Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة في وثائق التنظيم والمراسلات بين "الأب والابن"

هكذا خطط الأب ووجد الابن نفسه وتفطّن السعوديون لمآربهما

على أن مقتل زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في أيار (مايو) 2011، يُعتقد أنه أنهى كل علاقة عائلته بالتنظيم، إلا أن المذكرات والوصايا التي تركها الأب، برهنت على أن مشي ابنه حمزة على خطاه ليس صدفة.

لكن الأميركيين الذين حللوا جميع الوثائق قبل أن يفرجوا عنها للرأي العام على دفعتين متباعدتين، لا يبدو أنهم ينظرون إلى خطر بن لادن الصغير على محمل الجد، بوصفه نجل زعيم التنظيم ووصيه الذي أراد له أن يلعب أدوراً قيادية تتجاوز معقل التنظيم إلى العالم أجمع، حسب ما صارح به بن لادن الأب أكابر رجال القاعدة.

غير أن السعوديين تفطّنوا لخطورة تحركات القاعدة نحو ترميز حمزة بعد أبيه فتولوا زمام المبادرة، وحشدوا الأدلة والمعلومات الأمنية حول طموحات وريث زعيم القاعدة، بما أقنع الحلفاء في مجلس الأمن بتصنيفه على القائمة الأممية بمن فيهم الأميركيين، وفق ما أكدت البعثة السعودية في الأمم المتحدة.

ولم يقف التقييم المنخفض من جانب واشنطن لخطر حمزة عند تأخرهم في تصنيفه على القائمة الأممية لإرهابي التنظيم وتخصيص مكافأة للتبليغ عنه في وقت مبكر، ولكن أيضاً بدا ذلك أكثر وضوحاً في حجم المبلغ التي خصصوه لذلك، فبينما رصدوا لذلك مليون دولار فقط، خصصوا عشرة أضعافها وأكثر في حق التبليغ عن قيادات يفترض أنها أقل شأناً في القاعدة مثل سيف العدل والعولقي، نظير رمزية شخص حمزة، وتبنيه إرث والده ليس الإرهابي ولكن العائلي والأفغاني واليمني والسعودي جميعاً، بما تحمل جميعها من ثقل في أدبيات المجاهدين العرب، بوصف السعودية قبلة المسلمين وأفغانستان دولة الجهاد الأولى واليمن أصل العرب والموطن الأصلي لزعيم التنظيم.

وربما استيعاب السعوديين لتلك الرمزية، هي التي دفعتهم إلى التعامل مع الخطر الذي يمكن أن يمثله بن لادن الصغير، عبر أقصى إجراءٍ اعتادوا القيام به، وهو سحب الجنسية وتصنيفه ضمن قوائم الإرهاب الدولية. 

ومع أن الأميركيين لديهم تقديراتهم الخاصة، مثل الاعتقاد بأن التنظيم فقد جاذبيته عالمياً على حساب شقيقته "داعش"، إلا أن خطأهم السابق في التقدير المستحق لخطر أسامة بن لادن قبل أحداث 11 أيلول (سبتمبر) يجعل نظرتهم إلى ابنه بالمنطق نفسه غير مستبعد، إذ فرطت إدارة كلينتون في حينه ولم تتعامل مع بن لادن الأب يوم كان طوع أيديهم في السودان وبعض أيام أفغانستان حتى استفحل أمره، فهل كررت الإدارة الديموقراطية في عهد أوباما الخطأ نفسه وإن بدرجة أقل، قبل أن تبادر الجمهورية في عهد ترامب إلى مسارعة إجراءاتها للتعامل مع الابن الذي يسارع هو الآخر نحو خطى أبيه.

 

ولدى سؤال "اندبندنت عربية" فريق التواصل في الخارجية الأميركية الذي أعلن تخصيصه المكافأة عن جميع تلك الملابسات وسواها، عبر تويتر وكذلك البريد الرسمي للفريق، لم تتلق الصحيفة أي إجابة حتى كتابة نشر هذا التقرير.

