Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ثورة 1919"... 100 عام على "عناق الهلال مع الصليب" ضد الاحتلال في مصر

الثورة أشعلها الطلاب والعمال والفلاحون وشاركت فيها المرأة للمرة الأولى... وقادت لأول دستور... وجمهورية زفتى أول تجربة انفصالية داخل مصر

منذ بزوغ فجر القرن العشرين، لم يغب عن الساحة السياسية في مصر مشهد المسيرات العمالية الحاشدة، حاملةً مطالبها الوطنية والاجتماعية في شكل أعمال احتجاجية وشعارات سياسية، ناضلوا بها ضد المستعمر وجور السلطة وفساد النخبة. فلا ينسى أحد مشهد سائقي الترام في القاهرة والإسكندرية وهم يمتنعون عن العمل "ويقلبون الترام" خلال ثورة 1919، بالإضافة إلى مهاجمة القطارات التي تقل الضباط والجنود الإنجليز، واقتلاع قضبان السكك الحديدية من قبل الفلاحين والطلبة والعمال، ليصبُّوا غضبهم على رموز سلطة الاحتلال، كما كان لصورة "عناق الهلال والصليب" جنباً إلى جنب مع هتاف "سعد سعد يحيا سعد"، أبلغ الصور عن التضامن والوحدة ضد الاحتلال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع حلول الذكرى المئوية لواحدة من "أعظم الثورات المصرية"، وفق عدد من المؤرخين المصريين، وهي ثورة 1919، بقيادة الزعيم سعد زغلول، تحاول "إندبندنت عربية"، تقديم قراءة تاريخية من الكتب والوثائق لتلك الثورة التي لم يتوقف تأثيرها فقط بالداخل المصري، بل أثَّرت في مجريات الأمور بمحيط مصر العربي، فقد أعقبتها ثورة العشرين في العراق، وثورة الريف المغربي، وثورة سوريا الكبرى، ومن ثمَّ بدأت رحلة استقلال الأقطار العربية، بحسب تعبير المؤرخ المصري "طارق البشري".

ففي ثورة 1919 خرجت جميع طوائف الشعب، وشارك فيها العمال والموظفون والطلبة والفلاحون، والمرأة. كما شهدت تلاحماً كبيراً بين مسلمي ومسيحيي مصر، ففيها اعتلى القمص سرجيوس منابر الأزهر الشريف من أجل إلقاء خطبة في المحتشدين بالجامع، كما أرسل الأزهر عدداً من الشيوخ ليخطبوا في الكنائس المصرية، ليتصدر المشهدَ شعارُ "الدين لله والوطن للجميع".

لماذا قامت الثورة؟

في كتاب المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي، المعنون بـ"ثورة 1919: تاريخ مصر القومي 1914-1922"، يقول: "إن الأجواء فى مصر قبل قيام الثورة، كانت كلها مهيأة لذلك، ففي الوقت الذي كان يماطل فيه الاحتلال الإنجليزي في تنفيذ وعوده بالجلاء عن مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كانت أوضاع أغلب الطبقات المصرية "شديدة السوء" مع استغلال الاحتلال لموارد الدولة وتسخيرها لخدمة أهدافه، وارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة، واحتكار الأجانب للوظائف ومصادر الدخل، ومعظم الحرف الماهرة، في حين عمل المصريون بأجور متدنية".

وبحسب المؤرخ المصري عاصم الدسوقي: "فإن سخط الشعب المصري ونخبته، تفاقمت مع إعلان الاحتلال الإنجليزي حمايته على مصر في ديسمبر/ كانون الأول 1914، حيث بات الاحتلال مقرونا بحماية، وصارت مصر بلدا من البلدان الخاضعة للحماية الأجنبية".

وأعلنت بريطانيا الحماية على مصر، خلال الحرب العالمية الأولى، فعندما أعلن السلطان العثماني دعمه لألمانيا عام 1914 خلال الحرب، أصبحت مصر التي كانت تحت حكم الخلافة العثمانية من الناحية الإسمية، جزءًا من التحالف ضد بريطانيا، فسارعت قوات الاحتلال البريطاني بخلع الخديوي عباس حلمي الثاني من السلطة، وأحلُّوا محلَّه عمه حسين كامل، ابن الخديوي إسماعيل على العرش، وبإعلانه سلطاناً على مصر، أصبحت مصر "شبه مستقلة"، فأعلنت بريطانيا الحماية عليها.

