Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حاكم المركزي اللبناني يرد اتهام رئيس الحكومة ويعيد الكرة إليه

العياش يدعو إلى فرض قيود وشروط على الدولة، ومرقص يعتبر الهدف إعادة إنعاش الاقتصاد

بعد أيام قليلة على الهجوم العنيف الذي شنه رئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب على حاكم المصرف المركزي، متهماً إياه بممارسة "أداء مريب" في سياساته المالية ومكبداً المصرف المركزي خسائر، أطل سلامة في كلمة متلفزة على اللبنانيين مفنداً بالأرقام والوقائع والتواريخ الاتهامات التي ساقها دياب تجاهه.

وعلى الرغم من الطابع التقني الذي تحدث به سلامة، فإن كلمته لم تخل من المواقف السياسية التي رد من خلالها على ما وصفه بـ"عناصر التعبئة الممنهجة ضد المصرف المركزي وضد الحاكم". وفي حين تلقفت الأوساط المالية والمصرفية كلام سلامة بالارتياح لأنه "أعاد تصويب البوصلة"، وشرح في شكل تقني وعلمي وقانوني صلاحيات المصرف المركزي، كما يمليها قانون النقد والتسليف والتي تدحض عنه الاتهامات التي وجهها إليه وزراء حول طاولة مجلس الوزراء عند مناقشة موضوع إقالته، وتتعلق بسوء استعماله صلاحياته وتسخيرها لتحقيق مكاسب للمصارف على حساب أموال المودعين، فإن المنتقدين الدائمين لسياسات الحاكم لم يخرجوا عن انتقاداتهم، بل زادهم كلامه الأخير اقتناعاً بالأخطاء المرتكبة.

أما في القراءة السياسية، فترى مراجع رسمية سابقة أن سلامة نجح في الدفاع عن نفسه وعن سياساته طيلة فترة توليه مسؤوليته على رأس الحاكمية، رامياً كرة المسؤولية في ملعب السلطة السياسية، من دون أن يتنازل أو يضحي بصلاحيات المصرف المركزي واستقلاليّته التي منحه إياها قانون النقد والتسليف. وقدم نفسه في الوقت عينه مرشحاً جدياً لرئاسة الجمهورية، داعياً إلى مساءلة السلطة السياسية عن وجهة إنفاق المال العام.

ولم يفت سلامة التوجه إلى اللبنانيين القلقين من الإجراءات المقترحة في خطة الحكومة، مطمئناً إلى أن لا "هيركات" أو اقتطاع من الودائع، وأن أموال المودعين موجودة.

في المقابل، تحفظ رئيس الحكومة الذي طالته مع مستشاريه، شظايا سلامة، عن الرد، مكتفياً بالتعليق بأنه لم يتسن له بعد الاطلاع على النص. فيما علم من أوساط الحاكمية أن دوائرها في صدد الإعداد لملخص للكلمة ليصار إلى توزيعها في الخارج على الدول والمؤسسات المالية الدولية، من أجل وضع كامل الوضع المالي والنقدي في تصرف الراغبين بالاطلاع عليه، بهدف الرد على الحملات التي طاولت سلامة، وتلميع صورته في الخارج.

العياش: بئر الغرف من المركزي

استوقفت النائب السابق للحاكم الدكتور غسان العياش في تقييمه لـ"اندبندنت عربية" لكلام الحاكم، نقطة شديدة الأهمية تطرح جدلاً حول إذا ما كان يتوجب على مصرف لبنان تسليف الدولة إذا أصرت على الاقتراض منه أو أنه غير ملزم القيام بذلك. لقد قال الحاكم إن المصرف المركزي مضطر إلى القيام بهذا الأمر انطلاقاً من روحية القانون، ولكن في تصوري أن روحية القانون مخالفة لذلك. لا أعني أن المركزي يجب ألا يقرض الدولة، وسأبين الشروط التي يقوم بموجبها بهذا الأمر، ولكن روحية القانون تقضي بعدم تسليف القطاع العام. فقانون النقد والتسليف يحدد آلية تسليف الدولة من خلال مبالغ ضئيلة تعطى على أساس تسهيلات صندوق أي نقداً، في حال حصل تقصير ما أو فرق بين المقبوضات والمدفوعات.

