Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأطباء والممرضون من الأقليات في بريطانيا يتحملون كورونا بصمت حتى الموت

طبيبة تسأل عن السبب وتربطه بأجواء اجتماعية ومهنية عنصرية

أنا الطبيبة المولودة في بريطانيا والمنتمية إلى بيئة السود والآسيويين والأقليات العرقية (واختصارها بالإنكليزية "بايم"  BAME))، أعجز عن تذكّر عدد المرّات التي بدأ مريض ما حديثه معي بسؤال "هل أنت إنجليزية؟" و"لن أقابل إلّا طبيباً بريطانياً" و"هل وُلدتِ في هذا البلد؟". تردّدت تلك الجمل أمامي لدرجة أنني لو حصلت على قرش مقابل كلّ تعليق مشابه سمعته، لامتلكت على الأرجح ما يكفي لتمويل حاجات أحد المرافق الكبرى في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" من معدات الحماية الشخصية.

علمت منذ أيام قليلة أنّ أوّل 10 أطبّاء ومعظم أفراد طاقم التمريض الذين لقوا حتفهم بكلّ أسفٍ جرّاء "كوفيد 19" كانوا من الأقليات (BAME ). وتبع ذلك موجة احتفاء بقيمة "المُهاجر" في بريطانيا ردّدتها الإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي والمقالات الصحافية.

في المقابل، لا يتعلق الموضوع حصراً بالمهاجرين العاملين في قطاع الرعاية الصحّية. وليس كل من ينتمي إلى بيئة الأقليات (BAME ) مهاجراً وتلك معلومة نسيتها وسائل إعلامية عدّة على ما يبدو، أثناء نقلها تلك الإحصاءات. وفي الواقع، أكثر من 40 في المئة من إجمالي الأطبّاء الذين تخرّجوا حديثاً من كليات الطبّ في المملكة المتحدة العام الماضي، أوضحوا أنهم ينتمون إلى أقليّة عرقية.

وفيما سُلّط الضوء على كثافة تواجدنا في قطاع الرعاية الصحيّة وزيادة تعرّضنا للمخاطر الصحيّة من أجل تبرير التفاوت في نسبة الوفيّات، يبدو الواقع أكثر تعقيداً. إذ لاحظت من خلال المراقبة أنّ أغلبية الأطبّاء المتقاعدين الذين يعودون للعمل في هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" من أبناء الأقليات أو (BAME ). ولم تكن كثرة من العائدين إلى ميدان العمل شباباً، وكذلك كانوا يعانون مشاكل صحّية عدّة ويوضعون في مرمى النيران (من دون تقييم مسبق للمخاطر أو تفكير في طريقة توزيعهم وحمايتهم بطريقة مناسبة). وقد أدّى فشل حكومتنا الاستراتيجي والقيادي إلى هذا التقصير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذُكرت التباينات الاجتماعية والاقتصادية كذلك باعتبارها سبباً آخر، لكنها لا تفسّر لماذا يموت عدد أكبر من الأطباء المنتمين إلى الأقليات ( بايم أو BAME) ربّما يتعلّق الموضوع بعدم مساواة من نوع آخر، تتمثّل في عدم مساواة في ثقافة مكان العمل.

هل نحن مجتمعٌ معرّض بطبيعته للخطر أكثر من الآخرين؟ أم يُتوقّع منّا فعلياً أن نعمل أكثر من غيرنا؟ في مهنتي، اختبرت الوضع الثاني. وقبل الأسبوع الماضي، لم أخذ أبداً عطلة مرضيّة من العمل. كما أنني عملت طوال عطلة نهاية أسبوع كاملة على الرغم من إصابتي بالتهابٍ رئوي. تطلّب الأمر وقوع جائحة كي أتعامل مع عوارضي بجديّة.

