Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السعودية تستعد لمرحلة اقتصادية "صعبة" لتعزيز استقرار الميزانية

محللون: الخيارات الجديدة من شأنها كبح النفقات وإعادة الأولوية للحفاظ على الوظائف والخدمات الأساسية

شارع الملك فهد في الرياض خال من المارة تطبيقا لحظر التجول (أ.ف.ب)

تستعد السعودية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية التي سببها تفشي فيروس "كورونا" المستجد على بنود الإنفاق العام والإيرادات، عبر إجراءات صارمة تستهدف منها تخطي الأزمة بسلام.

وشكّل تراجع أسعار النفط العالمية، إلى جانب تداعيات فيروس كورونا، عاملي ضغط على الاقتصاد السعودي، في الوقت الذي شهدت الميزانية الربعية، زيادة بمستويات الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي.

وفي هذا الصدد، قال وزير المالية والاقتصاد السعودي، محمد الجدعان، في مقابلة خاصة مع قناة "العربية" إن بلاده ستتخذ إجراءات صارمة جداً، وإن هذه الإجراءات قد تكون مؤلمة.

وقال الجدعان "السعودية لم تواجه أزمة كهذه منذ عقود طويلة، لا بد من الحد من النفقات وتوجيه جزء منها للرعاية الصحية، الحكومة تنظر لخيارات كثيرة وما تم اتخاذه من خطوات لكبح النفقات غير كاف".

وأوضح الوزير أن جميع الخيارات للتعامل مع الأزمة مفتوحة حالياً، وأنه يجب تخفيض مصروفات الميزانية بشدة، موضحاً أن حزم التحفيز استهدفت المحافظة على وظائف المواطنين في القطاع الخاص واستمرار تقديم الخدمات الأساسية.

وحول الإجراءات التي اتخذتها المملكة يقول الجدعان: "كانت إجراءات حازمة وسريعة جداً، وأن الأثر الحقيقي لجائحة كورونا سيظهر غالباً في الربع الثاني وما بعده... ولم تظهر أرقام الميزانية للربع الأول أثر كورونا بشكل كبير، وأن السعودية ملتزمة باستدامة المالية العامة وبتوفير ما يلزم لمواجهة الجائحة".

تغير الأنشطة الاقتصادية بعد "كورونا"

وفي جانب من حديث المسؤول السعودي يظهر مدى صعوبة المرحلة حيث يؤكد "أن العالم والمملكة لن يعودا لما كانا عليه بعد كورونا لتغير الأنشطة الاقتصادية، في ظل انخفاض الإيرادات بشكل كبير سواء النفطية أو غير النفطية منذ مطلع العام، والحكومة تنظر في مجموعة كبيرة جداً من الخيارات".

وأشار إلى أن قيمة حزم دعم الاقتصاد المعتمدة حتى الآن في السعودية بلغت قيمتها 180 مليار ريال (47.9 مليار دولار أميركي)، وهي تشكل 8 في المئة من الناتج المحلي غير النفطي.

الانخفاض القوي في الإيرادات متوقع

ومع الإجراءات المتوقعة، أوضح وزير المالية بأن الحكومة تقوم باتخاذ إجراءات للحد من النفقات مع الانخفاض القوي في الإيرادات، الذي من المتوقع استمراره حتى العام المالي المقبل. ولفت إلى أن الحكومة قررت الاستدانة بشكل أكبر من الأسواق العالمية ولكن ذلك وحده لا يكفي، وعليها النظر إلى قائمة النفقات في الميزانية وتوفير الأقل ضرراً على المواطنين.

وتابع: "بعض المشاريع ستمدد بطبيعتها وسط الإجراءات الاحترازية لمواجهة كورونا، إضافة إلى أن بعض النفقات مثل تلك المتعلقة بالسفر والانتدابات ستنخفض بشكل طبيعي، وسنرفع التوصيات قريباً بخصوص النفقات التي يجب إعادة النظر فيها، استدامة المالية العامة تتطلب اتخاذ إجراءات صارمة قد تكون مؤلمة، حتى الآن يصعب التنبؤ بمدة الجائحة ولا بد من الاستعداد لها جيداً".

أوضاع صعبة على الميزانية العامة

وجاءت الميزانية السعودية للربع الأول من عام 2020 في ظل أوضاع وظروف صعبة تواجه الاقتصاد العالمي، حيث تراجعت ‏العوائد النفطية مع تهاوي الأسعار في الأسواق العالمية وتداعيات أزمة "كورونا" التي ألقت بظلالها على نتائج القطاع غير النفطي في البلاد.