ويستعيد العياش المادة 90 التي "تظهر روحية القانون"، إذ تقول "باستثناء تسهيلات الصندوق المنصوص عليها في المادتين 88 و89، فالمبدأ ألا يمنح المصرف المركزي قروضاً للقطاع العام". وهذا المبدأ اعتمده المصرف المركزي الألماني، وسارت عليه كل قوانين الدول الأوروبية التي سارت بالوحدة النقدية، لأن تسليف القطاع العام حتى لو كان ضئيلاً يؤدي إلى نتائج تضخمية. وألمانيا التي عانت من التضخم، هي من أكثر الدول حساسية حيال تسليف القطاع العام".

أضاف أن "المادة 91 تقول أنه يمكن للمصرف المركزي أن يقرض الدولة في حالات استثنائية جداً ولحالات الضرورة القصوى، عندها تحيط الدولة حاكم المصرف المركزي برغبتها في الاقتراض وتشرح له الأسباب الموجبة. وعليه، يمكن ألا نعتبر في لبنان أن الظروف الاستثنائية والخطيرة يمكن أن تستمر لأكثر من عشرين عاماً، بل عادة ما تأتي الظروف الاستثنائية نتيجة حالات مفاجئة كعدوان مثلاً أو زلزال أو  حدث، ولكن الاعتماد على ظروف استثنائية لفترة طويلة من الزمن كما هو حاصل في لبنان، فهذا لم يعد استثناءً. كذلك يمكن ألا يُلبى الطلب في شكل فوري حتى لو أصرت الحكومة على الأمر، بل المفروض أن يعمد إلى وضع دراسات ويرى بما له من خبرة إذا كان في الإمكان استبدال مساعدته بوسائل أخرى، إما بقرض داخلي أو خارجي أو سيادي أو إيجاد موارد وضرائب جديدة".

واعتبر أن "طلب الاقتراض الحكومي يعطي المركزي الحق في الدخول إلى المالية العامة ودرسها وتقديم اقتراحات في شأنها. أما إذا تعذرت كل الوسائل، يمكن عندها للمصرف المركزي أن يمنح القرض المطلوب. وفي اعتقادي، لا بد أن نطرح السؤال أن المركزي الذي يحمل نحو خمسة مليارات من سندات اليوروبوندز، ولكن أيضاً نصف سندات الخزينة بالليرة، هل كان هذا الأمر يتم بالتنسيق بين الحاكمية ووزارة المال والحكومة، بناء لدراسات الجدوى، أو إنها كانت تتم تلقائياً، وأنا من المقتنعين بأنها كانت تتم بالطريقة السهلة والتلقائية التي سمحت للدولة بأن تطمع بمصرف لبنان، وتهمل واجباتها بتحسين المالية العامة".

ويخلص العياش إلى أن "على المركزي فرض قيود وشروط على الدولة مقابل استدانتها. في الماضي، في أواخر السبعينيات، كانت الدولة توقع عقداً مع المصرف المركزي حول القيمة والفائدة والشروط والآجال. هذا الأمر لم يعد موجوداً اليوم ومصرف لبنان بات بئراً تغرف منها الحكومات".

