Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لهذا السبب هبطت أسعار النفط إلى ما دون الصفر

وصل سعر الجزء المرجعي فيه إلى 37.47 دولار تحت الصفر بعد تقهقر الطلب بسبب كورونا

اصطدم سعر برميل النفط بالقعر الأدنى تاريخياً ثم عاود الارتداد تدريجاً (أ.ب)

هبطت أسعار النفط الأميركي إلى ما دون الصفر للمرة الأولى على الإطلاق الاثنين الماضي، في مؤشر إلى استعداد المنتجين لدفع المال إلى المشترين ليخلّصوهم مما لديهم من الخام.

فقد انخفض سعر النفط المرجعي الأميركي الذي يحظى بالمتابعة الأكبر [من قِبَل الأسواق] إلى مستوى متدنٍ يساوي 40 دولاراً تحت الصفر للبرميل، لكن، كيف أمكن لهذا أن يحدث، والأهم من ذلك، لماذا حدث؟

ماذا حدث؟

سجّل السعر المرجعي للنفط الأميركي هبوطاً أكبر وأسرع بالمقارنة مع أي وقت مضى في التاريخ، في تفاعل مع جائحة فيروس كورونا.

وبلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط أكثر من 50 دولاراً للبرميل قبل تفشّي الجائحة، لكنه انخفض بشكل كبير مع تراجع الطلب العالمي على النفط بمقدار الثلث.

لماذا؟

لقد أُلغِيت الرحلات الجوية ويقبع الناس في منازلهم وأُغلِقت قطاعات اقتصادية عدّة تستخدم الطاقة بشكل كبير، ويعني هذا كله تراجعاً للطلب على النفط.

ومن ناحية أخرى، لم ينخفض المعروض من النفط بالسرعة ذاتها. وفي وقت سابق من هذا الشهر، وافقت البلدان المنتجة للنفط على تخفيض الإنتاج العالمي بشكل جماعي بمقدار غير مسبوق يساوي 10 ملايين برميل يومياً، أو نحو 10 في المئة.

لكن الطلب انخفض بنحو 30 مليون برميل يومياً أو أكثر، ما يعني أن ثمة نفطاً أكثر بكثير ممّا يحتاج إليه العالم.

لكن لا بد للنفط من أن يساوي شيئاً، فما الذي قد يدفع أي شخص ليقدم مالاً للتخلص من النفط؟

على الرغم من انخفاض الطلب، ظلّ العرض مرتفعاً. ولا يمكن إغلاق آبار النفط وفتحها ببساطة كأنها صنبور للمياه. ويعود السبب إلى أن إقفالها يكلّف مالاً، وتكلّف إعادة تشغيلها مالاً أكثر. لذا، يكون لدى منتجي النفط حافزاً للحفاظ على تدفّق الإنتاج، حتى لو عملوا بخسارة، وفي الظروف القصوى يدفعون في واقع الأمر للأفراد ليخلّصوهم ممّا لديهم من الخام.

وكثيراً ما يُوصَف النفط بأنه موجود في "احتياطات" أو "تجمعات"، ما يعطي انطباعاً مضلّلاً بأنه يقبع في حفر غائرة تحت الأرض تنتظر ببساطة تحديد موقعها والاستخراج منها.

وفي الحقيقة، يُعثَر على الرواسب النفطية في غالبية الأحيان مشبّعة في الثقوب الصغيرة للصخور المسامية. ويجب الضغط باستمرار لإرغام النفط على الخروج من البئر. ويكون ذلك سهلاً في الأغلب في البداية عندما تُحفَر البئر لأنّ الضغط قد يكون عالياً بشكل طبيعي، ما ينتج منه ذلك النوع من الاندفاع الذي كثيراً ما تصوّره هوليوود.

لكن مع نضج البئر، يصبح من الصعب، بالتالي من المكلف على نحو متزايد، توليد الضغط المطلوب واستخراج النفط. ويستغرق بدء العملية مجدداً، أو حفر آبار جديدة، وقتاً ويرتب تكلفة إضافية.

البنية التحتية للنفط

والأهم من ذلك أن النفط بمجرد إخراجه من الأرض، لا يتسنى التخلص منه ببساطة خارج البئر. بل يجب وضعه من ضمن بنية تحتية، على غرار خطوط الأنابيب والناقلات ومصافي التكرير ومرافق التخزين. ولأن الطلب انخفض بسرعة في حين تراجع الإنتاج بوتيرة أبطأ بكثير، امتلأت تلك البنية التحتية بسرعة.

ويتوفر للمنتجين من الآبار البحرية أو البرية القريبة من البحر خيار ملء ناقلات النفط المتنقلة التي تتمتع بقدرة استيعابية كبيرة. في المقابل، هذا الخيار غير متاح للمنتجين في المناطق الداخلية، بمن فيهم عدد كبير من المنتجين في الولايات المتحدة، ويعني ذلك أن البنية التحتية لخطوط الأنابيب ومرافق التخزين تمتلئ بسرعة.

ويفسر ذلك إلى حد كبير السبب وراء وجود اختلافات كبيرة كهذه بين أسعار النفط في الولايات المتحدة، مثل خام "غرب تكساس الوسيط"، وغيره من أنواع النفط المرجعية مثل خام "برنت" الذي يُعَدُّ السعر العالمي الذي يحظى بأكبر متابعة. وانخفض خام "برنت" إلى أقل من 18 دولاراً الثلاثاء الماضي، لكنه ظل أعلى سعراً من خام "غرب تكساس الوسيط"، إذ استمر وجود قدرة على تخزينه.