ثم توالت الأحداث، وازدادت مشاعر السخط لدى الأغلبية العظمى من السكان أكثر من ذي قبل عندما قامت السلطات البريطانية بحظر سفر الوفد المصري بزعامة سعد زغلول إلى محادثات السلام في فرساي عام 1918، مبدِّدة الوعود الكبرى التي قدَّمتها بريطانيا للنخبة المصرية التي كانت تحاول انتزاع بعض المكاسب السياسية من دولة الاحتلال وعلى رأسها الاعتراف الرسمي بالاستقلال ووضع دستور مصري وتشكيل حكومة وطنية.

ففي ١٣ نوفمبر/ تشرين الثاني ١٩١٨، توجه ثلاثة من السياسيين المصريين إلى المعتمد البريطانى السير ونجت، بعد أن أبدوا رغبتهم في مقابلته، ليتحدثوا عن مستقبل مصر، ومع رفض المعتمد البريطاني لحديث سعد زغلول باسم الشعب، بدأ حزب الوفد بتجميع وتوقيع عرائض من الشعب لتفويض سعد ورفاقة للحديث باسم الشعب.

وواجهت سلطات الاحتلال الحملات الواسعة للتوقيع على التوكيل، ثم كان اعتقال سعد ورفاقه (حمد باشا الباسل، ومحمد باشا محمود، وإسماعيل صدقي) ، ونفيهم إلى مالطة في الثامن من مارس/آذار 1919، وهي الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات، وسرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم، واتسع نطاقها ليشمل كل أقاليم ومدن مصر.

يقول الرافعي في كتابه: "اشتعلت الثورة في مصر في التاسع من مارس/آذار عام 1919، ليس فقط بسبب المعاناة التي تحمَّلها المصريون في سنوات الحرب العالمية الأولى التي فُرض عليهم خوضها إلى جانب دولة الاحتلال، وإنما أيضاً كتعبير عن الظلم والاستغلال الذي تعرَّض له هذا الشعب خلال تلك الفترة، ففي الريف كانت تصادر سلطات الاحتلال ممتلكات الفلاحين من ماشية ومحصول للمساهمة في تكاليف الحرب، كما حرصت السلطات العسكرية للاحتلال على إجبار الفلاحين على زراعة المحاصيل التي تتناسب مع متطلبات الحرب، وبيعها بأسعار قليلة، وتمَّ تجنيد مئات الآلاف من الفلاحين بشكل قسري للمشاركة في الحرب فيما سُمِّيَ بـ"فرقة العمل المصرية" التي استُخدمت في الأعمال المعاونة وراء خطوط القتال في سيناء وفلسطين والعراق وفرنسا وبلجيكا وغيرها، كما نقصت السلع الأساسية بشكل حاد، وتدهورت الأوضاع المعيشية لكل من سكان الريف والمدن، وشهدت مدينتا القاهرة والإسكندرية مظاهرات للعاطلين ومواكب للجائعين تطوَّرت أحيانا إلى ممارسات عنيفة تمثلت في النهب والتخريب".

وفي كتابه، "سعد زغلول سيرة وتحية"، الصادر عام 1936، يصف عباس محمود العقاد، الأجواء في شهر الثورة قائلاً: "بدأ شهر مارس/ آذار 1919 والأفق السياسي ينذر بهبوب العاصفة، فكانت تسوده حالة من هياج الأفكار، والأحوال تدل على إصرار الحكومة البريطانية على تثبيت حمايتها التي فرضتها 1914، ومع مماطلة الاحتلال في سفر الوفد المصري إلى مؤتمر الصلح لعرض القضية المصرية، كانت فكرة التوكيلات التي أقبلت كل طوائف في حماس منقطع النظير على توقيعها، آخر المساعي الممكنة".

أحداث الثورة

"لم يكن الظن في بادئ الأمر أنها ثورة، فقد كانوا يعتبرونها مجرد مظاهرات أو احتجاجات بدأها الطلبة في الجامعات، أطلقت عليهم قوات الاحتلال البريطاني بعض الرصاصات، وسينتهي كل شيء في ساعات، لكن الأمر خرج عن توقعات الجميع"، هكذا يصف عبد الرحمن الرافعي ثورة 1919.

