Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كنزابورو أوي حائز نوبل يروي صراعه بين أب غريق وابن معاق

الحبكة الرئيسة في رواية "الموت غرقًا" تكاد تكون تفصيلاً من سيرة الكاتب الذاتية

الروائي الياباني الحائز نوبل كنزابورو أوي (دار النشر)

في رواية الكاتب الياباني كنزابورو أوي، والحائز جائزة نوبل للآداب عام 1994، "الموت غرقًا"، الصادرة حديثاً  في ترجمة عربية أنجزها أسامة أسعد، عن دار شركة المطبوعات ، محصّلة أخيرة لتجارب الكاتب وأسلوبه في تأثيث المكان وابتداع الشخصيات النموذجية وإدارة النقاش في مسائل راهنة للجمهور الياباني، في المقام الأول، وخلط الأنواع والفنون ومدّ الحكاية المروية بأبعاد أسطورية، وجعل الشعر والمسرح شريكين في مصائر الشخصيات وغيرها من المميزات التي عُرفت بها كتابة كنزابورو أوي، ذي الـ85 سنة.

وقبل أن أنصرف إلى التفصيل في شؤون الرواية الأخيرة في سجلّ أعمال الروائي، لا بدّ من كلمة أعرّف بها بالكاتب. فهو الياباني المولود في بلدة تسوّرها غابات شيكوكو، وفي إحدى جزر اليابان الأربع التي كانت تدين للأمبراطور بولائها المطلق وطاولها الصراع العسكري المرير، في ختام الحرب العالمية الثانية بين الجيش الإمبراطوري والجيوش الأميركية. ولمّا بلغ الـ18، هبط الشاب إلى طوكيو، حيث انتسب إلى جامعة طوكيو واختار فرع الآداب الفرنسية لدراستها. وبذلك، تعرّف إلى أهمّ الأعمال الأدبية باللغة الفرنسية، بدءًا برابليه، وانتهاء بالكتّاب المعاصرين أمثال فردينان سيلين وألبير كامو وجان بول سارتر، والشعراء مثل دانته وويليام بلايك وت.إس.إيليوت وييتس وغيرهم. وما كاد الشاب كنزابورو يبلغ الـ22 من عمره حتّى لمع نجمه في القصة، إذ نال أول جائزة مرموقة "أكوتاغاوا"  تُعطى لأديب ياباني في الـ23 من عمره عن كتابه "طريدة التدجين".

حضور الإبن

 وما يجدر ذكره في ما خصّ حياته، أنّ الأديب الياباني رُزق بابن ذي عيب خلقي (تضخّم في الجمجمة)، كان له حضور حاسم في حياته وكتابته الروائية على حدّ سواء. وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ ثمة اتّجاهين أو موضوعين يتجاذبان أعماله، عنيتُ: الحياة في الريف الياباني، مع ما يتفرّع منها من مشكلات ومظاهر، والولادة والتربية ومصاعبهما والعنف الناجم عن الاختلال في العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة. بيد أنّ الروايات التي واصل الروائي إصدارها، على مرّ الـ60 عاماً المنصرمة، مثل: "إنزعوا البراعم" و"مسألة شخصية" و"لعب العصر" و"رسائل إلى سنوات الحنين" و"ووجود هادئ" و"وداعاً كتابي" و" حكاية عجائب الغابة" وغيرها، ما برح يتداخل فيها الذاتي مع التاريخي، والحلُمي مع الواقعي، والمتخيّل مع الأسطوري، والسرد مع الشعر، والمسرح مع النقل التوثيقي، في توليفات قلّما يقع القارىء الدّرب على مثيلاتها في الروايات المعاصرة.