مرقص: غياب الحكومة

من جهته، قال رئيس منظمة جوستيسيا الحقوقية المحامي بول مرقص، إن "حجر الزاوية هو المادة 43 من قانون النقد والتسليف التي لم يتم التركيز عليها حتى الآن، وهي تنص على أن قرارات المجلس المركزي لمصرف لبنان تبلغ فوراً إلى مفوض الحكومة الذي يعود إليه بعد يومين من التبليغ أن يطلب من الحاكم تعليق كل قرار يراه مخالفاً للقوانين والأنظمة، ويراجع وزير المالية في هذا الصدد. وإذا لم يبت الأمر خلال خمسة أيام من قرار التبليغ، يمكن وضع القرار في التنفيذ. معنى ذلك أنه كان يجب تفعيل هذه المادة لتمكين مفوض الحكومة من تأدية دوره. ولكن هذا لم يتم أبداً، ولم تعط الحكومة يوماً أي أهمية لهذا المركز، حتى أنها لم تستكمل ملاك هذه المفوضية، كما أنها لم تعط الأهمية لدور المدير العام لوزارة الاقتصاد أو وزارة المالية. ما أدى إلى غياب الحكومة عن الانخراط في قرارات المجلس المركزي للمصرف المركزي، ولا يمكن لها أن تستفيق على ذلك في وقت كانت ممثلة في هذا المجلس وكان يمكن لها أن تفعل أداء ممثليها وقدراتهم أمام المصرف المركزي ومجلسه المركزي".

ويتوقف مرقص عند مواد أخرى منها المادة 13 والمادة 150 اللتان تدعمان وجود ومعرفة الحكومة بقرارات مصرف لبنان. وليس أدل على غياب الحكومة عن تفعيل هذا الدور أنها لم تعين نواب الحاكم ولم تعدل القانون لتعديل عدد النواب أو تفعيل صلاحياتهم. بالتالي، لم يعد المجلس المركزي على الانعقاد، حيث يمارس الحاكم صلاحيات منفرداً بغية تأمين عمل المصرف استناداً إلى صلاحية استمرارية المرفق العام. وإذا كان يقوم بهذا الدور، فهو لمعالجة النتائج وليس الأسباب، لأن الأسباب سياسية تتعلق بالثقة، والسياسات العامة التي لم يرسمها الحاكم، بل يرسم السياسة النقدية، وهي بعينها غير كافية لإعادة تنشيط الاقتصاد أو لترميم الفجوات في المالية العامة. لذلك، نحن اليوم أمام موقف هجين، إذ إن رئيس الحكومة ليس في موقف واحد مع الحاكم، فيما السلطة التنفيذية، سواء المالية أو النقدية يجب أن تكون وحدة لا تتجزأ. الأمر الذي يترك مزيداً من الحيرة لدى المودعين، ويعزز عدم الثقة. وهنا بيت القصيد في إعادة إنعاش الاقتصاد وتنشيط المالية العامة".

التدقيق وفق النظام المالي

وكان سلامة قال في كلمة إلى اللبنانيين إن قانون النقد والتسليف يلزم المصرف المركزي تمويل الدولة والتدخل في السوق لحماية الاستقرار، مشيراً إلى أن استقرار الليرة قرار وطني وارد في البيانات الحكومية، ونحن مقتنعون به، ويلمس اللبنانيون اليوم أهميته في ظل تدهور سعر الليرة.

وكشف أن المصرف المركزي موٓل الدولة ولكنه لم يصرف الأموال، وهناك مؤسسات دستورية وقانونية مهمتها الكشف عن الإنفاق. ولكن، عندما يحمّل المركزي والحاكم بمفرده هذا التمويل ومراقبته، فهذا عنصر من عناصر التعبئة الممنهجة ضد المصرف وحاكمه، ولكن إذا لم يمول المركزي الدولة، كيف تدفع الرواتب وتؤمن الخدمات والكهرباء؟

وأوضح أن "المجلس المركزي قام عبر السنوات الماضية بتحديد موازنات البنك ومسألة قطع الحساب. وهذا أمر مهم لتعرفوا أنه لحماية مصرف لبنان هناك قواعد للإشراف على حسابات البنك تشير إلى الحوكمة والشفافية".

وأعلن أن "الأنظمة المحاسبية في المركزي ليست مخفية على أحد، والمركزي أقر نظاماً مالياً خاصاً به ويبدأ التدقيق وفق النظام المالي والموجود في البنوك المركزية كلها كي يلعب دوره الفعلي".

