العلم ساند صعود الهوية النسوية وتحرّرها ومساواتها

ساند التطوّر في علوم البيولوجيا سعي المرأة إلى امتلاك القرار المستقل في شأن جسدها وخصوصية دورها في الإنجاب. ومع الاستنساخ والتلاعب الجيني، برزت مخاوف مرعبة صارت تجمع المرأة والرجل في نضال إنساني مشترك.

فجّر استنساخ النعجة دوللي نقاشات حادة، وزاد الانقسام مع آفاق التلاعب بالأجنّة جينيّاً(موقع "ويكيميديا.أورغ")

إنّه "يوم المرأة العالمي" مجدداً. في العام 2019، يبرز في المشهد البانورامي لتحرر المرأة محطات مثل "# مي تو" #Me Too المتصديّة لأشكال التحرش الجنسي بالنساء، خصوصاً في مجال العمل، بعدما ناضلت الحركة النسويّة عقوداً كي تصل المرأة إلى الحق في العمل ثم التساوي فيه مع الرجل. يشمل التساوي أشياء كثيرة من بينها الرواتب وأجر ساعة العمل والإجازات والتدرج المهني وغيرها. ويبرز أيضاً الحق في إجازة أمومة عادلة التي تناضل النساء لجعلها متوافقة مع دورهنّ في الحمل والإنجاب والإرضاع وما إلى ذلك. وكذلك عملت النساء على المطالبة بمشاركة الرجل في تحمّل المسؤوليات في رعاية الطفل، فأقرّت دول عدّة ذلك الأمر عبر "إجازة أبوة" أيضاً.

في ذلك المنحى يمتزج البُعد البيولوجي بالأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وهو أمر يزداد وضوحاً مع تقدم مسار تحرّر المرأة، لكنه كان حاضراً دوماً في ذلك المسار. وبداية، يجدر التشديد على خصوصيّة الجسد الأنثوي في التكاثر، ما يعني أن المساواة لا تكون في البيولوجيا، بل في الحقوق الأساسية للكائن الإنساني رجلاً وأنثىً، واستطراداً، تعني المساواة النظر إلى الهويتين الجنسيتين للبشر بأنهما متساويتان ومستقلتان أيضاً، ما يعني أيضاً أن المساواة تطاول العلاقة بين هاتين الهويتين الإنسانيّتين.

ليس ذلك أمراً جديداً، بل رافق مجمل مسار صعود المرأة عالمياً، خصوصاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ستينيات القرن العشرين، برزت محطة مهمة تمثّلت في اكتشاف حبوب تنظيم الحمل. إذ أعطت تلك الحبوب المرأة القدرة على التحكّم بجسدها وقدراته الإنجابيّة من الناحية البيولوجية، ما يعني نظريّاً امتلاكها القرار المستقل كأنثى وفرد، في التصرّف المتساوي مع الرجل في ذلك المجال. وترافق ذلك مع مرحلة سعي المرأة إلى الخروج من الأسر المنزلي، ورفع مستوى حضورها في الحياة اليوميّة بمعناها الواسع. بالطبع، لم يحدث ذلك بصوررة ميكانيكيّة، لكن التحكّم في الإنجاب فتح الباب أمام نقلة نوعيّة في العلاقة بين المرأة وبين المجتمعات والهيمنة الذكوريّة المديدة فيها. لم يكن مصادفة مثلاً أن موجات التحرر الجنسي في الغرب، جاءت بعد القفزة التي أحدثتها حبوب تنظيم الحمل. والأرجح أن التلقيح الاصطناعي In Vitro Fertilization، الذي وُصفه البعض بـ "أطفال الأنابيب" Test Tube Babies، جاء في ذلك المسار نفسه.