بدأت أحداث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس/آذار 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات في أرجاء القاهرة والإسكندرية والمدن الأخرى بالبلاد،  وخرجت أولى المسيرات الطلابية في مسيرة سلمية لمدرسة المهندسخانة، ثم مدرسة الزراعة بالجيزة، ثم انضمَّت لها مدرسة الطب بقصر العيني، ثم مدرسة التجارة حتى وصلوا إلى حي السيدة زينب؛ فأحاطت القوات الإنجليزية بالمتظاهرين واعتقلت بعضهم.

في اليوم التالي، كان طلبة المدارس الأخرى وطلبة الأزهر علموا بالأمر، وقرَّروا المشاركة في الإضراب، وانضمَّ إليهم في المسيرة كل من قابلهم في الطريق من العامة، وهتف الجميع بسقوط الحماية البريطانية. واستمرت مظاهرات الطلبة لأيام متتالية حدثت فيها بعض الاعتداءات على المحال الأجنبية، وتم الاعتداء على "الترام"، وتحطيم المصابيح، واقتلاع للأشجار. وفقاً للرافعي.

أما إضراب العمال، فقد أصاب العاصمة كلها بالشلل، وسمح بتصعيد العديد من المظاهرات والاضطرابات الأخرى مثل إضراب السائقين، من سائقي الترام وسائقي الأجرة، حتى تعطَّلت جميع المصالح الأخرى في البلاد، وأغلقت المحال التجارية والبنوك. وتبع إضراب السائقين إضراب المحامين والقضاة، ثم تبعه إضراب عمال السكك الحديدية في 15 مارس/آذار، بعد الأحداث التي عرفت بمجزرة مارس حين فتحت القوات البريطانية النار على المتظاهرين ومجموعة من المصلين الخارجين من مسجد الحسين، ظناً منهم أنهم متظاهرون.

وفي 16 مارس/آذار شاركت السيدات المصريات في المظاهرات للمرة الأولى احتجاجاً على القتل والتنكيل الذي حدث في حق المتظاهرين.

ومن الطلاب في القاهرة استلم العمال والفلاحون هذا الإضراب الضخم في المحافظات ليبدأوا بتعطيل خطوط السكك الحديدية، ولم يكتفوا بذلك، بل قطعوا جميع خطوط الاتصالات بين القاهرة وهذه المحافظات بقطع أسلاك البرق والتليفون.

وكانت الثورة في الأقاليم أكثر حدَّة وعنفاً، بحسب رواية الرافعي، إذ شارك فيها الفلاحون جنباً إلى جنب مع إضراب العمال، وعمدوا إلى تحطيم خطوط السكك الحديدية، ومهاجمة أقسام الشرطة، ومهاجمة الجنود الإنجليز، والسفن التي كانت تنقلهم في النيل الذي أصبح الوسيلة الوحيدة للتنقل بين المحافظات.

يصف مصطفى أمين في كتابه "الكتاب الممنوع: أسرار ثورة 1919"، الأحداث في الثورة، بأنها "ثورة شعبية أصيلة، خرجت من القرى والكفور قبل أن تخرج من المدن والبنادر، انطلقت من الأزقة والشوارع قبل أن تنطلق من الشوارع والميادين الواسعة، وكادت المظاهرات أن تبدأ وتستمر ثم تنتهي في القاهرة؛ لولا ما حدث في المحافظات، والتي نقلها من مفهوم المظاهرات إلى الثورة الشاملة".

وفى مايو وبعد قرار الجنرال "إدموند ألنبي" المندوب السامي، بعد اجتماعه بقيادة الوفد، وعودة سعد ورفاقه، لتهدئة الأوضاع، وإبعاد الطبقة العاملة، والجماهير عن الحركة الوطنية، تشكَّلت وزراة محمد سعيد باشا في 21 مايو/آيار 1919، وتمَّ الإفراج عن المعتقلين، وإلغاء الحظر على الصحف، وتدخَّلت السلطات السياسية والعسكرية، لدى بعض الشركات لتسوية مطالب العمال.

"جمهورية زفتى"

فى منطقة ما، وتحديدا بمدينة زفتى بمحافطة الغربية بدلتا النيل في مصر، كان للاحتجاجات شكل مختلف، إذ أعلن يوسف الجندي، الطالب بكلية الحقوق الذي تزعم مجموعة من الشباب الذين كانوا مزيجا من الطلبة والعمال والفلاحين، الانفصال عن مصر وإقامة جمهورية زفتى في 18 مارس/آذار، من مقهى مستوكلي، وكان صاحبه يونانيا، بميدان بورصة القطن في المدينة.