وقال "نحن أكدنا في بيان واضح أصدرناه أن ميزانية مصرف لبنان هي متطابقة مع المعايير الدولية، ولا معلومات مكتومة ولا أحادية في قرارات الإنفاق، والقول عكس ذلك افتراء يهدف لتضليل الرأي العام.

وأوضح أن "كل مبلغ يصرف فوق 100 مليون دولار خاضع للمجلس المركزي ويبلغ إلى مفوض الحكومة وبعدها إلى وزير المال، لذا لا أحادية في الإنفاق"، مؤكداً أن "كل كلام غير ذلك هو تضليل وهو لتعزيز الحملة المبرمجة على الحاكم".

وفيما لفت إلى أن "المصرف المركزي ينشر أسبوعياً الكتل النقدية وينشر في الجريدة الرسمية حساباته"، أعلن أنه سلم شخصياً لرئيس الحكومة في 9 مارس (آذار) حسابات المصرف وحسابات التدقيق، ومصرف لبنان لديه شركتان دوليتان تدققان في حساباته وتصدران بياناتهما سنوياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع "مصرف لبنان لم يكلف الدولة اللبنانية ولا ليرة، بل كان يسجل أرباحاً ويحولها إلى الدولة اللبنانية وساهم بتخفيض دين الدولة في باريس 2 واستعملنا فروقات الذهب في مراحل معينة لإطفاء الدين".

أضاف "بالنسبة إلى تمويل الدولة، هناك قوانين وعلى مصرف لبنان أن يلتزم بها، مثلاً في موازنات السنوات الماضية على مصرف لبنان أن يعطي مداخيل، ولكن إذا عدنا إلى قانون النقد والتسليف، فإنه يقول إنه عند إصرار الحكومة، المصرف يمول. ونحن احترمنا قانون النقد والتسليف".

المصرف مول الدولة ولم يصرف هو الأموال

واعتبر أن المصرف المركزي ساهم "في تخفيض كلفة الدين العام بإقراض الدولة بفوائد متدنية، وفي الوقت عينه لدينا مهمات أخرى وهي تأمين تمويل القطاع العام بفوائد مقبولة، وهذا يولد خسائر لمصرف لبنان، إذا لم يمول البنك المركزي الدولة كيف كانت ستؤمن المعاشات؟ كيف تأتي بالكهرباء؟ نحن لم نمول وحدنا الدولة بل جزء منه، القطاع المصرفي مول، والمؤسسات مولت، ومؤتمرات باريس مولت الدولة.

اضطررنا إلى القيام بالهندسات المالية لكي يكسب لبنان الوقت، ولأنه كانت هناك وعود بالإصلاح، لكن هذه الوعود لم تترجم لأسباب سياسية".

وقال "المصرف المركزي مول الدولة لكنه لم يصرف هو الأموال، لذلك يجب أن نعرف من صرف هذه الأموال، وهناك مؤسسات دستورية وإدارية لديها مهمة الكشف عن كيفية الإنفاق"، مضيفاً "استطاع مصرف لبنان على الرغم من الصعوبات أن يحافظ على استقرار سعر الصرف حتى اليوم ويستفيد من ذلك اللبنانيون في عدة أمور".

واشار إلى أن "التخلف عن دفع مستحقات "يوروبوند" ومع فيروس كورونا، وعلى الرغم من ذلك بقي النظام يقف على رجليه. نحن نطمئن اللبنانيين ونؤكد أن الودائع موجودة وهي تستعمل".

وأكد الاستمرار بتمويل استيراد القمح والأدوية والفيول، ما يؤدي إلى استقرار الأسعار لخدمة اللبنانيين.

وقال "لم ولن نفلس المصارف وذلك من أجل المودعين، كما طلبنا منها زيادة رأس المال وكل المصارف التزمت وتحاول تنفيذ الأمر بسرعة".

المزيد من العالم العربي