Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخزون البترول في الجزائر يكفي لـ 27 عاما فقط

تحديات مركبة تتمثل في ارتفاع الاستهلاك الداخلي في ظل الحاجة إلى الاستمرار في التصدير أمام ضغوط تراجع الإنتاج

احتياطي الجزائر الحالي من النفط يبلغ 1340 مليون طن (رويترز)

أحدث تصريح لوزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب مفاده بأن "مخزون الجزائر من البترول يكفي لـ 27 عاماً فقط في حال الاستمرار على وتيرة الاستهلاك ذاتها"، صدمة لدى المواطنين، في ظل اعتماد كل الحكومات المتعاقبة على الثروة البترولية، لتحريك عجلة التنمية وضمان استمرارية الدولة بنسبة 95 في المئة، مقابل غياب أي جهود لاقتصاد قائم بذاته.

الصدمة

لم يتوقع أحد من الجزائريين ظهور وزير الطاقة في مثل هذا المناخ المشحون بالأخبار السلبية التي انعكست على الحالة الاجتماعية للمواطنين، فبعد صفعة السقوط الحر لأسعار النفط وخسارة أهم أسواق الغاز، وما ترتّب عن الأزمة الصحية بسبب جائحة كورونا.

خرج  المسؤول الحكومي للاعلان عن نضوب النفط الجزائري بعد 27 عاماً، ما فتح باب التساؤلات حول المغزى من هذه التصريحات في هذا التوقيت بالذات.

واستوقف حديث الوزير عرقاب عن مستقبل الثروة البترولية الشعب الجزائري في وقت تعيش البلاد مشكلات مترتبة عن سياسات فاشلة للنظام السابق أسست لاقتصاد هش مبني على الريع البترولي والاستيراد، تضاف إليها المعاناة التي أفرزتها جائحة كورونا.

 وورد في حواره للإذاعة الحكومية، أن "احتياطي الجزائر الحالي من النفط يبلغ 1340 مليون طن، ما يعادل 10 مليارات برميل، واحتياطي الغاز يقدر بـ 2368 مليار متر مكعب"، مضيفاً أن "الجزائر تمتلك 260 مليون طن من المكثفات أي ما يعادل 4.1 مليار طن من النفط"، واستدرك أن "البلاد تمتلك القدرة على فرض نفسها في سوق الطاقة العالمية".

تصريحات استباقية

يعتبر استاذ العلوم الاقتصادية في جامعة وهران  بوعلام بن عبدالله في حديث لـ "اندبندنت عربية"، أن تصريحات وزير الطاقة جاءت استباقية لما سيحصل خلال الأسابيع المقبلة، موضحاً أن الحكومة أمام مواجهة من الصعب الخروج منها بسلام، حيث أن الوضع الاجتماعي لا يبشر بالخير وستعرف البلاد بعض الاضطرابات بعد أزمة كورونا التي كشفت عن صعوبات تواجه الحكومة، مثل ملف تعويض التجار ومساعدة العمال البطالين، وتزويد الأسواق بالمواد الاستهلاكية.

ويضيف بن عبدالله أن حديث الوزير عرقاب ليس جديداً ولا مفاجئاً بالنسبة إلى الخبراء والاقتصاديين، "لكن توقيته غير مناسب على الرغم من أنه استباقي"، مشيراً إلى أن الصدمة التي أحدثتها معلومات الوزير مردها المشكلات الكثيرة التي يعانيها المواطن مع تدهور القدرة الشرائية وتوسع دائرة البطالة.

ويوضح أنه بالنظر لما جاء في برنامج الرئيس تبون وتعهداته في كل خطاباته بتأسيسه لاقتصاد مبني على أسس علمية بعيداً من الريع البترولي، يبطل المخاوف من المستقبل، وقد تكون تصريحات الوزير محفزة للانطلاق نحو آفاق اقتصادية جديدة.

