Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إرادة من تنتصر في قانون العفو في لبنان؟

عِقد كثيرة يواجهها تبدأ بكيفية التعاطي مع الموقوفين الإسلاميين ولا تنتهي عند تجار المخدرات وعملاء إسرائيل

شهدت شوارع بيروت مسيرات احتجاجاً على سياسات المنظومة الحاكمة ومحاولتها إمرار قانون عفو عام يستفيد منه أطرافها (رويترز)

عِقد كثيرة يواجهها قانون العفو العام في لبنان، تبدأ بكيفية التعاطي مع الموقوفين الإسلاميين، ولا تنتهي عند تجار المخدرات وعملاء إسرائيل. وفي الحقيقة، لا يمكن التعاطي مع هذا الملف من الزاوية القانونية والتشريعية البحتة، إذ تشوبه لوثات الطائفية والمناطقية والاستثمار الحزبي لمعاناة المواطنين.

فرض فيروس كورونا نفسه على مجلس النواب، فاضطرت رئاسة البرلمان إلى نقل جلسته، الثلاثاء 21 أبريل (نيسان)، إلى قصر الأونيسكو لتحقيق التباعد الاجتماعي. وكذلك حصل مع "العفو العام" الذي رفع مستوى أدرينالين التوتر بين الأحزاب والاصطفافات السياسية.

وفي الأثناء، جالت مسيرات سيارة في شوارع بيروت وعدد من المناطق احتداجاً على سياسات المنظومة الحاكمة، ومنها محاولتها إمرار قانون عفو عام يستفيد منه أطرافها.

حضرت ثلاثة مشاريع قوانين على جدول أعمال جلسة الأونيسكو، الأول تقدّمت به كتلة المقاومة والتحرير التي يرأسها الرئيس نبيه بري، والثاني أعدته كتلة المستقبل مقدّم من النائب بهية الحريري. فيما الثالث فمعجل وتقدمت به كتلة الوسط المستقل برئاسة الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي.

شمل المشروع الذي تقدّم به النائب ياسين جابر عدداً كبيراً من الجرائم المرتكبة للفترة السابقة لـ 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، جاء على شكل مادة وحيدة تضمن إقرار العفو العام عن الجرائم المحالة إلى المحاكم العدلية والعسكرية الاستثنائية أو التي صدرت بنتيجتها أحكام، بما فيها جرائم تعاطي المخدرات أو تسهيل تعاطيها "من دون نية الربح". واستثنى من العفو الجرائم المحالة على المجلس العدلي وجرائم تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وقتل المدنيين والعسكريين وخطفهم، وجرائم التعدي على الأموال والأملاك العامة أو الخصوصية العائدة للدولة أو البلديات، جرائم الاعتداء على أمن الدولة وتلك المخلة بالثقة العامة.

أما مشروع كتلة المستقبل، فيُحاكي هواجس أهالي الموقوفين في زمن الكورونا، وأقرّ الإعفاءات التي لا تشمل من قام بقتال الجيش اللبناني وجرائم الإرهاب والعمالة مع العدو والاتجار بالمخدرات.

ولم يقارب مشروع الوسط مسألة العفو، بل جاء ليدعو إلى إخلاء سبيل الموقوفين من دون محاكمة، وإخضاعهم للمراقبة اللصيقة والمستمرة.

عفو المحاصصة الطائفية

يتوزّع المستهدفون من قوانين العفو العام على المناطق والمحافظات اللبنانية كلها، وينتمي هؤلاء إلى مختلف الطوائف.

وتلعب المحاصصة المذهبية والحزبية دوراً مزدوجاً: فمن جهة، تمنح أملاً لأتباع الطوائف بإمكان إقفال ملفاتهم القضائية ضمن تركيبة ما، إلا أنها من ناحية أخرى تساوي بين جرائم تتفاوت فداحتها وخطورتها الجنائية والمجتمعية. ما دفع نادي القضاة في لبنان إلى تأكيد أن العفو العام "أمر استثنائي وخطير يتخذ في مراحل مفصلية من تاريخ الشعوب والأوطان فحسب". ودعا النادي إلى إقرار قانون استقلالية القضاء، لأن ذلك مقدّم على "تحرير المجرمين" تحت ذريعة حل مشكلة السجون بسبب الخوف من تفشي فيروس كورونا المستجد Covid-19. واعتبر النادي أن إقرار العفو يؤدي إلى ضرب استقلالية القضاء، ويزيد منسوب التجرؤ على مخالفة القانون وارتكاب الجرائم. ولفت نادي القضاة إلى مسألة غاية في الأهمية، فهو "لا يشمل جرائم الفساد كتبييض الأموال والإثراء غير المشروع وسواها، إلا أنه يشمل هذه الجرائم بتخفيض العقوبة. وهو ما يناقض توجهات الثورة في لبنان".

