حق مساواة المرأة مع الرجل بالشرق الأوسط... الشعار للجميع

النساء أوتاد الخيمة العربية... والأرقام تعكس أحوالهن البائسة في الحقوق

ثماني وزيرات في حكومة واحدة. (الموقع الرسمي لمجلس الوزراء المصري)

مَنْ غير النساء أقدر وأجدر على لعب دور الحلقة الأضعف في المجتمعات، لا سيما تلك المقبلة على تغيرات أو تحولات؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مصر حين صعدت جماعة الإخوان، ومعها أبناء العمومة من جماعات الإسلام السياسي تم الدفع بحجة أن نزول النساء لسوق العمل تسبب في ارتفاع البطالة بين الرجال. وفي سوريا حين توغلت وسيطرت الجماعات المسلحة الملتحفة بالدين، تعرضت النساء للاغتصاب والسبي والتهجير. وفي اليمن تدفع المرأة أضعاف الحرب الدائرة هناك حيث القيود الاجتماعية تمنعها من التنقل أو تدبر أمورها، بالإضافة إلى الوضع الأمني بالغ الصعوبة والخطورة، رغم إنها الوتد الوحيد للأسرة.

المرأة العربية... حقوق وواجبات 

وبين الوتد والنكد خط رفيع وفجوة سحيقة. عن الفجوة تدور نتائج تقرير "النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" الصادر قبل أيام عن "الباروميتر العربي" تحت عنوان "الفجوة بين الحقوق والأدوار". سبع دول عربية شملها البحث الميداني هي: مصر ولبنان والأردن وفلسطين والمغرب والجزائر وتونس.

و"الباروميتر العربي"، شبكة بحثية مستقلة، مقرها الولايات المتحدة الأميركية، ومعنية بتقديم دراسات وتقارير عن الاتجاهات والقيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم العربي.

غالبية من سُئلوا عن آرائهم ومواقفهم من المرأة وحقوقها قالوا "يجب أن تتمتع المرأة بحقوقها كاملة"، وجاءت النسب المئوية معبرة جدا، فالنسبة الأعلى جاءت من نصيب حق المرأة في التعليم، حيث قال 84 في المئة أن من حق المرأة أن تعمل، لكن 74 في المئة فقط قالوا إن من حقها أن تتعلم، وهو ما يعني أن الحاجة لو تطلبت عمل المرأة فلتعمل، أم تعليمها فما زال موضعاً للتفكير، وتهبط النسبة تدريجيا إذا ما تعلق الأمر بعمل المرأة في المناصب السياسية، حيث بلغت نسبة الموافقين 62 في المئة.

ورغم أن الغالبية في تلك الدول العربية تقول إنها تؤمن بحق المرأة في التعليم، فإنها كلما زادت درجة المرأة العلمية، كالحصول على شهادة جامعية مثلا، تبدأ العوامل الاجتماعية والثقافية المعادية لحقوق النساء في التبلور بشكل أوضح. فـ25 في المئة من الجزائريين يرون أن التعليم الجامعي أهم للذكور من الإناث، ويليهم الفلسطينيون بنسبة (19 في المئة)، والأردنيون بـ(18 في المئة)، ثم المصريون (15 في المئة)، ثم المغاربة (12 في المئة)، والتونسيون (11 في المئة)، وأخيراً يأتي اللبنانيون على رأس الدول العربية السبع المؤيدة لحق المرأة في التعليم الجامعي شأنها شأن الرجال بنسبة ثمانية في المئة فقط مرجحة لأهمية التعليم الجامعي للرجال أكثر من النساء. وبالطبع فإن النساء أقل تأييداً لأفضلية الرجال عليهن في الحصول على التعليم الجامعي.

حق المرأة في العمل

ومن التعليم إلى العمل، نجد الغالبية تميل أكثر للمحافظة وتفضيل انزواء النساء بعيدًا عن أنظار الشارع وأماكن العمل.