تطمينات حكومية

وللتخفيف من تبعات التصريح، نفى الوزير بيع الجزائر لبترولها في الأسواق العالمية بأقل من كلفة الإنتاج، مؤكداً أن هذه الأخيرة لا تتعدى في المتوسط 14 دولاراً للبرميل الواحد، بينما تنخفض في حقول "حاسي مسعود" المصدر الأهم، إلى 5 دولارات للبرميل.

وقال إن "استئناف بعض البلدان على رأسها الصين للنشاطات ووسائل النقل، علامة جيدة لإحياء سوق النفط وارتفاع الأسعار"، متوقعاً أن تنتعش الأسعار بداية من شهر مايو (أيار)، مع دخول اتفاق تخفيض الإنتاج حيز التنفيذ، وبداية الرفع التدريجي للحجر في كثير من البلدان، بما يعيد الطلب على المواد الطاقوية إلى مستوياته العادية، وقد يصل إلى حدود 40 دولاراً في الثلاثي الثاني، ويتجاوز 50 دولاراً في السداسي الثاني من عام 2020.

وفي سياق متصل، يبرز عرقاب أن شركة "سوناطراك" النفطية الحكومية في وضع مريح ومن دون ديون داخلية ولا خارجية ومتمكنة من وسائل الانتاج ولديها أسطول بحري كبير، ما يجعلها في وضع جيد للتصدي لأزمة انهيار الأسعار.

ويضيف أن الجزائر استبقت الأزمة بتخفيض نفقات التسيير والاستثمار بـ8.3  مليار دولار، موضحاً أن البلاد تتجه إلى بناء نموذج طاقوي جديد يعتمد على الطاقات المتجددة.

العودة للاقتصاد المحلي المنتج

في السياق ذاته، أكد الخبير لدى البنك العالمي جمال شرفي، أن الجزائر في حاجة ماسة إلى خطة إنقاذ لامتصاص الصدمة الاقتصادية التي سببها انهيار أسعار النفط، من خلال استحداث صندوق لتسيير آثار هذه الصدمة ويُموّل بالاقتطاع من احتياطي الصرف ومساهمة الخواص، مبرزاً ضرورة التركيز ضمن هذه الخطة على الأمن الغذائي لارتباطاته بالأمن القومي ودعم المؤسسات الناشئة لإنقاذ مناصب الشغل مع احتواء القطاع الموازي.

واعتبر شرفي الإجراءات التي تقوم بها الحكومة مهمة، "لكنها تبقى من دون أثر، ما لم ترفق ببرنامج يمتد على المدى الطويل، لا سيما أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي كانت تخلق مناصب شغل باتت مهددة اليوم بسبب وباء كورونا"، إضافة إلى دعم أكبر لقطاع الفلاحة بخاصة شعبتي الحبوب والحليب اللتين تنفق الجزائر سنوياً من أجلهما ما يعادل 9 مليارات دولار.

بديل اقتصادي أو الانهيار

من جهته، يرى الصحافي المهتم بالشأن الاقتصادي سمير جلفاوي في حديث لـ"اندبندنت عربية"، أن الجزائر تواجه تحديات مركبة تتمثل في ارتفاع الاستهلاك الداخلي في ظل الحاجة إلى الاستمرار في التصدير أمام ضغوط تراجع الإنتاج منذ 2007"، مضيفاً أنه في حال استمرت هذه الوتيرة وعدم الإسراع في تنويع الاقتصاد وتنظيمه فإن الجزائر ستواجه مشكلات كبيرة، بخاصة عندما يقفز استهلاكها المحلي إلى مستويات قياسية، مقابل تراجع مداخليها من تصدير المحروقات.

وأرجع جلفاوي سبب الفشل في إقامة نموذج اقتصادي غير ريعي إلى قوة اللوبي الذي كان يفضل تصدير المحروقات الخام على حساب المدافعين عن فكرة إقامة صناعة محلية بالاستغلال الأمثل للنفط والغاز، موضحاً أن الجزائر فشلت في إقامة صناعة خارج المحروقات، لأنها كانت تصدر من أجل الاستهلاك فقط.