وصار ذلك المقهى مقر قيادة الجمهورية الوليدة. وشكَّل الجندي، الذي تولى الرئاسة، ورفاقه لجنة ثورية (المجلس البلدي الحاكم) التي قررت الاستيلاء على مركز الشرطة في المدينة فزحفت الجموع، مسلحة بالبنادق القديمة والعصي والفؤوس نحو المركز، وسلَّم مأمور المركز الضابط إسماعيل حمد، الذي كان متعاطفا مع الثورة، المركز للثوار.

استولت جموع الثوار في المدينة على محطة السكك الحديدية، وعرباتها التي كانت مشحونة بالقمح، ومبنى التلغراف. وأصدرت الثورة صحيفة "جمهورية زفتى" من مطبعة محلية كان صاحبها شاباً يدعى محمد أفندي عجيبة.

وتم تشكيل لجنة للأمن ضمت القادرين على حمل السلاح بقيادة الضابط حمد، وكان الجميع استجاب لدعوة حمل السلاح، ووصل الأمر إلى درجة توسل رجل يدعى سبع الليل، من الخارجين عن القانون، وكان يتزعم عصابة مسلحة تروع البلدة والقرى المجاورة، كي يسمحوا له بالانضمام إليهم.

وعندما علم الإنجليز بما حدث أرسلوا قوة للاستيلاء على البلدة عن طريق كوبرى ميت غمر، لكن الأهالي تصدوا لها، فارتدت القوة على أعقابها. وعندما علم أهالي زفتى بأن هناك قطارا قادما إلى البلدة محملاً بمئات الجنود والعتاد العسكرى قام سبع الليل ورجاله بقطع قضبان السكك الحديدية.

ووصلت أنباء ما حدث في زفتى للقاهرة، بل عبرت البحار إلى لندن، لدرجة تحدثت الصحف البريطانية عن استقلال زفتى التي رفعت علماً جديداً. حسبما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" نقلا عن وثائق من الأرشيف البريطاني.

وعلى أثر ذلك أعلن في القاهرة عن تسيير فرقة أسترالية لإخضاع البلدة المتمردة، فسارع أهلها إلى حفر خندق حولها، ولكن القوة الأسترالية حاصرتها حتى استسلمت في 29 مارس/آذار بعد "انفصالها" لنحو 10 أيام.

"لجنة ملنر" .. تحقيقات بريطانية في أسباب الثورة

في السابع من ديسمبر/ كانون الأول 1919، وصلت لجنة تحقيقات إنجليزية، برئاسة اللورد ملنر، وزير المستعمرات البريطانى آنذاك، إلى مصر، للتحقيق في أسباب اندلاع الثورة، وهي اللجنة التي صدر قرار تشكيلها من الحكومة البريطانية يوم 22 سبتمبر/أيلول 1919.

وفقما جاء فى مجلد "لجنة ملنر 1919/1920"، الذي شمل وثائق من الأرشيفات الوطنية للمملكة المتحدة في لندن، عن أحداث ثورة 1919،  ضمت اللجنة في عضويتها "ا.ت.لويد"، سكرتير مُتقن للغة العربية، وأنجرام، موظف بوزارة الخارجية البريطانية، ورنل رود، سفير إنجلترا في إيطاليا فترة الحرب العالمية الأولى، وجون مكسويل، قائد القوات البريطانية في مصر أثناء الحرب العالمية الأولى، وأوين توماس، عضو بالبرلمان البريطانى وخبير زراعى، وسبندر، رئيس تحرير جريدة وستمنستر جازيت، وهرست، مستشار قضائى بوزارة الخارجية البريطانية.

وكان رد فعل المصريين على هذه اللجنة لافتاً للأنظار، فمنذ اليوم الأول لم يجد أعضاء اللجنة أي استجابة من أي من أطراف الشعب المصري، وانتهى الأمر بقرار شعبى بمقاطعة اللجنة البريطانية، وكانت البرقيات المتداولة بين سعد وملنر تؤكد ذلك.

ونظمت اللجنة المركزية للوفد بالقاهرة حركة مقاطعة للجنة، واستقال محمد سعيد باشا، رئيس الوزراء، وحاول ألنبى ضرب الوحدة الوطنية بتشكيل وزارة برئاسة يوسف وهبة باشا المسيحي، فاجتمع كبار الأقباط بالكنيسة المرقسية وأعلنوا أن قبول يوسف وهبة تشكيل الوزارة خروج على إجماع الأمة.