وأعلنت وزارة المالية السعودية، الأربعاء الماضي، أن البلاد حقّقت إيرادات بلغت 192 مليار ريال سعودي (51.2 مليار دولار أميركي) في الربع الأول من العام الحالي، فيما ارتفع الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الثلاثة الأولى إلى 226.1 مليار ‏ريال (60 مليار دولار)، وبذلك بلغ عجز الميزانية 34.12 مليار ريال (9.07 مليار دولار) خلال الربع الأول من عام 2020.

ووفقاً للتقرير، تراجعت الإيرادات غير النفطية في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 17 في المئة لتصل إلى 63.3 مليار ريال (16.8 مليار دولار) من 76.32 مليار ريال (20.35 مليار دولار). كما تراجعت إيرادات النفط خلال الربع الأول من هذا العام 24 في المئة لتصل إلى 128.771 مليار ريال (34.3 مليار دولار) من 169.1 مليار ريال (45.1 مليار دولار) في الفترة ذاتها من العام الماضي.

صعوبة الأوضاع لم تكن متوقعة 

محللون اقتصاديون تحدثوا لـ "اندبندنت العربية" حول تداعيات الإجراءات السعودية بالقول "إن شدة صعوبة الأوضاع الراهنة كانت بمثابة تحول تاريخي للدول المنتجة للنفط، حيث أنها تراجع حساباتها وفقاً للظروف المتقلبة المقبلة، ويشير المستشار النفطي الدولي محمد الصبان، إلى أن حديث وزير المالية جيد ففيه تمهيد لما يمكن أن تتبناه الحكومة لضبط المصروفات وتحسين الإيرادات، لتهيئة الأجواء لاتخاذ إجراءات صارمة قد تكون مؤلمة، من دون أن يوضح الوزير ماهية هذه الإجراءات إلا أن الإعلان هيأ المواطنين لتقبل الإجراءات أياً كانت حتى تمر هذه الأزمة بسلام.

وأوضح "أن الإجراءات قد تشهد تأجيل بعض المشروعات الصغيرة والكبيرة، مع الحفاظ على مستوى معين من الخدمات الأساسية وعدم المساس بها، وعلى الجانب الآخر مطلوب المزيد من تحسين كفاءة الإنفاق العام، وستصدر تباعاً قرارات في شأن تخفيض المصروفات وما يمكن أن يزيد من إيرادات الحكومة بعد دراسات مستفيضة".

وأكد أن المملكة سيكون عليها ترتيب أولويات الإنفاق العام، ولا بد من النظر في قائمة طويلة من بنود الإنفاق، مضيفاً "نبرة صوت الوزير السعودي أثناء حديثه تشير إلى أن الأزمة كبيرة وصعبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

‏وأشار إلى أن الاقتراض من الخارج مطروح في ظل الجودة الائتمانية للسعودية وقدرة اقتصادها على النفاذ إلى الأسواق العالمية وطرح سندات دولية من حين لآخر، إذ يرتفع الاقتراض المتوقع بنهاية العام الحالي لنحو 220 مليار ريال (58.7 مليار دولار).

وتوقع الصبان أن يتم غض النظر عن الإنفاق على الترفيه وبعض إنفاق قطاع الرياضة، كما يفترض أن تتوقف المملكة عن المساهمة المالية للخارج في ظل هذه الظروف.

خفض الإنفاق على المشاريع الأقل جدوى

يرى عضو جمعية الاقتصاد السعودي سعد آل ثقفان، أن خفض الإنفاق على المشاريع هو الأقل جدوى اقتصادياً للمجتمع ويمكن تأجيلها إلى السنوات المقبلة، وهناك بالفعل مشاريع متأثرة بفيروس "كورونا" وبالحظر، ولها اتصال بسلاسل الإمداد المحلية والعالمية المعطلة، وبالتالي لا يمكن تنفيذها في الوقت الحالي وتوقع آل ثقفان، أن استمرار تفشي الفيروس سينعكس على انخفاض الإيرادات الحكومية سواء النفطية وغير النفطية، مضيفاً: "قد تكون هناك إعادة أولوية لتلك المشاريع وتوسيع مدة تنفيذها على ميزانياتعدة، لأن الحكومة لو قامت بتنفيذها قد تنخفض الاحتياطيات الحكومية ويزيد الدين الحكومي وخدمة الدين ما يؤدي مستقبلاً إلى تضرر الميزانيات الحكومية بذهاب جزء ليس بالبسيط كخدمة دين وارتفاع فائدة الإقراض على الحكومة بسبب تدني موقفها الائتماني نظير ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، أيضاً حتى لو تم تنفيذ تلك المشاريع قد لا يكون الاقتصاد المحلي والعالمي استعاد نشاطه الطبيعي".