وعلى النقيض من هذا، في المركز الرئيس لتخزين النفط وتسليمه في الولايات المتحدة حيث تُسلَّم السلعة فعليّاً لتسوية كل العقود المتداولة في البورصات، قفزت الإمدادات بنسبة 48 في المئة إلى 55 مليون برميل من النفط منذ نهاية فبراير (شباط)، وفق وكالة بلومبرغ. وبهذا المعدل، سيمتلئ المرفق، الواقع في كوشينغ بولاية أوكلاهوما، في غضون أسابيع، ما يعني أن النفط المُنتَج في عددٍ كبيرٍ من آبار الولايات المتحدة، لن يجد مكاناً يُخزَّن فيه.

سوق النفط

وبعيداً من الخصائص المادية للنفط، حدث اهتزاز في الأسواق، دفع الأسعار إلى ما دون الصفر، إذ يُتداوَل بالنفط في الغالب بعقود آجلة. وتشكّل العقود الآجلة اتفاقات بين طرفين، يوافق فيها أحدهما على دفع سعر محدّد للآخر لقاء عدد معين من البراميل التي يجب تسليمها في يوم معين أو على بيع كمية معينة بسعر محدّد في يوم معين.

ومن شأن ذلك أن يسمح للشركات بأن تعتمد على سعر محدّد وتتحوّط من تعرّضها إلى التقلّبات (وإلى المضاربين الساعين إلى كسب المال). لكن مع هبوط الأسعار وامتلاء مرافق التخزين، لم يعد أحد في السوق يرغب فعليّاً في المخاطرة بأن يشتري نفطاً في حين قد لا يتوفر مكان لتخزينه.

وشكّل الثلاثاء الماضي موعداً نهائياً لتداول العقود الآجلة التي تنصّ على تسليم نفط مايو (آيار). وبحلول الوقت المطلوب فيه التسليم المادي وفق تلك العقود، كان من المرجح امتلاء مرافق التخزين، فدبّ الذعر لدى بعض التجار وانهارت الأسعار إلى ما دون الصفر. ولربما تمثّل الأمر الأكثر أهمية في أنّ أسعار العقود الآجلة ليونيو (حزيران) ويوليو (تموز) تنهار أيضاً، ما يشير إلى أن الأسواق لا ترى تحسناً في الموقف في وقت قريب.

هل يعني ذلك بنزيناً أرخص؟

انخفضت الأسعار في محطات الوقود في المملكة المتحدة حوالى 11 بنساً لليتر خلال الشهر الماضي، بحسب الأرقام التي نشرتها "جمعية السيارات" خلال عطلة نهاية الأسبوع، لكن المنظمة أفادت بأن المحطات لا تخفّض أسعارها بالسرعة الكافية.

ومن المتوقع حدوث مزيد من الهبوط في الأسعار، لكن نظراً إلى تقليل غالبية الناس تنقلاتهم، من غير المرجح أن يشعروا بمنافعه بشكل كبير.

ما هي الآثار الأبعد أجلاً؟

بالنسبة إلى صناعة النفط في الولايات المتحدة، تبدو التوقعات قاتمة مع ترجيح انهيار عشرات الشركات، ولا سيما شركات التصديع المائي المستقلة (تعمل في استخراج النفط الصخري)، في الأشهر المقبلة.

ويبدو أن موقع الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الرائدة في إنتاج النفط على مستوى العالم قد انتهى، وهو موقع تبوأته في 2018. وإذا كان المنتجون الأميركيون، كما يتوقع بعض المحللين، يعانون في السعي إلى التعافي بسرعة، فإنّ من شأن ذلك أن يخلّف عواقب جيوسياسية، إذ قد لا يرغب الأميركيون في الاعتماد مرة أخرى على واردات النفط من الشرق الأوسط وروسيا. وألمح دونالد ترمب إلى أنه قد يتدخّل لمساندة منتجي النفط في الولايات المتحدة، عبر دعم مالي أو فرض تعرفات على واردات النفط.

ويواجه منتجو النفط في روسيا مسائل مماثلة كنظرائهم في الولايات المتحدة، ما قد يتسبّب بمشاكل كبيرة لموسكو التي تعتمد على عوائد الوقود الأحفوري.

تغير المناخ

ويكون النفط الرخيص عادة مضرّاً بالمناخ، لأننا نستخدم مزيداً منه. لكن بعض المحللين يتوقعون أن يتسبّب الوضع الحالي بأضرار بعيدة الأجل لقدرة صناعة النفط التي ستعاني في سعيها إلى التعافي منها.

وقد تتردّد المصارف والمستثمرون في ضخ المبالغ الضخمة المطلوبة لإعادة تشغيل مشاريع الوقود الأحفوري الضخمة، في وقت تبرز ضغوط من أجل إزالة الكربون من إمدادات الطاقة.

وتوقع "غولدمان ساكس" انتعاشاً اقتصادياً على شكل الحرف V (بمعنى هبوط حاد يتبعه صعود سريع)، في حين يهبط إنتاج النفط بشكل دائم على شكل الحرف L (هبوط قوي يتبعه استقرار عند مستوى منخفض).

واستطراداً، تعني تلك المعطيات أن الطلب على النفط سيتجاوز العرض في العام المقبل، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات عالية جداً، وقد يتسبّب بزيادة نسبيّة في جاذبية مصادر الطاقة المتجددة.

© The Independent