واجتمعت كلمة لجنة الوفد على انتخاب مرقس حنا وكيلاً للوفد ورئيساً للجنة المركزية، ورغم المقاطعة التامة للجنة، فإن بعض الاتصالات قامت بينها وبين بعض الساسة، وكلما مدت اللجنة جسورا للحوار مع أي طرف، جاء الرد بعبارة "اسألوا سعد"!.

 وفقا لما جاء في كتاب "يوميات لورد ملنر في مصر ووثائق أخرى 1919/1920" الذي قدم نسخته العربية المستشار طارق البشري، وهو ترجمة كاملة لوثيقة إنجليزية عن أحداث ثورة 1919، لم تجد اللجنة مفراً من التفاوض مع سعد زغلول، وانتهت المفاوضات بالفشل، وهنا كانت مقولة ملنر الشهيرة في بريطانيا: "ما وجدت قطة في شوارع مصر إلا وتموء (سعد... سعد)".

ومن أهم ما سجله ملنر في آخر يومياته بالقاهرة أن ألنبي كان مرتاحا بالكامل لرحيل اللجنة عن مصر، لأنه كان مرغماً على دعمها خلال وجودها في مصر، وهو ما كان سببا في الرفق والتساهل في تعامله مع (المحرضين على الشغب)، وبرحيل اللجنة سيجد نفسه حراً في التعامل مع محاولات الاضطراب بما تستحقه.

تصريح 28 فبراير وبداية رحلة الاستقلال

بعد فشل لجنة ملنر في تحقيق أهدافها، توحد الشعب المصري مجددا خلف قيادات الثورة، لاسيما بعد رفض مؤتمر الصلح بباريس مطالب سعد زغلول ورفاقه، وبقيت الأوضاع بين الشد والجذب من طرف قيادات الثورة والاحتلال، إلى أن أعلنت سلطات الاحتلال تصريحا من طرف واحد، في 28 فبراير/شباط 1922 (تصريح 28 فبراير/شباط)، سبقته بنفي زغلول ورفاقه للمرة الثانية إلى جزيرة سيشل.

 ونص الإعلان البريطاني على إنهاء الحماية الإنجليزية على مصر، وأن تكون مصر ذات سيادة، وأن تُلغى الأحكام العرفية مع تأمين مواصلات الإمبراطورية البريطانية في مصر، والحق في الدفاع عن مصر ضد أي اعتداءات أو تدخلات خارجية، وحق البريطانيين في حماية المصالح الأجنبية وحماية الأقليات وحق التصرف في السودان.

وحسبما جاء في كتاب المؤرخ لويس عوض، المعنون بـ"تاريخ الفكر المصري الحديث": من عصر إسماعيل إلى ثورة 1919"، كشفت هذه التحفظات جميعها عن أن سلطات الاحتلال أرادت لمصر استقلالاً منقوصاً، وقد رفض الشعب المصري ما جاء في هذا التصريح جملةً وتفصيلاً، وأدرك أنه لا يعدو كونه التفافاً على مطالب الشعب وزعمائه، حيث كانت الحركة الوطنية تسعى في ذلك الوقت إلى تحرير مصر من الاحتلال البريطاني، وليس الانفصال عن الدولة العثمانية والاستقلال التام عنها.

الآراء التاريخية في مصر اختلفت بشأن تصريح 28 فبراير/شباط، ففي الوقت الذى اعتبره البعض خطوة مهمة لاستقلال البلاد، رأى آخرون أنه يعطل ذلك الاستقلال عبر هدر السيادة المصرية في القرار السياسي وفي الحكم حتى أن زعيم ثورة 1919 سعد زغلول وصفه بـ"تصريح الانتكاسة". لكن في المقابل منح التصريح مصر، وفق موسوعة المعرفة "الحق في اتخاذ الدستور نظاماً للحكم، (أقر دستور عام 1923)، ورفع لقب حاكم مصر من سلطان إلى ملك مصر فؤاد الأول، وأدخل مصر إلى المرحلة الديمقراطية".