يأتي ذلك في وقت كشفت الدفعة الثانية من وثائق ابوت آباد التي أفرجت عنها السلطات الأميركية قبل نحو عام، الجانب غير المكتمل من شخصية حمزة بن لادن وسيرته الذاتية، والدور الذي ارتضاه لنفسه، ويراه والده الذي تفرغ لتوزيع الأدوار ليس بين أبنائه فقط ولكن أيضاً بين جميع قيادات وعناصر تنظيمه.

وبين ما كشفت عنه تلك الوثائق التلاقي في السمات الشخصية بين حمزة وأبيه، وهي سمات خادعة في بدايتها، إذ يبدو لأول وهلة أنها لا تنسجم مع العنف والسلاح والإرهاب والدم، على نحوٍ مما وصفت به جدة حمزة عليا غانم ابنها أسامة، قبل أن يسحره التيار الجهادي وعرابه الإخواني عبدالله عزام.

 

حمزة "المسكين"!

وهذا ما ألمح إليه رجل بن لادن القوي في التنظيم عطية الله الليبي، حين طلب الأب مشورته عما إذا كان يرى من المناسب إسناد مهمات قيادية إلى ابنه حمزة في قطر، فكان رده يحمل كثيراً من السخرية المبطنة واصفاً إياه بـ"المسكين".

وقال "بالنسبة لحمزة فهو طيب صالح، رأيت فيه العقل والأدب، لكن طبعاً هو شاب صغير وعاش تلك السنين في السجن وهو المسكين الآن موضوع في شبه سجن آخر عندنا فهو قلق من ذلك ويراجعني بأنه لا بد أن يتدرب ويشارك ويقدم وأنه لا يريد المعاملة الخاصة كابن فلان، فكنت أصبره وأحاججه ولكنه سهل العريكة، ليّن الحمد لله..". (الوثيقة 10-428).

وكان هذا بعد أن وصل حمزة إلى باكستان عائداً من سجنه في إيران بعد مضي ثماني سنوات على هربه من أفغانستان، أما قبل أن يصل فإن هواجس عطية كانت أشد، مرة من أجل التنظيم وأخرى خشية على أسر ابن الزعيم من الأميركيين المتربصين.

وأضاف: "أما مقترحكم بالنسبة لحمزة ابنكم فأنا لا أعرف حمزة وقد كان صغيرا لكنه كبر الآن، ولعلي اسأل الأخ النعمان المصري فإنه كان قريباً منه فترة في السجن على ما أظن، فإذا كنتم على ثقة من ثباته وقوة نفسه فهذا الاقتراح جيد لعل الله أن ييسر خروجه بخير وخروج بقية الاخوة، وكيف ترون ذهابه لقطر فإنه إذا أخرجوه سيدفعوه إلينا بالطرق التهريبية المعروفة فسوف يصل إلينا فكيف بعدها، هل من المناسب أن ينسق مع سفارة قطر في باكستان مثلاً، لكن سيأخذه الأميركان حتماً فالأمر يحتاج إلى دراسة التفاصيل والحذر والاحتياط إلا إذا أمكن أن نقول للايرانيين اتركوه يمشي إلى قطر. سنحاول". الوثيقة (10-422).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما استشارة بن لادن الصريحة، فحملتها الوثيقة المرقمة بـ19 بين الدفعة الأولى من وثائق آبوت اباد، وهي التي يقول فيها "بدا لي أمر، أحببت أن أشارككم فيه، وهو أن يذهب ابني حمزة إلى "قطر" فيطلب الفقه الشرعي وفقه الواقع، ويقوم بواجب توعية الأمة، وإيصال بعض ما نريد إيصاله لها، ونشر أفكار الجهاد وتفنيد الباطل والشبه التي تثار حول الجهاد ضمن الهامش المتاح هناك".

وبرر بن لادن خطته تلك لمستقبل ابنه بأن "الأمة بحاجة للتماس معها والتحدث معها عن قرب ومعرفة بواقعها والمداخل التي ينبغي الدخول منها في إيصال المعلومة في حين أن المجاهدين لا يتيسر لهم ذلك بشكل كبير لبعدهم ومطاردة الكفر العالمي لهم مما يفوت عليهم فرصة معرفة رغبات الأمة في الحديث وتلبيتها. إلا أن حمزة من المجاهدين ويحمل نفس أفكارهم وهمومهم وفي نفس الوقت يستطيع التماس مع الأمة حيث إنه تتعذر إدانته ومطالبة قطر بتسليمه لأنه دخل السجن وهو في سن الطفولة، فليس هناك أي قضية عليه"!

