"اجتماع أبو ظبي" بين السراج وحفتر: تنازلات صغيرة متبادلة لكن لا تغيير جذرياً في المواقف

تنازل حفتر عن سقف التفاوض الذي كان يُفترض أن يضغط به على حكومة الوفاق، وفي المقابل تنازلت الأخيرة عن تعنتها في ما يخصّ الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات.

حفتر مصافحاً السراج ويتوسطهما رئيس الوزراء الإيطالي جيوسيبي كونتي (صفحة المكتب الإعلامي للسراج على فيسبوك)

كان اجتماع أبو ظبي الذي جمع قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج مخيباً لتوقعات كثيرين، إذ لم يكن موازياً بتفاصيله للتطورات العسكرية الكبيرة على الأرض، إذ إن هذا اللقاء هو الأول من نوعه بعدما تمكّن حفتر من بسط سيطرته على مناطق الجنوب الليبي بما فيها الحقول النفطية.

موقف "الوفاق" ضعيف عسكرياً وقويّ تفاوضياً

كما أنه اللقاء الأول بعد فشل كل تدابير حكومة الوفاق في عرقلة تقدم قوات حفتر جنوباً، وعجزها عن حشد رأي عام دوليّ مناهض له. وبذلك كان موقف حفتر قوياً، وتوقع متابعون أن تُترجم هذه القوة في مفاوضات أبو ظبي، بحيث يستطيع قائد الجيش الوطني فرض مسار معيّن للمفاوضات، ورفع سقف مطالبه وزيادة الضغط

على حكومة الوفاق التي أتت وهي لا تملك على الأرض إلا سيطرةً هشة على مدن ومناطق محددة في غرب البلاد واعترافاً دولياً لا يغنيها عن شيء.

بقاء المجلس الرئاسي... مفاوضات كالعادة

لكن المفاوضات سارت في شكل لا يختلف كثيراً عن الجولات السابقة في إيطاليا وباريس، إذ بقي الحديث كما هو، يدور حول بقاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق مع تغيير عدد أعضائه، وبقاء السراج داخل هذا الجسم. كما تداولت الأطراف مسألة تسمية حفتر أحد أعضاء "الرئاسي" شرط أن تُتخذ قراراته بالإجماع بين أعضائه الثلاثة، وهم ممثل عن كل إقليم (جنوب البلاد وشرقها وغربها). واستمر التفاوض حول تشكيل مجلس أمن قومي تُناط به مهمة القائد الأعلى للجيش الليبي، يتكوّن من حفتر والسراج ووزير الدفاع ورئيس الوزراء. واشتُرط ألا يكون لهذا المجلس رئيساً، وأن يتخذ قراراته بالإجماع. وتداولت أطراف التفاوض، بحضور مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة مسألة إعادة تشكيل حكومة الوفاق الوطني، مع مراعاة تأجيل النظر في إجراء انتخابات عامة وفق قاعدة دستورية إلى مرحلة مقبلة، من دون تحديد جدول زمني لهذه الانتخابات.

التزام الطرفين بالانتخابات العامة

كل تلك المداولات حظيت باهتمام المتابعين لهذا اللقاء، الذي تمخّض عنه التزام الطرفين بإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام 2019 الحالي. وستكون هذه الانتخابات سابقة للاستفتاء على الدستور. ولعل هذا الاتفاق كان في مصلحة حفتر الذي يرفض وفريقه إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات، إذ يرى أن الدستور فُصِّل كي يمنع قيادات عسكرية، من بينها حفتر، من الترشح للانتخابات، وبالتالي إبعاده عن الحياة السياسية، التي يسعى إلى أن يكون أحد شخصياتها الفاعلة.

ونشرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عبر حسابها على "تويتر" بياناً مقتضباً عن نتائج "لقاء أبو ظبي"، أهم ما جاء فيه كان اتفاق الطرفين على ضمان إجراء الانتخابات العامة قبل نهاية العام الحالي، ولكن لم يُعْرف نوع الانتخابات المتفق على إجرائها، هل هي رئاسية أم برلمانية. كما لم يُعْرف موقف البرلمان (يرأسه عقيلة صالح) من هذا الاتفاق الغامض، وموقف المجلس الأعلى للدولة الذي يسيطر عليه "الإخوان المسلمون" منه.

سيطرة الجيش على الجنوب لم تكتمل بعد

ويعيدنا كل هذا إلى التساؤل ذاته حول كيفية إدارة التفاوض بين هذه الأطراف، وأسباب عدم انعكاس انتصارات حفتر في الجنوب على موقفه في هذه المفاوضات. وبالعودة إلى الجنوب الليبي، نجد أن قوات حفتر سيطرت فعلاً على أوباري ووادي عتبة وغات ومرزق والقطرون وأم الأرانب فضلاً عن مدينة سبها عاصمة الإقليم. ولكن هذه السيطرة ليست كاملة، ففي مدن أم الأرانب وأوباري والقطرون دخلت القوات المسلحة بعد اتفاق مع الكتائب المحلية، صاحبة السيطرة الفعلية في هذه المناطق، والتي أذعن معظمها، ورأت أن دخول الجيش سلمياً إلى مناطقهم وبالاتفاق معهم سيوفر لها "شرعنةً" تحتاجها. ويتّضح ذلك، إذا ما علمنا أن قوات الجيش خرجت فعلاً من بعض المدن عائدةً إلى سبها بعدما اتفقت على إعادة نشر الكتائب المحلية فيها.

كما أن بعض الأطراف المناوئة لحفتر، لا تزال تشنّ عمليات انتقامية في مرزق وغيرها، على الرغم من محدوديتها وعدم تأثيرها في الوضع العام، لكنها أربكت مشهد المدينة بعض الشيء وبثّت إحساساً بعدم الأمان التام، فضلاً عمّا يُتداوَل حول عودة الجيش الوطني إلى مراكزه الأساسية بعد نجاحه في تأمين الجنوب وتسليم العمليات الميدانية إلى قوات من الجنوب، ما قد يفتح الباب أمام حروب محلية قد تكون أكثر شراسةً من سابقاتها. وانعكست هذه السيطرة غير المكتملة في شكل أو آخر على سقف المفاوضات في أبو ظبي.

الوفاق تحاول إرباك الجيش جنوباً

في المقابل، لن تقف حكومة الوفاق الوطني مكتوفة الأيدي أمام هذه الأحداث، وستسعى إلى استثمار الخلل في الجنوب لتُضعِفَ من حجم "الانتصار" الذي يشعر به الجيش ومناصروه. كما إنها قد تدفع في اتجاه خلق حالة من الفوضى بين المكونات الاجتماعية التي انقسمت بين مؤيّدة لوجود الجيش الوطني ومعارضة له. كما أن البقاء في مدن الصحراء مدة طويلة سيكون صعباً على قوات حفتر إذا لم تتمكّن من خلق وئام اجتماعي مكتمل بين سكانه.

تنازلات للمصالحة أم كسب للوقت؟

تنازل حفتر في مفاوضات أبو ظبي عن سقف التفاوض الذي كان يُفترض أن يضغط به على حكومة الوفاق؛ وفي المقابل تنازلت الأخيرة عن تعنتها في ما يخص الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات. وعاد الطرفان إلى معسكرهما ولم يصدر عنهما أي بيان تفصيلي لما دار في أبو ظبي. واكتفى المتابعون بمتابعة وتحليل واستقراء ما صدر عن بعثة الأمم المتحدة بخصوص هذا اللقاء. وعادت قوات الجيش في الجنوب إلى مواصلة تقدمها في مختلف المدن والمناطق في شكل شبه سلمي، بينما استأنفت حكومة الوفاق نشاطها في ما يخصّ تقوية نفوذها وتعزيزه في مناطق سيطرتها.

المزيد من العالم العربي