Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شبح "الكساد الأعظم" يلوح في الأفق بعد انهيار سوق النفط وخسائر كورونا

صندوق النقد يتوقع أزمة لا مثيل لها في الاقتصاد العالمي والحكومات تتجه نحو التقشف

لوحة إلكترونية تعرض تحركات الأسهم في بورصة طوكيو (أ.ف.ب)

قبل جلسة "الاثنين الأسود" التي شهدت انهيار سوق النفط بشكل تاريخي، كان الحديث عن ركود أو انكماش اقتصادي أمراً مقبولاً وواقعياً في ظل الخسائر العنيفة التي تطارد الاقتصاد العالمي مع مخاطر وتداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد.

لكن ما حدث في جلسة الاثنين الماضي من انهيار في أسعار النفط، ربما يدفع الاقتصاد العالمي وبقوة إلى ما يتجاوز أزمة الكساد العظيم التي ظهرت في ثلاثينيات القرن الماضي ليشدّ العالم إلى ما يشبه "الكساد الأعظم"، بخاصة مع استمرار مخاطر وتداعيات كورونا، وفي الوقت نفسه جاء انهيار سوق النفط ليفاقم الأزمة.

قبل أيام، توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 3 في المئة خلال عام 2020 وسط احتمالية تراجع الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم بأسرع وتيرة في عقود، وقال إن جائحة فيروس كورونا ستؤدي إلى أزمة لا مثيل لها وستتسبب في فقدان الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو 9 تريليونات دولار خلال عامي 2020 و2021.

ويصف صندوق النقد الدولي هذا الانكماش العالمي بأنه الأسوأ منذ فترة الكساد العظيم التي وقعت في العقد الرابع من القرن العشرين، كما أنه سيكون أكثر حدة عند المقارنة مع الوضع في الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ما الذي حدث خلال فترة الكساد العظيم؟

و"الكساد العظيم" هو الركود الاقتصادي الأطول والأعظم في تاريخ العالم الحديث، حيث بدأ مع انهيار أسواق الأسهم في عام 1929 ولم ينتهِ حتى عام 1939. وتميّزت هذه الفترة بالعديد من السمات، حيث كانت الأسوأ في تاريخ العالم الصناعي، وتسبب الكساد العظيم في اتخاذ النشاط الاقتصادي اتجاهاً هبوطياً لنحو 10 سنوات مع قفزة قوية في معدلات البطالة.

وفقاً لمدونة نشرتها كبيرة الاقتصاديين بصندوق النقد الدولي، فإنه يشار إلى الكساد العظيم على اعتبار أنه الحدث الاقتصادي الأكثر "كارثية" في القرن العشرين، وربما يكون وباء "كوفيد-19" الأزمة الأكثر مأساوية في القرن الواحد والعشرين. وطوال فترة عشرينيات القرن العشرين، توسّع الاقتصاد الأميركي بشكل سريع، وارتفع إجمالي ثروة البلاد بأكثر من الضعف في الفترة بين عامي 1920 وحتى عام 1929، وهي الحقبة التي عرفت حينذاك بـ"العشرينيات الهادرة".

لكن مع انهيار سوق الأسهم في 24 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1929، سيطرت حالة من الذعر على المستثمرين دفعتهم لموجة بيعية بشكل جماعي، كما تدافع المستثمرون على سحب أموالهم من البنوك وسط حالة من الذعر المصرفي. وتسبب ذلك في فشل نحو 5 آلاف مصرف أميركي في الاستمرار بالعمل، حيث قام المودعون بسحب أموالهم كافة من البنوك في آن واحد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تلاشي ثقة المستهلكين في أعقاب انهيار سوق الأسهم، دفع التراجع في الإنفاق والاستثمار المصانع والشركات لإبطاء وتيرة الإنتاج والبدء في تسريح العمال، أما هؤلاء الذين حالفهم الحظ بالبقاء في العمل فقد تم تخفيض أجورهم، وبالتبعية انخفضت القوة الشرائية.

وبحسب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، بن برنانكي، فإن البنك المركزي الأميركي ساعد في خلق الكساد العظيم عندما استخدم سياسات نقدية متشددة عندما كان ينبغي أن يستخدم العكس. وفي الوقت نفسه، أسهم استحداث قانون الجمارك في عام 1930 في تعميق أزمة الكساد العظيم، والذي كان يهدف لحماية المزارعين في البداية، ثم امتدّ ليشمل بعض الصناعات المحلية.