وكان لافتاً أن هذه الوثيقة وسواها، تبرز حضوراً قطرياً بارزاً في مراسلات التنظيم، وثقة شديدة في إمكان الاستفادة من دعمها اللوجستي إعلامياً أو سياسياً عبر إيواء عناصر التنظيم، إلا أن الأميركيين الذين درسوا الوثائق قبل نشرها للعموم، ظلوا غير مكترثين (خاصة في عهد أوباما)، حتى بعد مقاطعة الرباعية العربية قطر إثر إصرارها على إبقاء الصلة بهكذا منظمات وكيانات مصنف بعضها دولياً بالإرهاب.

 

دور حمزة بين وجهتي نظر!

غير أن المفارقات ليست في هذه الجزئية وحدها، ولكن كذلك في نظرة بن لا دن إلى ابنه، ورغبات حمزة المغايرة. ففيما يرى الأول أن الشاب على صغره يمكنه لعب دور مهم في التنظيم لا يمكن غيره أن يقوم به، وينظر إليه وريثاً ينبغي الاحتفاظ عليه ما أمكن بعد فقد أخيه سعداً، يرى الثاني نفسه رجلاً من الناس ولا يرغب حسب ما تؤكد الوثائق التمتع بأي امتيازات بوصفه ابن الزعيم.

لكن الأيام ستثبت مغزى الأب، وما إن كان تواضع الابن زائفاً في ذلك الوقت أو أن له تفسيراً، يفهمه الباحثون في الشأن الجهادي.

 ذلك أن "بن لادن الصغير" لجأ إلى إيران مع عدد من قيادات القاعدة بعد تضييق الخناق على التنظيم في أفغانستان في المرحلة التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر)، وودع مع والدته خيرية صابر بقية أفراد عائلته المكونة من والده وزوجتيه الأخريين (سعودية، ويمنية) وأبنائهما إلى حيث قادهما القدر في إيران على إثر تفاهم بين القاعدة وطهران، تتهم الأولى الأخيرة بأنها لم تفِ به على النحو المتفق عليه.

ووثق حمزة نفسه تلك اللحظات، في رسالة يبدو أنها الوحيدة، التي وجهها شخصياً إلى والده من سجنه وأثناء إقامته الجبرية في إيران، أو أنها على الأقل التي أتاحها الأميركيون للتداول، وهي رسالة لم تحمل رقماً بين الوثائق لكنها تضمنت تاريخ إرسالها بتوقيع كاتبها في 30 رجب 1430هـ، بما يوافق 23تموز (يوليو) 2009، إلا أن الربط بين وثائق الدفعة الأولى في 2012 والثانية في 2017 يتضح من سياقه أن الرسالة جاءت في مرحلة مبكرة من المفاوضات، وبادرة حسن نية من الإيرانيين فيما يبدو لإثبات جديتهم بشأن إطلاق سراح عائلة بن لادن والسماح لها بالعودة إلى وزيرستان معقل قيادة التنظيم، ومن ثم الانضمام إلى العائلة في آبوت آباد، حيث قتل بن لادن.

وقال "والدي الحبيب، لم أكن أتصور عندما فارقتك أنا وأخي خالد وأخي بكر عند سفح الجبال التي ذهبتم إليها عند مزرعة الزيتون أن يكون طول هذا الفراق المر، ثماني سنوات متتابعات، ولا زالت عيناي تذكر آخر نظرة نظرتها إليك عندما كنت تحت شجرة الزيتون، وأعطيت كل واحد منا "سبحة" نذكر الله بها، ثم ودعتنا وذهبنا وكأنما خلعنا أكبادنا وتركناها".

وهي رسالة طويلة من أربع صفحات، إلا أنها غنية بالتفاصيل المهمة عن جوانب تكوين شخصية الزعيم الجديد في إيران، كيف قضى شبابه وتعلم وتلقى التوجيه والتكوين على أيد رجال القاعدة الأكابر وتزوج ورأى نفسه رجلاً واشتاق لوالده وإخوته والجهاد والتنظيم.