عودة أشباح "التفوّق العرقي" النازي

في ملمح مشابه، تعزّزت استقلالية الهويّة النسويّة بتقدم في العلوم البيولوجية في تسعينيات القرن العشرين، تمثّل في تجميد البويضات الأنثويّة التي أتاحت للنساء مواجهة مجموعة من المشاكل مثل تأخّر سنّ الزواج لدى الإناث، وحقّ الأنثى في انتقاء الشريك المناسب لطفلها المقبل، والمباعدة بين الأطفال، والحفاظ على حيويّة جسد المرأة كله وعدم استنزافه في الحمل المتكرّر المتعاقب وما إلى ذلك. تذكيراً، ترافقت محطة تجميد البويضات مع "انقسام" في الحركة النسويّة العالمية، حول مسألة "الحق في الإجهاض". وفي ثمانينيات القرن العشرين، ظهر تيار نسوي يرفض الإجهاض، على الرغم من نضال نسوي مديد في الغرب للحق فيه. وشددت الرافضات للإجهاض على ما عُرِفَ باسم "قيم العائلة" و"الحق في الحياة" و"حق الجنين" ، وترافق ذلك مع صعود النيوليبرالية في بريطانيا مارغريت تاتشر وأميركا رونالد ريغان. ويعني ذلك أن البعد البيولوجي ليس سوى بعد من مسألة متشابكة، لذا يجدر أخذ النقاش فيه بكل تحوّط ممكن.

هناك قلق إنساني يتشاركه نساء ورجال عن الآفاق القاتمة لإساءة استخدام تقنيات الاستنساخ مثل استعمالها بشرياً، وكذلك تطبيق تقنيات التلاعب جينياً بمواصفات الجينوم على الإنسان (حدث ذلك في الصين في ختام العام 2018) واستخدامها لتعزيز مفاهيم التفوّق العرقي الذي يعيد أشباح التفكير النازي ومحارق الهولوكوست وغيرها.

حدثت قفزة نوعيّة ضخمة وإشكالية مع الاستنساخ. إذ جاءت النعجة الاستنساخية "دوللي" من بويضة أنثويّة أُدخِلَ إليها الحمض الوراثي العائد إلى خلية أُخِذَتْ من الثدي. وأظهر الاستنساخ ومجموعة من التقنيات المتصلة به، أنّ بويضة الأنثى هي أساس الجنين، ما عزّز مكانة المرأة بقوة، وحسم تساويها (على الأقل) مع الرجل في التكاثر. ودفع ذلك إلى الأمام بالنقاش عن حق المرأة في تأكيد الهوية الجنسية لجسدها باعتبارها مساويّة لما يمتلكه الذكور. وبقول آخر، تلقّى الأساس البيولوجي لمزاعم التفوّق الذكوري، ضربة قاصمة. ومقابل التفوّق في الأداء العضلي والحركي الذي طالما تباهى الرجال بخصوصيّة امتلاكهم له، ظهر وزن مقابل يتمثّل في الخصوصيّة العالية لجسد المرأة في استمرار الجنس الإنساني وبقائه، خصوصاً عبر العائلة. وترافق ذلك مع نقاشات متنوّعة عن الجسد النسوي وحضوره في الحياة اليومية العامة، من بينها مفهوم الجندر الذي امتد إلى اللغة، ضمن أشياء أخرى.

بديهي القول أن هنالك مناحي أخرى، لا يخلو بعضها من التطرّف، في ذلك المجال. ولا زالت تلك الأمور إشكاليّة على غرار الحق في الزواج للجميع الذي يثير نقاشاً فرنسيّاً حاداً تردّدت أصداؤه في حراك "السترات الصفراء". ولكن، ذلك التساوي في وجود العائلة، عزّز مطالبة المرأة بموقع متساوٍ مع الرجل فيها، مثل الحق المتساوي في رعاية الأبناء، إضافة إلى الحقوق القانونيّة المتساوية في نسبة الأولاد ومواطنتهم وغيرها. استطراداً، ترافق ذلك الأمر مع تصاعد دور المرأة في الحياة السياسيّة المباشرة، بل ترشّحت أنثى ونافست بقوة على المنصب السياسي الأقوى للرجال عالمياً: رئاسة القوة الأميركية العظمى. ويصعب ختام هذا العرض الخاطف من دون الإشارة إلى القلق الإنساني الذي يتشاركه نساء ورجال عن الآفاق القاتمة لإساءة استخدام تقنيات الاستنساخ مثل استعمالها بشرياً، وكذلك تطبيق تقنيات التلاعب جينياً بمواصفات الجينوم على الإنسان (حدث ذلك في الصين في ختام العام 2018) واستخدامها لتعزيز مفاهيم التفوّق العرقي الذي يعيد أشباح التفكير النازي ومحارق الهولوكوست وغيرها.

المزيد من صحة