وفي 17 يونيو (حزيران) من عام 1930، وافق الرئيس الأميركي آنذاك "كلارك هوفر" على تمرير مشروع قانون "سموت-هاولي"، لكن نتائجه كانت سلبية، حيث أدى إلى انخفاض التجارة العالمية بنحو 66 في المئة خلال سنوات قليلة، وضاعف من الضغوط الاقتصادية، فضلاً عن تراجع صادرات الولايات المتحدة بقوة بفعل الردود الانتقامية على القانون. وبحلول عام 1933، كان هناك نحو 15 مليون أميركي قد تم تسريحهم من العمل مع وصول الركود الاقتصادي إلى الذروة. وفي الوقت الحالي، تشير البيانات إلى أنه خلال شهر واحد فقط، تم تسريح نحو 22 مليون شخص في الولايات المتحدة.

وخلال فترة الكساد العظيم، تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو النصف من 103 مليارات دولار إلى 55 مليار دولار بفعل انكماش الأسعار، حيث تراجع مؤشر أسعار المستهلكين بنحو 27 في المئة في الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1929 إلى مارس (آذار) من عام 1933. وكان معدل البطالة في أميركا قد سجّل أكبر وتيرة صعود شهرياً بنحو 0.9 في المئة خلال مارس الماضي ليصل إلى 4.4 في المئة بنهاية الشهر ذاته، مع فقدان حاد في الوظائف الأميركية.

خطر كبير على الاقتصاد العالمي

في تصريحات أمس، قال وزير المالية الفرنسي، برونو لو مير، إن انهيار أسعار النفط يهدّد اقتصاد العالم في الوقت الذي يكافح بالفعل لمواجهة تداعيات تفشي فيروس "كوفيد-19" المستجد. وأوضح أمام مجلس الشيوخ الفرنسي خلال تقديم تحديث للموازنة، أن "انهيار أسعار النفط يشكل خطراً على الاقتصاد العالمي".

وفي الوقت الذي قال فيه الوزير الفرنسي، إن الدول الأفريقية التي تعتمد بشدة على عائدات النفط تتعرض بشكل خاص لانخفاض الأسعار، توقع البنك الدولى أن ينخفض النمو الاقتصادى فى منطقة أفريقيا جنوب الصحراء بشكل حاد عام 2020، وأن تعانى المنطقة من أول ركود لها منذ 25 عاماً.

وقدّر البنك الدولي أن تصل خسائر الإنتاج لعام 2020 نتيجة وباء (كوفيد- 19) إلى ما بين 37 و79 مليار دولار؛ بسبب مجموعة من الآثار المترتبة عليه، والتي تشمل اضطراب حركة التجارة العالمية، وانخفاض التحويلات من الخارج، وتراجع السياحة والمساعدات الخارجية.

وأوضح أنه "في الوقت الذي سيشهد معظم دول المنطقة انخفاضاً في النمو، من المتوقع أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بشكل حاد، بخاصة في الاقتصادات الثلاثة الكبرى في المنطقة (نيجيريا وأنغولا وجنوب أفريقيا) نتيجة لاستمرار ضعف نمو الاستثمار". وحذر البنك الدولي من أزمة محتملة في الأمن الغذائي في أفريقيا نتيجة لتعطل الإنتاج الزراعي وانخفاض الواردات الغذائية.

مزيد من الإجراءات التقشفية في المكسيك

في الوقت نفسه، قال الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، إن انهيار أسعار النفط في الأسواق الدولية سيفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية وسيؤثر أيضاً على بلاده. وأوضح أن إدارته ستطبق مزيداً من الإجراءات التقشفية لإنقاذ الموارد في سبيل مساعدة الشعب المكسيكي. وتعهّد أيضاً ألا يكون هناك تسريح لأي من الموظفين الحكوميين.

لكن تقرير البنك الدولي حدّد العديد من العوامل التي تشكل تحديات تواجه إجراءات الاحتواء والتخفيف من آثاره، لا سيما في المناطق الحضرية غير الرسمية الكبيرة والمكتظة بالسكان، سوء كانت الوصول إلى المياه النظيفة أو مرافق الصرف الصحي أو النظم الضعيفة للخدمات الصحية، وذلك بالرغم من تنفيذ العديد من البلدان الأفريقية لإجراءات سريعة للحدّ من انتشار الوباء.

وأضاف "ليس هناك شك في أنه ستكون هناك حاجة إلى تخفيف الديون من قبل الدائنين الثنائيين، لتأمين الموارد اللازمة على وجه السرعة لمحاربة وباء كورونا، وللمساعدة في إدارة أو الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي في المنطقة".

وتعاني القارة الأفريقية بالفعل من خسائر في قطاع الطيران بعد انتشار فيروس كورونا، حيث بلغت خسائر الإيرادات لدى شركات الطيران الأفريقية نحو 4.4 مليار دولار منذ ظهور الفيروس، نتيجة إلغاء العديد من الرحلات الجوية وإغلاق المطارات الدولية.