لا بد أن تكون هذه الرسالة وصلت إلى بن لادن الأب قبل أن يقترح على مستشاريه، توجيه ابنه إلى قطر ليكمل ما بدأه من الاعداد والتكوين الفكري والجهادي في قطر، بدليل أن أحد الأسباب التي أبداها لطرح المقترح، هو صعوبة الإجراءات الأمنية حينئذ في بدايات 2011 ونهايات 2010، وخشية رجاله من تتبع الجواسيس تنقل عائلته قصد الإيقاع به، وهو ما حدث بالفعل.

لكن الجانب الأمني ليس الوحيد الذي دفع بن لادن إلى البحث عن خط آخر لابنه بعيداً عن أفغانستان، فبعد أن بشّره ابنه بحفظه القرآن والعديد من المتون العلمية لربما أراد أن يكمل ابنه ذلك المسار الذي ظل والده يُغمز بأنه يعاني فقراً شديداً منه، فلئن كانت له شخصيته القيادة والقتالية المشهورة أيام أفغانستان مستفيداً من معلمه الحركي عبدالله عزام، فإن صفته الفقهية بقيت محل تجريح ولم تقنع حتى بعض رجاله من المختصين في علوم الشريعة، فهو إذن ربما وجد في ابنه ما يكمل النقص الذي عانى منه، قبل أن يستعجل مثله اقتحام الميدان العسكري قبل التأهيل الفكري والعلمي.

وكان بن لادن في كل وثائقه يركز على الخطاب الفكري الإعلامي أكثر من العمليات القتالية أحياناً، أو في أقل الأحوال بالمستوى نفسه.

 

بعد وصول حمزة مقر قيادة التنظيم مع والدته وأسرته قادماً من إيران، أسقط في يد زعيم التنظيم المقيم في منطقة خيبر في مدينة أبوت آباد، فلا هو بالذي يستطيع لقيا أسرته التي تبادله الأشواق من دون التضحية بأمنه الشخصي، ولا هو بالذي يستطيع أن يوفر لهم عبر عناصره المنتشرة وحلفائه، مأمناً من الاستهداف الباكستاني والأميركي.

لكن في الأخير قرر بن لادن أن يقسم عائلته إلى قسمين، واحد تمثله زوجته خيرية صابر التي يريد لقاءها بأي ثمن، والثاني ابنه حمزة، الذي انصب جهده في أن يبقى على قيد الحياة، بعيداً عن طائرات "الدرون" الأميركية، أو الجاسوسيات كما يسميها التنظيم، فأعطى أوامره الصارمة لقياداته في وزيرستان بإحكام السيطرة على تحركات ابنه، وإبلاغه بتنفيذ أوامر والده بـ"الخروج من وزيرستان إن كان فيها وعدم الذهاب إليها إن لم يكن قد ذهب". (وثيقة 15).

لكن الاحتياطات الأمنية وفرضياتها المشددة عند التنظيم، جعلت صبر حمزة ينفد، فلم يخرج من سجون إيران، ليجد نفسه في سجون أبيه، كما يلمح إلى ذلك عطية الله في رسالته إلى بن لادن الأب السابقة.

وفي هذه المرحلة اتضح أن مآرب الوالد في الإبقاء على الابن ليس لسلامته الشخصية وحسب، ولكن أيضاً للقيام بأدوار أخرى أبعد من الجندية المجردة، لا تروق للشاب المتحمس الذي طالما حدثته نفسه بالذهاب بعيداً في التدريب على فنون القتال والمضي على خطى والده المجاهد قبل أبيه زعيم التنظيم.

وهذا ما كشف عنه صراحة في أول رسالة منه إلى والده بعد وصوله أفغانستان، إثر انفصاله عن أمه التي توجهت إلى زوجها، فيما بقي هو ينتظر الفرج كما يقول، ويناقش والده في ممارسة النشاط الجهادي.

الجهاد ممنوع والتدريب مؤجل!