نتائح الثورة

ومع إجراء أول انتخابات نيابية في مصر عام 1924، بعد عودة سعد زغلول من المنفى، فاز فيها الوفد بأغلبية المقاعد في البرلمان، وشكَّل سعد زغلول أول حكومة دستورية؛ أخذ يسعى من أجل تحقيق الاستقلال التام لمصر، وانتقد سعد زغلول تصريح الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالجلاء وحكم السودان، وطالب بتعديل هذين البندين، ورفضت الحكومة البريطانية هذه المطالب، وهو ما أدَّى إلى تأزُّم الأوضاع في مصر، فحدثت مواجهات واضطرابات شديدة بين المصريين والبريطانيين، اغتيل خلالها الحاكم البريطاني للسودان "السير لي ستاك"، فكان رد المندوب السامي البريطاني  اللورد ألألأألنبي عنيفاً؛ حيث طلب من الحكومة المصرية تنفيذ الشروط، أبرزها: دفع الحكومة المصرية نصف مليون جنيه مصري كغرامة، وامتناع مصر عن المظاهرات السياسية، وأن تسحب جيشها من السودان، وقبول مصر مستشارين بريطانيين في وزارتي المالية والعدل، فضلاً عن سيطرة الجيش البريطاني على جمارك الإسكندرية وحماية الأجانب فيها.

فكان رد فعل سعد زغلول على هذا الإنذار الرفض التام، واستقال من منصبه، وحلَّ الملك فؤاد البرلمان، وعيَّن حكومة جديدة، لم يشترك فيها حزب الوفد، حيث ترأسها أحمد زيوار رئيس حزب "الاتحاد" الموالي للملك، ووافقت الحكومة الجديدة على مطالب بريطانيا؛ ممَّا زاد النفوذ البريطاني في مصر، وبدأ التعاون بين الحكومة البريطانية والملك ضدَّ الحركة الوطنية وحزب الوفد، ولم يدم حكم الحكومة الجديدة طويلاً، فقد ظهرت خلافات بين الحكومة والملك وحزب الوفد الذي استمر في نضاله مدعوماً من تحركات العمال والفلاحين والموظفين ضد الاستعمار البريطاني.

وفي عام 1926، أجريت انتخابات أخرى، وفاز فيها حزب الوفد بأغلبية المقاعد في البرلمان، وتألَّفت حكومة وطنية من حزبي الوفد والأحرار الدستوريين، وعارض الملك فؤاد سياسة الحكومة الوفدية الجديدة، واتهمها بالتعاون مع الحركة العمالية عندما أضرب العمال في المرافق العامة، فأصدر الملك بياناً يقضي بإقالة الحكومة الوفدية وحل البرلمان بمجلسيه، وتم تكليف محمد محمود رئيس حزب "الأحرار" بتأليف حكومة جديدة لجميع الأحزاب في البرلمان، وفي عام 1929 جرت انتخابات، وفاز فيها حزب الوفد بأغلبية المقاعد، فتشكَّلت حكومة بزعامة مصطفى النحاس الذي خلف سعد زغلول بعد وفاته في رئاسة الحزب.

يقول الدكتور محمد عفيفى، أستاذ ورئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة: "ثورة 1919 كانت ثورة شعبية حقيقية، رفعت شعارات ومفاهيم في سياق حركة تحرر وطنى جادة، وبناء وطن مستقل يقوم على مبادئ العدالة والحرية"، موضحاً: "أن مفهوم المواطنة كان أبرز شعارات ومكاسب الثورة، إذ واكب المد الثورى منذ اللحظات الأولى، وكانت صيحات النضال تدوى على منابر المساجد، وترددت أصداؤها بين أجراس الكنائس، مؤكداً أنه رغم محاولات الاستعمار إحداث الفتنة والوقيعة، فإن ثورة 1919 استطاعت أن تتجاوز البعد الضيق للطائفية بجمعها بين الهلال والصليب، وعملت على توسيع مفهوم المواطنة".

في الاتجاه ذاته، عدَّ المفكر والسياسي مصطفى الفقي، "ثورة 1919 أفضل الثورات في تاريخ مصر"، موضحا "أنها أكثر الثورات المصرية التي ينطبق عليها مصطلح الشعبية"، مضيفاً "أنها تعبير شعبي تلقائي ينبع من أسفل إلى أعلى". وبحسب الفقي، "جاءت ثورة 1919 بالليبرالية والوحدة الوطنية بين أطياف الشعب، وأضفت مسحة علمانية، وأحدثت انتقالاً كبيراً في المجتمع والنظام، كما غيرت في العلاقات الاجتماعية بين البشر".