Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البشر يختنقون والأرض تتنفس في عيدها

الاحتفال الـ50 يأتي في ظل هجمة شرسة لفيروس تركيبته مجهولة وتطوراته اليومية مفاجئة

الاحتفال الخمسون بيوم الأرض هذا العام ليس كأي احتفال مضى (أ.ف.ب)

ليس هناك اليوم مَنْ هو أوفر تأملاً وأعمق تفكُراً فيما جرى فيه وألم به وطاله في زمن "كورونا" أكثر منه. يطل برأسه فلا يكاد يتعرف على جسده. ما كان يئن منه حتى الأمس القريب صار أوفر صحة، وما كان يهيأ له أنه في أتم حال وأفضل جاه فوجئ به يترنح وينهار ويوشك على الضياع. ولولا بقايا خجل وقليل من ماء الوجه المتبقي لنظر لنفسه في مرآة الكون وتساءل كما تساءل الفنان عبد الباسط حمودة قبل سنوات "بصيت لروحي فجأة، لقيتني كبرت فجأة، تعبت من المفاجأة ونزلت دمعتي. قوليلي إيه يا مرايتي! قولي لي إيه حكايتي؟ تكونش دي نهايتي وآخر قصتي؟ يا دنيا طفيتي شمعتي".

 

سخرية القدر جعلت كوكب الأرض في يوم عيده يقف باكياً على حاله ناعياً أوضاعه يعتريه شوق عارم للأمس القريب وقت كان سكانه يطفئون أضواء مبانيهم الحيوية ويشعلون شموعاً لتوثيق أفضاله عليهم وينظمون المسيرات للهتاف والنضال من أجل قضاياه البيئية وإنقاذاً لمكشلاته المصيرية.

الاحتفال رقم 50

مصير الاحتفال رقم 50 بيوم الأرض هذا العام ليس كأي احتفال مضى، وعلى الأغلب لن يكون هناك شبيه له مقبل. يقبل يوم الأرض يوم 22 الحالي وسكانها البالغ عددهم 7.6 مليار شخص يجاهدون من أجل الحفاظ على مسافة تباعد جسدي معقولة وتعقيم أنفسهم وبيوتهم وأحبابهم أملاً في الوقاية من مخاطر فيروس ما زالت تركيبته النهائية مجهولة وتطوراته اليومية مفاجئة ونتائج هجمته الشرسة على الكوكب وسكانه في علم الغيب. 

غيب فيروس كورونا  المستجد أو "كوفيد-2019" الاحتفاء بيوم الأرض كما لم يحدث من قبل. قيود التباعد الاجتماعي، وقواعد العزل المنزلي وحظر التحركات والإغلاق المتأرجح بين الكامل والجزئي والإجباري والاختياري أفرغت الأماكن العامة من ملايينها النشطة التي باتت معتادة في مثل هذا اليوم. حتى شعارات السنوات الماضية "بيئة خالية من التلوث"، و"يوم الأرض كل يوم"، و"إنها الأرض الوحيدة لدينا"، و"نظفوا الكوكب، إنه البيت الوحيد الذي نملكه"، وغيرها صارت بلا معنى.

كوكب جديد

المعنى الحقيقي ليوم الأرض، الموافق 22 أبريل (نيسان)، هذا العام 2020 هو أن الكوكب كما كنا نعرفه ونعيش عليه ونخرِّب فيه تارة ونحافظ عليه تارة أخرى لم يعد هو الكوكب ذاته بفعل أزمة كورونا.

الملايين التي كانت تخرج إلى الأماكن العامة للتوعية بالمخاطر البيئية والمطالبة بقدر أكبر من المسؤولية السياسية والمجتمعية للحفاظ على الكوكب، وتلك الملايين الأخرى المتقاعسة أو غير المتفاعلة والمُعتبِرة القضايا البيئية رفاهية لا تقوى عليها أو أولوية لا تجد لها موطئاً وسط تزاحم أولويات البقاء على قيد الحياة، تساوى جميعها أمام هجمة الفيروس الشنعاء على الكوكب من دون استثناءات تُذكر.

