تأسيس ما سُمي بعد ذلك بـ "مسرح العبث". ولكن، لئن كان عبث بيكيت جدياً وصارماً في علاقته مع الصمت كما مع الوجود، ولئن اتسمت عبثية أرثر أداموف بنوع من النزعة النضالية الإيديولوجية، في أعمال صاحبها الكبرى في الأقل، فإن عبثية يونيسكو تبدّت ساخرة ضاحكة فوضوية لا يستقر لها قرار، مثلما هي شخصية صاحبها.

الفوضى لمسايرة عصر الجنون

يوجين يونيسكو، الذي ولد في رومانيا عام 1912، وتوفي في فرنسا عام 1994، كان واحداً من الأكثر طرافة وفوضوية بين كتاب المسرح في القرن العشرين كله. وهو يرى أنه، بفوضويته العابثة واستهانته بكل شيء، عرف كيف يساير عصراً بدا كل ما فيه مجنوناً وغير ذي معنى، مما جعله يعتبر مسرحه "خير معبّر عما آل إليه حال رجل القرن العشرين". وفي هذا الإطار، لا يفوت يونيسكو أن يلفت النظر إلى أنه إذا كانت الثرثرة التي لا طائل تحتها تشكّل العمود الفقري لبعض أهم مسرحياته، فإن نظرة إلى ما تقدمه لنا تلفزات هذه الأيام تكفي لتضعنا حقاً في قلب الثرثرة.

والثرثرة التي يعنيها يونيسكو هنا، هي اللغة التي تشكّل عماد خطاب البشر، حيث يتحدث كل واحد كأنه يتحدث بمفرده ويتحول كل حوار (ديالوغ) إلى نوع من المفاجأة (مونولوغ) المتوازية. ويقول يونيسكو "إنني اكتشفت حقيقة مبادلاتنا اللغوية في ما كنت أتابع درس اللغة الإنجليزية، حيث بدا لي من الواضح أن ما من جملة وضعت لكي تلتقي حقاً مع جملة أخرى".

من صمت بيكيت إلى "ثرثرة" يونيسكو، ثمة مسافة طويلة، ولكن لم يكن من الصدفة أن يكتشف العالم مسرح هذين الاثنين في الفترة الزمنية نفسها تقريباً. ولكن لئن كان بيكيت قد حقّق النجاح والقبول منذ عرض مسرحيته الأولى "في انتظار غودو"، فإن الفشل كان من نصيب يونيسكو يوم عرضت "المغنية الصلعاء" في 1950. في ذلك الزمن الخارج من عبثية الحرب العالمية الثانية "كان جمهور المسرح مستعداً لاستقبال مَنْ يحدّثه عن فجائعيّة العالم أكثر مما كان مستعداً لاستقبال مَن يحدّثه عن عبثية العالم المضحكة"، حسب تعبير أحد الباحثين.

بين ثرثرة اللغة ودلالة الأشياء

ومع هذا، سرعان ما بدأ يونيسكو يحقق النجاح، بعد أن بدأ ينكشف الجانب الفجائعي الكامن خلف فوضوية مسرحه وثرثرته. ويونيسكو لم يكفّ عن الكتابة منذ ذلك الحين في الأقل، خالطاً في مسرحه بين ثرثرة اللغة والدلالة الواهية للأشياء: البيض، مثلا، في مسرحيتين له في الأقل، الكراسي في مسرحية "الكراسي"، أقداح القهوة في "ضحايا الواجب"، والأثاث بشكل عام في "المستأجر الجديد"، والفطر في "اميدي، أو كيف تتخلص منها". كل هذه المسرحيات كتبت خلال النصف الأول من الخمسينيات، وأسست للمكانة الأساسية التي احتلها يونيسكو في تاريخ المسرح الحديث. ولكن اعتباراً من نهاية سنوات الخمسين، راح مسرح يونيسكو يتخذ أبعاداً أقل فكاهة في أعمال مثل "القتلة" و"الخرتيت"، اللذين كتبا في الأصل على شكل قصص قصيرة.

بفضل تلك الأعمال، وبفضل ما عاد على يونيسكو وكتبه بعد ذلك، ثم بخاصة بفضل تصريحاته الصحافية وحضوره الأساسي والفاعل في الحياة الثقافية الفرنسية، تمكّن يونيسكو من أن يصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين واحداً من كبار رجال المسرح، وهو حين رحل، رحل عن أكثر من ثلاثين مسرحية لا تكفّ مسارح العالم عن تقديمها وإعادة تقديمها. ولقد كان من حظه أن عاش حتى شهد بأم عينيه سقوط نظام الحكم الروماني الذي حاربه طويلاً، رغم أن السلطات الرومانية في عهد تشاوشسكو اهتمت به ودعته غير مرة لزيارة بلده، حيث كان معظم أعماله يقدم من دون انقطاع. ونذكر هنا أن معظم مسرحيات يونيسكو مترجم إلى العربية وقُدّم مرات عديدة على الكثير من خشبات العواصم العربية.

المزيد من فنون