وقال آل ثقفان إنه بإعادة فتح الاقتصاد إلى مستواه السابق قبل أزمة كورونا والذي سيكون تدريجياً مع أخذ أعلى درجات الأمان الصحي والأخذ بالتجارب السابقة للدول التي مرت بإعادة فتح اقتصادها، سنقف جيداً على تحديد الآثار الاقتصادية في القطاع الخاص وحلها بأسرع ما يمكن حتى لا تتفاقم المشكلة.

تصنيف ائتماني قوي يتيح اللجوء للأسواق العالمية

قال أحمد الشهري، المستشار الاقتصادي وإدارة استراتيجيات الأعمال، إن الموقف الائتماني السعودي من وكالات التصنيف يجعلها أكثر ارتياحاً في تمويل الميزانية بقروض إضافية من دون المساس بالاحتياطي النقدي، بالإضافة إلى أن حجم العرض النقدي في البلاد يمنح القطاع الخاص والقطاع العائلي ارتياحاً أكثر في امتصاص الصدمة من أي إجراء قد تقوم به الحكومة ولا سيما أن تصريح وزير المالية أكد أن الخدمات الأساسية ستستمر ولن تتأثر وهذا مؤشر إلى أن قطاع الأسر سيكون بعيداً إلى حد ما عن أي آثار احترازية أو احتوائية قد تتخذها الحكومة.

وذكر الاقتصادي السعودي "أن سقف تخطيط موازنة المملكة للعام 2020 كان مرتفعاً على صعيد المشاريع الرأسمالية الجديدة وتخصيص جزء من تلك المشاريع في تمويل بنود الميزانية الأساسية جعل من آثار انخفاض النفط وآثار فيروس كورونا أقل حدة على صنّاع القرار في وزارتي المالية والاقتصاد". وأضاف أن صندوق الاستثمارات العامة في ظل هذه الظروف يرفع حصة أصوله الاستثمارية في عدد من الشركات العالمية وهو ما يبعث بالطمأنينة للمواطنين بأن موقف المملكة المالي قادر على امتصاص الصدمات في النفط وفي تراجع معدل النمو الاقتصادي العالمي.

أما على مستوى تجنب الآثار الناشئة في القطاعين الخاص والصحي، يقول المتخصص في شؤون المال والأعمال الشهري: "إن حجم الدعم الحكومي الاحترازي والاحتوائي بمستوياته المختلفة يقترب من 180 مليار ريال (47.9 مليار دولار)، كما أن جزءاً من جودة وكفاءة المالية العامة للبلاد يعود إلى إصلاح الميزانية العامة وتأسيس مكتب إدارة الدين العام ومركز خاص آخر لتحقيق كفاءة الاتفاق الحكومي التشغيلي والرأسمالي". وكانت السعودية أقرّت في 19 مارس (آذار) الماضي، خفضاً جزئياً في بعض بنود ميزانيتها للعام الحالي 2020، وذكر وزير المالية أن "الخفض سيكون في البنود ذات الأثر الأقل اجتماعياً واقتصادياً". وبلغ حجم الخفض الجزئي في تلك البنود ما يقارب 50 مليار ريال (13.33 مليار دولار)، أي ما يمثل أقل من 5 في المئة من إجمالي النفقات المعتمدة في ميزانية عام 2020.

وأكد الجدعان آنذاك أن قرار خفض النفقات للحكومة السعودية جاء نظراً للظروف الاقتصادية والعالمية الناتجة من تبعات تفشي فيروس كورونا، والانخفاض الحاد في توقعات نمو الاقتصاد العالمي، وما تبعهما من انعكاس سلبي على أسواق النفط وتأثيرها المباشر في المالية العامة في السعودية، وقد اتخذت الحكومة إجراءات للحد من أثر انخفاض أسعار البترول، كما سيتم اتخاذ إجراءات إضافية للتعامل مع انخفاض الأسعار المتوقع. وأوضح أن الحكومة عملت على تدابير أولية تضمن توفير المتطلبات المالية اللازمة لتنفيذ الإجراءات الوقائية والمباشرة للتعامل مع تبعات الوباء والحدّ من انتشاره لحماية المنشآت والأجهزة الحكومية واستمرارية أعمالها، مؤكداً أن السعودية ستوفّر كل الاعتمادات الإضافية المطلوبة، والخدمات الصحية اللازمة للوقاية والعلاج ومنع الانتشار.

المزيد من اقتصاد