العيد القومي للأرض

وعلى ذكر الاستثناءات، فإن الزيارة الاستثنائية التي قام بها السيناتور الأميركي الراحل غايلورد نيلسون للمرة الأولى لمنطقة سانتا باربارا في كاليفورنيا عام 1969 حيث فوجئ  بمشهد دامٍ أدى إلى تخصيص يوم للأرض. فوجئ بما لا يقل عن 3500 طائر نافق قبالة ساحل الولاية، بسبب الكم الهائل من النفط الملوِّث للمحيط الهادي لأميال عدة، وقد جعل من يوم 22 أبريل عيداً قومياً للأرض. وفي عيد الأرض الأول والذي ظل لسنوات عيداً أميركياً محلياً، شارك نحو 22 مليون أميركي في تظاهرات احتجاجاً على تدمير البيئة، وقد أدى ذلك بدوره إلى تأسيس "وكالة حماية البيئة" في الولايات المتحدة وصدور مجموعة من التشريعات البيئية.

 

قانون حماية الأرض

أدى ذلك التهديد للحياة البحرية والطيور المائية إلى قيامه بعرض قانون يجعل من هذا اليوم "عيداً قومياً لكوكب الأرض". وكان لفكرة عيد الأرض أن تخرج من نطاق المحلية الأميركية إلى السياق الأممي مع تأسيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وانضمام أغلب دول العالم للاحتفاء بهذا اليوم.

هذا الاحتفاء لم يكن كله تمجيداً للكوكب، أو تبجيلاً للأرض. كما لم يكن يوماً خلال أعوامه الخمسين المنصرمة منزهاً عن السياسة أو منزوع المصالح أو حتى محتفلاً بالكوكب المظلوم احتفالاً لوجه الله تعالى. صحيحٌ أن ملايين الناشطين حول العالم ظلوا أوفياء لقضايا البيئة ومتفانين للدفاع عنها لدرجة رفع الجاهزية الأمنية في ذلك اليوم تحسباً لحماسة زائدة هنا أو انفعال مبالغ فيه هناك، إلا أن الساسة والسياسة ظلا جاثمين على صدر الأرض ويومها.

اعتراف مجموعة العشرين

هذا العام وقبل نحو شهرين من "يوم الأرض"، وللمرة الأولى يأتي ذكر عبارة "الاحتباس الحراري" في البيان الختامي لمجموعة العشرين، وعلى الرغم من التحفظات الأميركية المتوقعة، فإن نص البيان الختامي الصادر في الرياض يوم 23 فبراير (شباط) الماضي، جاءت فيه عبارة "ما يمكن أن يكون للاحتباس الحراري من تأثيرات على الاستقرار الاقتصادي". ورغم عمومية العبارة والأثر القاتل للاحتباس الحراري من تحولات مناخية وتعريض العديد من أشكال الحياة على ظهر الكوكب للخطر ما يضع حياة المليارات في خطر، فإن المواقف الأميركية السياسية ظلت مناوئة لظاهرة الاحتباس الحراري بسبب تعارض التصدي لها والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية. وبقية دول الكوكب المصنفة ضمن مجموعة الصف الأول لم تكن يوماً ملائكية في تعاملها مع مشكلات البيئة، وهي المشكلات التي تضخ سمومها وتنضح بمغباتها على بلدان العالم المصنفة ضمن الصف الثاني والثالث وما دونهما.