 ورغم أن ثمانية بين كل عشرة أشخاص في هذه الدول العربية يقولون إن من حق "المرأة المتزوجة" أن تعمل خارج البيت (أكثر الدول قبولاً للمبدأ لبنان بمعدل 90 في المئة وأقلها الجزائر (71 في المئة)، فإن نوعية العمل تفرض نفسها بشكل واضح. ويبدو أن الغالبية، لاسيما من الرجال لا ترى المرأة خارج منظومات عمل بعينها لا مجال فيها للبزوغ أو التفرد.

المرأة والمنصب السياسي

تفرد المرأة بالمناصب السياسية أمر مازال يستدعي نفساً عميقاً وتفكيراً دقيقاً ومن ثم تحفظاً أكيداً. "هل الرجل أفضل من المرأة في تقلد المناصب السياسية؟، "تأتي الإجابات متوقعة: المؤيدون لأفضلية الرجل يتراوحون بين 81 في المئة في الجزائر، و79 في المئة في مصر، و74 في المئة في الأردن، و71 في المئة في فلسطين، و56 في المئة في المغرب، وو55 في المئة في تونس، و52 في المئة في لبنان.

العجيب أنه في لبنان حيث الاستعداد الشعبي الأوفر لتقلد المرأة مناصب سياسية، تبلغ نسبة النساء المهتمات بالسياسة 16 في المئة فقط، مقارنة بـ40 في المئة من الرجال!

التناقض

الكاتبة الصحافية اللبنانية بيسان الشيخ تقول لـ"إندبندنت عربية": "علينا أن نقر أننا كمجتمعات عربية نعاني تناقضاً وازدواجية كبيرة، بين ما نقوله أو نظن أنه قناعة راسخة لدينا، وبين ممارساتنا لهذه القناعات وقبولنا بتطبيقها عندما يتم اخبتارها عملياً، سواء على الصعيد الفردي الخاص أو على المستوى العام. وهذا التناقض جزء من السياق العام". 

وتمضي قائلة: "طبعاً نحن نؤيد صوتياً المساواة في الفرص بين الرجل والمرأة، لكننا فعلياً وعند التطبيق يحضر المخزون الثقافي- الاجتماعي المترسخ فينا، الذي يعيد المرأة الى أدوارها التقليدية، ويضع الرجل في مواقع القرار".

وتشير الشيخ إلى أن اللافت أن هذا التناقض لا يلحظه المتناقضون أنفسهم. وهي ترى أن فرص التعليم المساوية لا تعني بالضرورة فرص الوصول إلى مواقع العمل نفسها، وإنما هي أداة أفضل وأكثر حداثة لتنشأة الأسرة، وهو ما تصفه بـ"المزيد من الفصل الجندري للأدوار وفق المنظومة التقليدية".

وترى أن الفصل نفسه موجود في فرص العمل، فـ"القبول بدخول المرأة سوق العمل لا يعني بالضرورة تبوؤها مناصب عليا، وإنما هو إعانة إضافية لدخل العائلة، تماماً كما كان الحال في المجتمعات الزراعية حيث المرأة عاملة فعلياً، ولكن قرارات استثمار الأرض وبيعها مثلاً ليست من ضمن صلاحياتها". 

وتستحضر بيسان الشيخ مثالاً من بلدها لبنان، إذ تم تعيين سيدة في منصب وزيرة داخلية. تقول: "الترحيب الصادق طبعاً كان حاضراً، ولكنه اقتصر أيضاً على شرائح قليلة ونخبوية من المجتمع. أما ردود الفعل بشكل عام، سواء العلنية أو التي تُحكى في المجالس الخاصة تميل الى أن "ضرورات المرحلة" كانت تقتضي أن يتبوأ المنصب "رجلاً محنكاً في السياسة". فكيف لامرأة قادمة من عالم الاقتصاد أن تدير وزارة بهذا الثقل في بلد متنازع سياسياً ومهدد أمنياً؟"

تجيب الشيخ على تساؤلها بقولها: "بالطبع هؤلاء لا يقرون. إنهم يميزون ضد الوزيرة بصفتها امرأة. فهم يعترفون لها بكفاءاتها" (كثر خيرهم)، ولكن يتذرعون بضرورات المرحلة ووضع البلد، وكأنه لتصل المرأة إلى موقع قرار نافذ وحساس يجب توفير الظروف المثالية لها، طبعاً من قبل الرجل".