يقدّر عدد المستهدفين من قوانين العفو في لبنان بـ48 ألف مذكرة توقيف لـ31 ألف مطلوب متهمين بالاتجار بالمخدرات وغالبيتهم ينتمون إلى محافظتي البقاع وبعلبك– الهرمل الحدودية قرب سوريا، و6 آلاف متهم بالتعامل مع إسرائيل وعملاء جيش لحد في منطقة الشريط الحدودي المحتل، و1150- 1200 من الإسلاميين مقسومين بين800  محكومين و400 موقوف من دون محاكمة، شارك بعضهم في أحداث أمنية في طرابلس، والبعض الآخر من أتباع حركة الشيخ أحمد الأسير وضالع في أحداث أمنية في عبرا الواقعة ضمن قضاء صيدا.

الخوف من الاستثناءات

يتكرّر خطاب المظلومية وفبركة الملفات على لسان أهالي موقوفي أحداث طرابلس، فهم منذ سنوات يتحركون في الشارع، ومع ذلك لم تتحقق العدالة. ويؤكد منسق لجنة أهالي السجناء محمود أبو عيد أن لم يعد لدى الأهالي طاقة لتحمل اللاعدالة واختلال الموازين في لبنان، وحرمان الموقوفين من حقوقهم الأساسية وانتهاك كرامتهم وتوقيفهم لسنوات من دون محاكمة.

لم تبصر الوعود بإقرار العفو العام النور الذي شكّل بنداً على قائمة الوعود عشية الانتخابات النيابية، فهي أدرجت في البيان الوزاري لحكومة استعادة الثقة والورقة الإصلاحية للرئيس سعد الحريري، وصولاً إلى مشاريع العفو المستجدة.

يستهجن أبو عيد بقاء أبنائهم في السجون من دون محاكمات، فيما يتم إطلاق سراح العميل عامر فاخوري وإخراجه بطيارة خاصة. ويطمح إلى طي صفحة سوداء من تاريخ لبنان، وإنهاء الخطر الناجم للوضع الصحي السيئ في السجون، وسط تزايد مخاطر كورونا. ويلفت إلى حدوث تنسيق الجهود بين أهالي السجناء من مختلف المناطق والطوائف، مذكراً بأن من يعارض العفو اليوم استفاد منه في الماضي بعدما كان ضحية للاضطهاد الذي مارسه النظام السوري بحقه.

بين العام والخاص

جوهر الخلاف اليوم يعود إلى صراع الإرادات، وإرادة من تنتصر؟ ويمنح البند التاسع من المادة 53 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية حق إصدار مرسوم العفو الخاص، أما العفو العام الشامل فيعود إلى قانون يصدر عن مجلس النواب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يؤدي اعتماد مبدأ "العفو الخاص" إلى منح رئيس الجمهورية الصلاحية الحصرية، وإن كان إصداره بواسطة مرسوم يقتضي توقيعه من قبل رئيس الحكومة بحسب منطوق الفقرة الرابعة من المادة 64 من الدستور. ويعطي تطبيق هذا البند سلطة لرئيس الجمهورية ومستشاريه للتحكم بمضمون مرسوم العفو الخاص.

يفضل فريق رئيس الجمهورية ميشال عون والأحزاب المسيحية إقرار العفو الخاص بحجة أن ذلك سيمكّن من التعاطي مع كل حالة بصورة مستقلة وعلى حدة، ويحول دون إخراج من لا يستحق.

يرفض المحامي محمد صبلوح، وكيل موقوفي أحداث طرابلس، المنطق الطائفي في التعاطي بملف العفو. ويستغرب موقف رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل لأنه يطالب بتأجيل البت بقانون العفو، فيما كان فريقه أول المستفيدين من قوانين العفو في 1991، ومن ثم 2005 بجرم نهب الأموال العامة، كما قام بتغطية تهريب العملاء. ويؤكد صبلوح ضرورة قانون عفو منصف بأسرع وقت ممكن، لأن الواقع داخل السجون مزر لأنها عبارة عن "مسالخ بشرية" لا يتوافر فيها الدواء أو الطعام، وهي تخرّج مجرمين عوضاً عن إصلاحهم. يجزم صبلوح أن لا يطالب أحد بالعفو من قاتل الجيش، مذكراً بعدم وجود شفافية في المحكمة العسكرية.

الآثار القانونية

تستخدم قوانين العفو العام بشكل مرتفع في لبنان. منذ عام 1918 حتى يومنا، صدرت عشرات من هذه التشريعات التي يفترض أن تكون استثنائية. على سبيل المثال، أُقر في عهد الرئيس الأول للبنان بعد الاستقلال عام 1943 بشارة الخوري ثلاثة قوانين للعفو، وهكذا دواليك وصولاً إلى قانون 1991 الذي جاء إتماماً لتوقيع وثيقة الوفاق الوطني في الطائف 1989، وأخيراً عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005.

يؤدي إقرار قوانين العفو إلى إزالة الصفة الجرمية بأثر رجعي بخلاف العفو الخاص الذي يصدر عن رئيس الجمهورية بموجب مرسوم، فهو يتضمن تعليقاً لتطبيق القانون، وإلغاء الصفة الجرمية إزاء بعض الأفعال. ولا يسري قانون العفو العام إلا على الجرائم التي عينها بالذات والتي تكون قد وقعت قبل موعد صدوره. أما بالنسبة إلى المرجع الصالح لتطبيق قانون العفو العام فهو النيابة العامة.     

المزيد من تقارير