استغاثة الأرض

ومن دون أدنى مبالغة، فإن كوكب الأرض في يومه الخمسين يقف في مواجهة حاسمة مع نفسه وسكانه. كلمات الأمم المتحدة هذا العام استغاثة باسم الكوكب أكثر منها مناشدة. "من الواضح أن أمنا الأرض تبعث إلينا دعوة عاجلة للعمل، فالطبيعة تعاني. الحرائق في أستراليا، والأرقام القياسية لارتفاع درجات الحرارة، وأسراب الجراد في كينيا، وها نحن الآن نواجه جائحة فيروس كورونا، التي تعتبر وباءً عالمياً ذا اتصال بصحة نظامنا الإيكولوجي". الأمم المتحدة تؤكد في اليوم الخمسين لكوكب الأرض أن تغير المناخ والتغيرات التي من صنع الإنسان والتي تؤثر سلباً على البيئة، بالإضافة إلى الجرائم التي تلحق الضرر بالتنوع البيئي مثل إزالة الغابات وتغير استخدامات الأراضي والإتجار غير المشروع في الأحياء البرية من العوامل التي يمكن أن تزيد احتمال انتقال الأمراض المعدية مثل فيروس كورونا من الحيوانات إلى البشر.

هذا العام يخبرنا برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن 75 في المئة من الأمراض الجديدة التي تصيب البشر كل أربعة أشهر تأتي من الحيوانات، وهو ما يبرز العلاقة الوثيقة بين البشر والحيوانات والصحة البيئية.

 

الكوكب يتنفس

الغريب والمثير أن الكوكب من الناحية البيئية ورغم الجائحة وفي ظل الفيروس، حين نظر في المرآة وجد نفسه قد "ردت الدموية في وجنتيه"، واسترد جانباً من صحته المعتلة على مدار عقود بفعل سكانه. وبحسب كل من وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) ووكالة الفضاء الأوروبية فقد تم تسجيل تحسنٍ لافت في نوعية الهواء في الدول التي تعطلت فيها الأنشطة الاقتصادية بشكل كامل أو شبه كامل، وفي مدينة ووهان الصينية التي انطلق منها الفروس القاتل، تم تسجيل تراجع كبير في مستوى تركيز ثاني أكسيد النيتروجين، وهو الناجم عن تشغيل المركبات ومراكز إنتاج الطاقة الحرارية، واكتسبت المدينة الصناعية اللون الأزرق بعد ما كانت تتأرجح بين اللونين الأحمر والبرتقالي بفعل انخفاض مستويات التلوث، بمعنى آخر ظهرت بوادر تشير إلى أن الكوكب يتنفس.

تحسن مؤقت

التحسن نفسه في مستويات التلوث تم رصده في المدن التي تم تطبيق سياسيات الحظر والإغلاق على سكانها، مثل مدريد وبرشلونة ومدن عدة في شمال إيطاليا ونيويورك ولندن. ويؤكد الخبراء أن التحسن الحالي في جودة الهواء غير مسبوق، وهو ما يعطي للكوكب سبباً وجيهاً للاحتفال والاحتفاء بنفسه. ورغم ذلك، فإن الخبراء ينصحون الكوكب بأن لا يفرط في السعادة أو يغرق في الأمل لأن التحسن على الأرجح مؤقت. ولا يزال الوقت مبكراً للتكهن بمدى استدامة هذه الجودة، فالوباء إلى انقشاع، إن لم يكن اليوم فغداً أو بعد غدٍ، والنشاط الاقتصادي إلى استعادة، إن لم يكن اليوم، فأيضاً بعد غدٍ.

مصائب الوباء عند الكوكب وصحته وبيئته فوائد، فالتباطوء الاقتصادي والعزل والإغلاق والحظر والحجر جميعها كوارث إنسانية صبت في مصلحة "أمنا الأرض"، وهذا ما دعا برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى دعوة سكان الكوكب في مناسبةِ عِيده إلى تذكير أنفسهم في رسالة عنوانها "عندما تراسلنا أمنا الأرض"، جاء فيها أن "الأم" في حاجة إلى تحوُّل ما في الاقتصاد، يكون أكثر استدامة فينفع الناس ولا يضر بصحة الأم. المطلوب أن يكون هناك قدر أكبر من الانسجام والتناغم بين الطبيعة والأرض.