المساواة في الجزائر ليست بخير

الرجال في الجزائر هم أكثر رجال الدول العربية السبع رفضاً للمساواة بين الجنسين. ورداً على سؤال حول إذا ما كانت المرأة تصلح لتكون رئيسة للوزراء أو رئيسة للدولة، قال 11 في المئة فقط من الرجال في الجزائر إنها تصلح. ومرة أخرى، يأتي لبنان على رأس الدول السبع الفاتحة ذراعيها للمرأة حيث قال 73 في المئة من الرجال اللبنانيين إنها تصلح، في حين قالت 80 في المئة من النساء اللبنانيات إنهن يصلحن.

الغريب أن نسب النساء العربيات اللاتي يرين إنهن لا يصلحن لتقلد مناصب سياسية كبرى يطرح العديد من علامات الاستفهام. تتراوح نسب النساء اللاتي يؤمن إنهن غير قادرات على تقلد هذه المناصب بين 50 و30 في المئة، وهو ما يستدعي البحث والتدقيق في الأسباب والعوامل.

الكاتبة الصحافية الأردنية إيناس سويس تقول لـ"إندبندنت عربية" إن المرأة العربية قادرة على تقلد أي منصب، والقيام بأي مهمة توكل إليها. وتتساءل مستنكرة: "هل السياسي أكثر أهمية من القاضي؟ هل تستطيع المرأة أن تعمل في القضاء لكنها لا تستطيع أن تعمل في السياسة؟" وتصف التناقض في مواقف الكثيرين من العرب فيما يتعلق بدور المرأة ومكانتها وحقوقها بأنه "رغبات دفينة لاستبعاد المرأة عن هذا المجال ليخلو الجو للرجال".

وتمضي في تساؤلاتها المستنكرة: "هل الرجال المشتغلون بالسياسة كلهم رجال سياسة ورجال دولة حقيقيون؟ ما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة من حيث القصور أو النجاح. وإذا انتسبت المرأة للسياسة منذ الصغر، فهي تبدع في العمل السياسة والقيادة الحزبية".

لكن يبدو أن السياسة باتت قوة طاردة، ولم تعد مجالاً يحظى باهتمام الجميع في العالم العربي. الأسباب والعوامل التي دفعت العرب عموماً في الدول السبع للقول إنهم غير مهتمين بالسياسة، لا سيما في السنوات القليلة الماضية يمكن تفسيرها في ضوء مجريات السياسة والأمن في المنطقة منذ هبوب الرياح "الربيعية" في عام 2011. نسب المهتمين بالسياسة، سواء بين الرجال أو النساء، لم تتعد الخمسين في المئة في أكثر الدول اهتماماً بالسياسة ألا وهي: فلسطين وتونس ولبنان.

المساواة.. مفهوم ملتبس

الكاتبة المصرية عفاف السيد ترى أن مفهوم المساواة لدى كل من الرجال والنساء ملتبس. "المساواة لدى الأغلبية مساواة مادية حيث المال والأكل والشرب وغيرها. إنها المساواة المقتصرة على تفاصيل الحياة اليومية. ويفسر ذلك إجابة الغالبية بأنها تدعم المساواة بين الرجال والنساء وتؤمن بها، لكن حين يتعلق الأمر بالمناصب السياسية الكبرى وصولاً إلى منصبي رئيس الوزراء ورئيس الدولة، تأتي الإجابة سريعة: لا، لا تصلح المرأة لهذه المناصب لأنها ناقصة عقل ودين، وهو المفهوم الاجتماعي الذي يرتدي حالياً عباءة الدين".