ولو شئتُ أن أوجز الكلام عن حبكة الرواية الأخيرة "الموت غرقاً"، لقلتُ إنّ الحبكة الرئيسة تكاد تكون تفصيلاً من سيرة الكاتب الذاتية، واسمه كوغيتو، وقد بلغ الـ80، ولديه ابن يُدعى آكاري، "والذي وُلد بدماغ غير طبيعي في نموّه" (ص:54). وفي خلال النزهة المسائية التي اعتاد القيام بها مشياً، على ضفة النهر في الناحية القريبة من المنزل، يلطم رأسه بأحد الأعمدة، وإذ يُغمى عليه تتلقّاه امرأة من الخلف، وتسنده لئلا يقع أرضاً. وبعد أن يعود إلى وعيه، تعرّفه بنفسها على أنها أونايكو، الناشطة في المسرح، والعاملة على تحويل أعماله الروائية إلى نصّ مسرحي تام.

 وما إن يثبّت الروائي الإطار العام للأحداث ويرسم معالم المسرح المكاني، بين المنزل العائلي وبين منعطفات الوادي الظليل، وبين مجرى النهر، حيث حُكي أنّ أباه غرق، وهو على متن زورق صغير، في الـ50 من عمره، حتى يمدّ خيوطاً في كل اتجاه، وتتكشّف الوقائع عن شخصيات وجماعات وأحداث أخرى، مرتبطة باللغز المحيّر المتصل بالصندوق الجلدي الأحمر، الذي قيل إنّ أباه المغدور كان قد حمله معه على الزورق، في مغامرة نهائية قاتلة، وما يخبّئه الصندوق من مواد ووثائق وكتب كان يمكن أن تعين الكاتب الروائي على إتمام روايته، التي يزعم أنه تخلّى عن كتابتها - في حين أن الرواية عن موت الأب غرقاً جارية فصولها على امتداد 526 صفحة!

البنية الدائرية

ولئن كان الإلمام بمسار الحبكة الرئيسة لا يفيد كثيراً من أجل الإحاطة بعالم كنزابورو أوي الروائي، لأنّ بنيتها العميقة على ما تبيّن لي دائرية، ذلك أنّ الأحداث فيها موجات تتنامى من كل الأطراف والجهات والأشخاص نحو المركز، أو اللغز، من أجل جلائه في نهاية المطاف، فإنه لا بدّ من إعطاء فكرة عن الأجزاء الثلاثة التي تتألّف منها الرواية. في الجزء الأول وعنوانه "رواية الغرق"، يضعنا الروائي في إطار الرواية المكاني والزماني، ويحدّد شخصياتها الرئيسة، وفيه تعيين للعقدة أو اللغز الذي سبقت الإشارة إليه، وكلام أول عن الصندوق الأحمر والدوار الكبير الذي أصاب كوغيتو وكان سبباً في لقاء أونايكو.

أما الجزء الثاني، فينطوي على مشاهد متداخلة، أولها المسرحية التي تبتدعها أونايكو، ويقوم إخراجها على تنشيط الجمهور وابتكار لعبة التراشق بدمى الكلاب "النافقة" واستحضار حلم يتهيّأ للراوي أنه شقٌّ لذاته أو طيفٌ لنفسه قادر على الطواف فوق الغدران والغابة والنهر. وفيه أيضاً إشارة إلى كتاب "الغصن الذهبي" لجايمس فريزر من أجل استنطاقه لاحقاً والاقتباس منه في الجزء الثالث.

ولما كان الجزء الثالث في الرواية بمثابة الختام لها، فقد وضع له عنواناً، هو "هذه الشظايا التي دعمتها لتنقذني من خرابي"، وسعى إلى وضع خلاصاته عن شخصية "كوغي" أي الراوي، واستعاد فيه قضية ماكبث، وربط كل المسار السردي السابق بالنص المسرحي الذي ارتضى أن يكون من صلب عمله الجديد بعد انضمامه إلى فرقة "إنسان الكهوف"، وانتهاء بجلاء آخر تفصيل في مقتل والد الراوي غرقاً في النهر، بل مقتولاً على يد أحد المتطرّفين من اليمين الياباني الموالي للإمبراطور، ويُدعى "دايو الأكتع"، وذلك بحجة الإتاحة لروح الوالد أن تعبر إلى روح الابن وتستقرّ في نفسه.