وقال في غرة كانون الثاني (يناير) 2011 وفق وثائق الدفعة الثانية (غير مرقمة) "إن شاء الله تكون الوالدة الكريمة وصلت لكم بسلام وأمان وما تكون تعبت في الطريق من البرد أو غيره. الحمد لله أحوالنا هنا جيدة، ونحن في نعمة كبيرة من الله عز وجل، كما أننا محتاطين قدر الإمكان ومتخذين للإجراءات الأمنية اللازمة".

وأضاف: "والدي الغالي منذ قرابة العقد تقريباً وأنا لدي رغبة ملحة في اللقاء بكم، وكل ما زادت الفترة زادت الرغبة، وقد بينت لك بعض مشاعري في الرسالة السابقة (الأولى) وأتمنى أن أجلس معك وأسمع رأيك في كثير من الأمور التي نمر بها ابتداء من الفردية وانتهاء بالأمور الإسلامية والعالمية، فلو أمكن وسمحت الظروف بالمجيء إليهم وقضاء زمن معكم ثم أعود بعدها لخدمة الدين، فهذه هي رغبتي الملحة، أما إذا لم تسمح الظروف بالقدوم إليكم، أو ريثما يتم ترتيب القدوم فرغبتي هي أن أتلقى التدريب في المعسكرات المتاحة على حسب الظروف ومن ثم أنضم بعدها في العمل مع الإخوة، والدخول إلى أفغانستان ومنازلة أعداء الله، هذه هي رغبتي وأنتظر أمرك فيما تأمرني".

لكن رغبات الابن أضاف إليها هذه المرأة واحدة لا تخلو من ظرافة، بيد أنها توثق جانباً مهماً من شخصية الزعيم القاعدي الجديد، فيقول "لدي رغبة أخرى، وهي إن كان أمرك أن أبقى مع المجاهدين سواء هنا أو في مكان آخر، فإني أريد أن أبقى تحت غطاء أي شخص مجاهد عادي، وأعامل كما يعامل بقية المجاهدين، وأرجو أن ترسل للإخوة هنا (يعني قيادة التنظيم) بهذا الأمر، فهم حريصون علي أشد الحرص مما يجعلني لا أستطيع أن أعمل أي عمل، وأنا لا أريد أن أعمل بدون أي احتياط امني كما أني لا أريد أن أبقى بدون أي عمل، إنما عمل بحذر واحتياط ودعاء، ولعل الوالدة الكريمة تبين لك بوضوح رغبتي لأن الرسالة لا تلم بجميع أطراف الموضوع، فقط أردت أن أركز على أهم النقاط".

لكن هذا الإلحاح والاستعطاف لم يصرف الأب عن رأيه، إذ أجاب في الوثيقة رقم 10 بإصرار شديد على أن يبقى حمزة بعيداً عن أعين الناس وأن يركز جميع اجتهاده على الخروج إلى مكان آمن، على خلاف بقية من سماهم "الاخوة" العائدين، فإنه نصح في الوثائق قيادته بالاعتذار منهم بطريقة أشبه بالتخلص منهم، مثل توجيههم إلى القتال مع الطالبان ونسيان تنظيم القاعدة إلى حين.

 

وقال في مراسلته التي ربما تكون الأخيرة إلى موقع القيادة في 26 نيسان أبريل 2011 أي قبل أربعة أيام فقط من مقتله "طريقة الخروج ستصل حمزة بالتفاصيل عند استلامه لرسالته المرفقة، ( موجهة إليه من أخيه خالد وهي أيضاً غير مرقمة) وأما فيما يخص تلقيه للتدريبات ريثما ترتبوا له الخروج فأرى أن يكمن في هذه المرحلة ويؤجل التدريب إلى فرصة أخرى، فلا يخرج إلا لضرورة ملحة، وإن دعت الضورة إلى خروجه وحده يتجنب اصطحاب ابنه". (وثيقة رقم 10).

أما رسالة أخيه خالداً إليه فإنها تركزت على توفير الدعم اللوجستي للخروج من موقع قيادة التنظيم، والانضمام إلى الأسرة.