فعاليات افتراضية

انسجامٌ متوقع بين الإنسان والشبكة العنكبوتية يتخذ اليوم منحى جديداً، ألا وهو الاحتفاء بالأرض باحتفال افتراضي بديلاً من الحدائق والميادين. رئيسة شبكة "يوم الأرض"، إحدى الجهات التي تنظم احتفالات، كاثلين روجرز، تقول في بيان صحافي، إن الشبكة تشجع الناس في هذا اليوم على الاحتفال، ولكن من دون تعريض أنفسهم لخطر التقاط العدوى. احتفاءات هذا العام تشمل عروضاً افتراضية عن الكوكب، ومسابقات لتصميم ملصقات وشعارات لحماية الأرض، وغيرها.

احتفالات عربية

عددٌ من الدول العربية بادر إلى الإعلان عن فعاليات احتفائية بيوم الأرض، وذلك عبر أنشطة افتراضية على شبكة الإنترنت. في مصر مثلاً تم الإعلان عن فعالية على شبكات التواصل الاجتماعي تنظمها مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع "جمعية التنمية الفكرية والبيئة"، تشتمل على نقاشات تساعد على تحديد الأخطاء التي يرتكبها البشر في إدارة شؤون الكوكب البيئية أملاً في المطالبة بمنع تكرارها بعد انقشاع خطر الوباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التنوع البيولوجي

خطر الوباء لن يكون محور احتفالات العالم الافتراضية بيوم الأرض، لكنه حتماً سيكون بطلاً رئيساً عبر مدخل "التنوع البيولوجي". وتشير منظمة الأمم المتحدة إلى أن فيروس كورونا يعرِّض الصحة العامة والاقتصاد العالمي للخطر، ويمتد هذا الخطر إلى تهديد التنوع البيولوجي، ورغم ذلك، يمكن أن يكون ذلك التنوع جزءاً من الحل لأنه يُصِّعب انتشار مسببات الأمراض.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن هناك قلقاً متزايداً بشأن العواقب الصحية لفقدان التنوع البيولوجي وتغيره. وتؤثر تغيرات التنوع البيولوجي في عمل النظام الإيكولوجي ووقوع اختلالات كبيرة في النظم الإيكولوجية، ما يؤثر في السلع والخدمات التي تتيحها لاستمرار الحياة. وتشتمل الروابط المحددة بين الصحة والتنوع البيولوجي على مشكلات مثل النظام الغذائي والبحوث الصحية والطب التقليدي والأمراض المُعدية الجديدة، كما تؤثر في التحولات في توزيع النباتات ومسببات الأمراض والحيوانات، وحتى في المستوطنات البشرية، ومعظمها يتأثر بتغير المناخ.

مليون منقرض

وتحذِّر "الأمم المتحدة" من التدهور الجاري في التنوع البيولوجي في جميع أنجاء العالم وبمعدلات غير مسبوقة رغم الجهود المبذولة لتحسينه. وتشير التقديرات إلى أن نحو مليون نوع من الحيوانات والنباتات مهدد بالانقراض. وفي ظل ما يتصل بفيروس كورونا، والاحتمالات الوادرة فيه، فإن أولوية سكان الكوكب الأولى يجب أن تكون منع انتشار الفيروس، ومعالجة فقدان الموائل (أماكن وملاجئ الإقامة) والتنوع البيولوجي على المدى البعيد. لماذا؟ لأن البشر وأمهم الأرض معاً على جبهة واحدة في هذه المعركة.

هذه المعركة التي أدت إلى اختناق المليارات من البشر حول العالم، إما حظراً أو إغلاقاً أو حجراً أو عزلاً أو إصابة أو حتى وفاة، والتي أدت كذلك إلى تمكُن الأرض من التقاط أنفاسها قليلاً كعرض جانبي إيجابي لكنه مؤقت، يجعل من يوم الأرض هذا العام يوماً استثنائياً. البشر يختنقون والكوكب يتنفس، لكن كليهما مرتبط بمصيرٍ واحد.