وتشير السيد إلى أنها لم تفاجأ بأن النساء أنفسهن يقفن في مواجهة أنفسهن وحقوقهن ومكانتهن، موضحة أن نساء كثيرات يفكرن بمنظور ذكوري خالص. هن يعدن إنتاج واقعهن الغارق في الثقافة الذكورية التي ارتدت عباءة التدين في العقود القليلة الماضية.

توضح السيد أنه حتى المثقفين ومن يرفعون راية حقوق النساء أحياناً يكون مفهوم المساواة أيضًا ملتبساً لديهم. "تظل المرأة في نظر الكثيرين – بمن فيهم التنويريون المثقفون – كائناً أقل وفي حاجة دائمة إلى من يفكر له، ولذلك لن تصلح لأن تقود".

لكن في نفق التعريفات المظلم، تطل نقطة ضوء فيما يختص بالنساء ومواقفهن لا سيما في سنوات ما بعد ثورات "الربيع" العربي. تقول السيد إن وضع المرأة في مصر مثلاً تغير كثيرًا. "فبين عامي 2011 و2013 تردى وضع المرأة المصرية كثيراً، ليس فقط على مستوى الضلوع في السياسة، ولكن حدثت ردة عنيفة لوضع المرأة بسبب جماعة الإخوان المسلمين ومثيلاتها. وللأسف أن الكثيرين من الأفراد العاديين اعتنقوا هذه الأفكار الرجعية.

تتابع السيد: لكن حدثت طفرة حقيقية منذ عام 2014 حتى الوقت الحالي فيما يختص بوضع المرأة المصرية، ليس فقط على مستوى إيمان القيادة السياسية بمكانة المرأة وقدرتها على تقلد المناصب السياسية القيادية، ولكن في وعي النساء أنفسهن بمكانتهن. كما أن وجود وزيرات كثيرات وغيرهن في مواقع قيادية أدى إلى تغير أفكار العامة تجاه وجود المرأة في منصب قيادي بعد ما لمسوا بأنفسهم قدرتها على الأداء".

لكن واضعي التقرير يشيرون إلى أن الاهتمام بالسياسة بشكل عام تراجع بشكل ملحوظ في الدول العربية السبع، ويشيرالرسم البياني الموضح للاهتمام بالسياسة بين عامي 2006 و2016 إلى زيادة طفيفة في الاهتمام بالسياسة بين النساء والرجال في عام 2013، ثم حدوث انخفاض مباغت بعدها ليصل إلى أدنى حد في السنوات القليلة الماضية.

لكن السنوات القليلة الماضية والكثيرة التي قبلها وتلك التي ستليها على الأرجح، لم تغير كثيراً من مفاهيم العرب تجاه القرارات الأسرية. من يتخذ القرارات النهائية والمصيرية للأسرة؟ 60 في المئة قالوا أنه الرجل ولا أحد سواه من بيده القرار. وبين كل 20 مؤيداً لهذا الاتجاه، 11 رجلاً وتسع نساء، ما يعني أن نسبة كبيرة من النساء أنفسهن يتمسكن بمكانة الرجل الفوقية.

السنوات القليلة الماضية تشير إلى أن الكثير يحدث داخل المجتمعات العربية. فالمجتمعات "المحافظة" عبر عقود تاريخية مضت، والتي ظلت تنظر إلى المرأة باعتبارها كيانات آدمية تختلف عن غيرها من الكائنات، تارة باسم الفروق البيولوجية، وأخرى تحت مسمى فروق نفسية، وثالثة متخذة من الدين وتفسيرات بعينها مدخلاً لتحريم المساواة وتكفير الارتقاء تمر بتغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبرى.

المزيد من الأخبار