وجاء فيها "الحمد لله الذي أنجاكم من سجون الرافضة المجوس الملاعين، كنا نتابع أمر خروجكم عن كثب وبحرص شديد. أنتظر مجيئك لنشد عضدنا، فالطريق أمامنا طويل وشاق والواجبات علينا عظيمة وكثيرة"، وأما باقي الرسالة فإنه دعاه إلى تسلم رخصته لقيادة السيارة من مأمور التنظيم (عطية الله) ليتخذها هوية في طريقه إلى بلوشستان فكراتشي، ثم إلى بشاور عبر الطائرة أو القطار "وعندما تصل بالسلامة اتصل على هذا الرقم.. وأخبره أنك حمزة وانزل عنده وهو لديهم أنك ستنزل ونحن سنرتب مجيئك إلينا بعدها بإذن الله".

أين مكان بن لادن الصغير؟

فكان هذا آخر المطاف بحمزة، قبل مقتل والده وأخيه خالداً في ابوت آباد مطلع أيار (مايو) 2011، وبقي التساؤل إلى أين ذهب واستقر، بعد أن بلغته الأنباء بمقتل والده قبل أن يصل بيت العائلة وهو في طريقه إليه؟

سياق تاريخ تعامل بن لادن وتنظيمه مع الإيرانيين، يتضح منه أن الرجل لا يمكنه بحالٍ العودة إلى طهران لانهيار الثقة بين الطرفين. ومع أن الاستقرار في قطر التي أظهرت أنها لا تمانع من ذلك وفق سياق المشاورات، فإن لهفة حمزة إلى العمل الجهادي وشعوره بأنه فاته الكثير، ناهيك عن حاجة التنظيم إلى دماء جديدة وشكواه المستمر (في الوثائق) من شح القيادات بعد مقتلها واحدة تلو الأخرى، يجعل ترجيح وجوده في أفغانستان وحدودها الباكستانية، أقرب الفرضيات.

 ناهيك عن أن الضغط الأمني والعسكري الذي كان السبب الرئيس وراء الهرب من أفغانستان تراجع كثيراً بعد مقتل زعيم التنظيم وقياداته المهمة وانصراف الجهود الدولية إلى مكافحة داعش في سوريا والعراق، أكثر من القاعدة التي كان يتوقع أنها ماضية نحو الذبول، قبل إعلان وريثها الجديد تعبئة جديدة، لقيت ترحيباً من الأوساط الجهادية، مثل القاعدي الكويتي مبارك البذالي.

ومع أفول تنظيم القاعدة في نسخته الأفغانية السنوات الماضية، على حساب فروعه في سوريا والمغرب الإسلامي كما يسمونه، إلا أن عودة بن لادن الصغير إلى استئناف نشاط والده يتوقع أن تزيد جاذبية التنظيم لدى شرائح الشبان دون الـ27، الذين وثقت دراسة حديثة عن مركز أبحاث مرموق حصلت عليها "اندبندنت عربية" أنهم يشكلون أكثر من 70 في المائة من المنضوين تحت داعش.

ولفت معد الدراسة إلى أن عامل السن في الاستجابة لدعاية التنظيم بات مهماً، ومثله الصراع الطائفي، وهي جميعها عوامل نجحت القاعدة في استغلالها سابقاً.

غير أنه بالنسبة إلى بلد مهم في الدعاية الجهادية رمزياً مثل السعودية، فإن الباحث وثق كيف أن القوانين التي أعلنت عنها السلطات التشريعية في البلاد بتجريم مجرد الذهاب إلى مناطق الصراع في سوريا والعراق وأفغانستان ونحوها فضلاً عن الانتماء إلى أي من التنظيمات الإرهابية فيها، ضرب استقطاب الأنصار في مقتل. وهي خطوة تبعت فيها السعودية دول غربية وعربية، ما كانت تنص في قوانينها على تجريم مجرد الذهاب. لكن هذا لا يعني أن تنظيم القاعدة يملك أدوات كالتي تملكها "داعش" في التجنيد، لولا أن فشل الأخيرة ودمويتها الشديدة، ربما تكون في صالح انبعاث نظيرتها الأم من جديد، طالما أن عوامل حضورها الايدولوجية والسياسية قائمة.