قد لا تنطوي حبكة الرواية الرئيسة على الكثير ممّا يستدعي التعليق والوصف، وإنّما تستثير رواية أوي عدداً كبيراً من الأسئلة، بل الفيض منها، من دون أن يحظى القارىء أو السائل بأجوبة شافية، ما دام هذا العمل الروائي التحفة، لا يكفّ عن إثارة الظواهر وطرح الإشكالات وإدماج الحساسيات والفنون والنصوص الأدبية العالمية في نصّ سردي-مسرحي-شعريّ -موسيقي عن مصير كائن فرد، هو والد الراوي المغدور منذ 60 عاماً في الظاهر، ومصير الكائن الراوي والمؤلف في مواجهته الموت والتطرّف العنيف، والعجز عن التواصل مع ابنه ذي الإعاقة الخلقية التي لم تمنعه من التحوّل مؤلّفاً موسيقياً صاحب مكانة بيّنة. وأوّل الأسئلة التي يطرحها القارئ، هو: كيف يتسنّى لكاتب رواية أن ينمّي عالمه الروائي الذي لا يني يتوالد، شخوصاً وأمكنة وحوارات ومناجيات وأحداثاً، من خلال أسلوبه المتعدد الطبقات والإحالات والتناصّات، إذ يحيل الروائي على نصّ قديم له، كما يقتبس شعراً من ييتس ودانتي وت.إس إيليوت ومقاطع من إدوار سعيد وغيرهم، في سياق سرده حال الكائن الفاقد توازنه في عالم المدينة، إذ "يرحل عن الغابة الروحية إلى العالم الخارجي" (ص:61)؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الواقع والتخييل

ثمّ كيف يوفّق في التأرجح بين حبلين، الواقع المرجعي الذي يحيل عليه باعتباره مؤلفاً وروائياً معيّناً "كوغيتو"- ما يماثل كلمة كوجيتو باللاتينية وتعني التفكير أو التأمّل- وبين الواقع المتخيّل الذي يصنعه حجراً فوق حجر ومشهداً إثر مشهد وتضليلاً للقارىء بعد تضليل، حتى ينتهي إلى القول إنّ الروائي ما برح يتجنّب الخوض في رواية "الموت غرقاً"، نزولاً عند رغبة والدته، المنصوص عليها في الجزء الأول؟

والسؤال الثالث الأشدّ إلحاحاً، هو: كيف يتأتّى للروائي أن يجعل من النص الروائي توليفاً لمجموع الخبرات الحياتية، الشخصية والجماعية، ومجموع النصوص التي تنقلها، بحيث تصير الرواية شريكاً بل شاهداً على الكرنفال النابض بكل الألوان والفنون والصراعات بين الإمبراطور ورافضيه من ذوي الميول اليسارية والديمقراطية، والتجاذبات بين الأب وابنه، يوحّدها الشعر الإنساني القديم والحديث في بوتقته الشعورية المتعددة الأبعاد، بحيث يخطر لمن تابع الرواية، إن وضع وقائعها في ميزان النقد الروائي التقليدي، التساؤل عن هوية النص السردي الطويل الذي انتهى لتوه من قراءته؟

أما الانطباع الرابع -وليس الأخير- الذي يخرج به القارىء، والذي يحتاج التثبّت منه إلى المزيد من التأمل والمتابعة، فهو أنّ الروائي لم يتوانَ عن بثّ عددٍ كبيرٍ من المواقف والآراء في تضاعيف روايته، من مثل انتقاده ظاهرة الانتحار الراسخة في التقاليد اليابانية وتنبيهه إلى المسؤولية المترتبة عنه. وانتقاده ظاهرة العنف ولزوم الإقلاع عنه، لا سيما أنه متأصّل لدى الأحزاب اليمينية المتطرفة في اليابان، ونظرته إلى المرأة المتفوقة باعتبار غالبية الشخصيات المعينة من حوله نساء، ومكانة الموسيقى العليا في نظره والمواكبة كل اللحظات (بيتهوفن وموزار وباخ) الحميمة والمصيرية على حدّ سواء، وما انتصار ابنه آكاري على وضعه الذهني الخاص، بتأليفه مقطوعات موسيقية جميلة سوى توكيد على سموّها الأصيل.

المزيد من ثقافة