تملك "الرابطة الطبية البريطانية" و"المجلس الطبي العام" إثباتات تفيد بأن إمكانية أن يتقدّم أطباء من أبناء الأقليات (BAME ) بشكاوى تتعلق بمسائل السلامة والأمن، تقل بكثير عمّا يفعله زملاؤهم ممن ينتمون إلى العرق الأبيض. ويعود السبب إلى خوفهم (أي الأطباء من الأقليات) من مواجهة اتهامات مضادة أو التعرّض للانتقام.

في مرحلة مبكرة من مسيرتي المهنية، فكّرت في إحدى المرّات أن أقدم شكوى بحقّ أحد الزملاء على خلفية تعليقات عنصرية مهينة. وتلقّيت مشورة مفادها "تحمّلي أو اخرسي، إلاّ إذا أردتِ أن تتحوّل مشكلتك معهم إلى مشكلة تتعلّق بكِ".

وهذا بالتحديد ما يفعله بعض زملائي في المستشفى وفي المجتمع، بمعنى إنهم "يتحمّلون ويخرسون"، خوفاً على سلامتهم الشخصية في غياب معدّات الوقاية الشخصيّة، ولكن خوفاً في الآن ذاته من عواقب الحديث أو الإفصاح (عن المشكلة).

وليس التمييز بغريبٍ على مهنة الطبّ. فقد سلّط تقرير مستقلّ طلبه "المجلس الطبي العام"، الضوء على أنّ محترفي الطبّ من أبناء الأقليات العرقية والدينية والجنسية أو      (BAME ) يلقون معاملة مختلفة على الأرجح من قِبَلْ نظرائهم الذين لا يقدمون لهم الدعم الكافي. ويبدو أنّ هذا الموضوع يشكل نقاشاً نخشى فتحه في هذه المهنة.

وبدل أن نتحرّك أو تثور ثائرتنا، اكتفينا بالتصفيق لزملائنا بعد وفاتهم. أعلم أنّ الحكومة تفتح تحقيقاً، لكن هل يُترجم إلى نتيجة حقيقية على غرار وضع إجراءات تحسّن تقييم وتحديد وتوزيع العاملين في الرعاية الصحية المعرّضين لمخاطر إضافية، وتنقلهم إلى أماكن عمل تناسبهم أكثر؟ بدلاً من ذلك، أخشى أنّ أعداد الوفيات ستواصل ارتفاعها بشكل متفاوت.

يعتقد زملائي الأطبّاء من أبناء الأقليات (BAME ) أنّ هذا الحدث نقطة تحوّل ستجلب معها التغيير، وأنّه عندما نصل إلى ختام تلك المرحلة، لن يطلب أحد أبداً ألا يعاينه سوى "طبيب أبيض البشرة". من ناحية أخرى، هل يتطلّب تغيير السلوك هذا المستوى من التضحية فعلاً؟

تذكرنا حوادث عدّة وقعت خلال السنوات الأخيرة، بأن نشكّك في تساوينا مع الآخرين في المجتمع، ومن بينها "فضيحة ويندراش"، وبريكست ولغة رئيس وزرائنا "البذيئة"، وتلك مجرد أمثلة غير حصرية. كيف لنا أن نثق بأنّ حكومتنا ستغيّر سلوكها تجاهنا الآن؟

لا أشاطر زملائي تفاؤلهم. جلّ ما أطلقته جائحة "كوفيد 19" لا يعدو كونه بداية نقاش حول ما يعنيه أن تنتمي إلى الأقليات أو (BAME ) في هذا البلد، بل أرى أن ذلك يُكتم بالفعل. ولا يكفي مجرّد التصريح بفتح تحقيق. يجب أن نتيقّن من حدوث عملية جمع معلومات جدّية. ويجب أن نتيقّن من أنّ تلك المعلومات ستُنشر ويجب أن نتيقّن من الالتزام بالشفافية في تلك المسألة.

كل ما سيتغيّر يتمثّل في أن عديداً من الأشخاص مثلي سيدركون أنّ قيمة التحدّر من جذور "إثنية" في هذا البلد تتلخّص في أنك تؤدي الخدمة ويُضحى بك.

© The Independent

المزيد من تحلیل