Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استنفار "الضمير المجتمعي" وعصر كورونا (4)

إنشاء صندوق دولي ترعاه الأمم المتحدة أصبح ضرورة لتوفير مساندة عاجلة في الأزمات

علم الأمم المتحدة بمقر المنظمة الدولية في نيويورك  (رويترز)

خلال الأسابيع الماضية قضيت مثل الكثيرين، فترات طويلة وغير معتادة دون السفر خارج الوطن العزيز وداخل مقر إقامتي، إلا لفترات محدودة خارج المنزل، لقضاء الحاجات الضرورية، التي لا تتوفر داخله. ومع طول المدة قضيت وقتاً في التفكير والتأمل حول تصرفاتي الشخصية والأوضاع السياسية ما قبل وبعد ظهور فيروس كورونا.

 فوجدت من تصرفاتي الشخصية أن الاحتياجات المهمة أقل كثيراً مما كنا نتصوره، وأن الضروري منها لا يستغرق توفيره وقتاً طويلاً، وهو بالتأكيد أقل كثيراً عما نقضيه حولها في الأيام والظروف العادية، مما جعلني أتأمل في مدى إسرافنا الشخصي على أمور وملذات غير ضرورية، في الوقت الذي يفتقر فيه الآخرون إلى الحد الأدنى من متطلبات الإنسانية من الغذاء والصحة والمأوى.

أيقنت أيضاً أن الكثير من متطلبات حياتنا اليومية، بما في ذلك الوظيفية والمهنية، يمكن قضاؤها من داخل المسكن أو في أماكن محدودة، مع أقل درجة من الحركة أو التداول الخارجي، وهو ما يجنبنا ويجنب آخرين تداعيات عديدة على الأوضاع العامة مثل الزحام، والتلوث، وانتقال الأمراض، وحتى آثار التغير المناخي نتيجة لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون، ولعل متابعة الانخفاض الواضح في التلوث بسماء العاصمة الصينية بكين أو الهندية نيودلهي، يوفر دليلاً محدداً وملموساً للتحسن الذي يمكن أن يطرأ من ضبط حركة التداول والزحام.

ومن التغيرات الأخرى في تصرفاتي الشخصية، التي عززت لدي الرغبة في التأمل والتفكير،  هي أنني بعد رحلة وظيفية طويلة في ساحة العمل العام والمتابعة السياسية، أصبحت أركز في جدول أعمالي، وفي قراءاتي من بداية اليوم على قضايا عامة، على رأسها القضية العالمية العصرية الكبرى، وهي الآن فيروس كورونا وعدد المصابين والمتوفين منه. ليس فقط بما يعنيني في محيطي المباشر الوطني أو الإقليمي، وإنما بنفس الاهتمام بحجم الضحايا والخسائر عالمياً، ودون تمييز بين ساحة أو أخرى لاعتبارات سياسية، انطلاقاً من أننا جميعاً في النهاية خلقٌ للرب الواحد، ولي نعمتنا جميعاً، مهما اختلفت سياساتنا، أو احتدت خلافاتنا، أو تباينت معتقداتنا.

واتصالاً بتلك الملاحظة الأخيرة رحبت بصدور العديد من المناشدات الدولية لوقف الحروب والمعارك مؤقتاً، للتصدي لفيروس كورونا، بما في ذلك الصادرة يوم 23 مارس (آذار) عن سكرتير عام الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار عالمياً، باعتبار الفيروس مشكلة لا تُحل دون تعاون الجميع، وأكبر وأعمق من القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. وأيا كانت أسبابها، فالكل مصاب من هذا الفيروس سواء القوي أو الضعيف، الغني أو الفقير، الظالم أو المظلوم.

ورحبت بهذه المناشدات ولأنها بمفهوم المخالفة، تعكس يقيناً أن التعاون والسعي لإيجاد حلول ترضي مصالح الجميع واجب، وهو أمر إذا ترجم إلى ممارسة صادقة وطبق على القضايا السياسية، والنزاعات والمعارك، يسمح لنا بإيجاد حلول لخلافات طال أمدها طويلاً، وأصبح هناك اعتقاد أن حلها من أبعد المستحيلات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال ساعات النهار والليل الطويلة داخل المسكن، وجدت نفسي أتحسر على ضعف النظم السياسية، وغياب الضمير الاجتماعي، الذي جعل أكبر وأغنى دول العالم، مثل الولايات المتحدة والصين ودول أوروبية غنية، ساحات كبيرة للإصابات والوفيات من فيروس كورونا، نتيجة لسوء إدارة الأزمة في البداية، وغياب الشفافية اللازمة لتجنب انتقالها، داخل حدودها ومنها إلى دول أخرى، أو لضعف المنظومة الطبية وعدم توافر الإمكانيات اللازمة لمواجهة أزمة صحية بهذا الحجم، لعدم وجود إرادة سياسية توفر الموارد للإنفاق الاجتماعي، ثم تستقبل مساعدات طبية من دول أخرى، رغم وصول الإنفاق العسكري في العالم، أغلبها من قِبل دول كبرى وغنية إلى ما يتجاوز 822 تريليون دولار عام 2018.

لا شك أن هناك المزيد والكثير مما يمكن إضافته، الذي يحتاج لتفكير عميق ومتشعب، لاستخلاص أهم الدروس، وطرح ما يجب تبنيه من السياسات أو اتخاذه من إجراءات، للتعامل مع واقع عصر العولمة، الذي يحمل في طياته العديد من الفرص والخبرات، مع سرعة تبادل الأفكار والسلع والمنتجات، وتقدم تكنولوجي مذهل وبمعدلات سريعة. عصر فيه الحق والباطل، ويشهد في نفس الوقت الانتشار السريع للأوبئة، والمشكلات العالمية مثل الفقر والتغير المناخي، وبمعدلات قد تفوق بكثير انتقال الثروات والإيجابيات.

وغني عن القول أن الأولوية للجميع في هذه المرحلة يجب أن تكون لمواجهة المخاطر الصحية لفيروس كورونا، والعمل على تجنب إعادة انتشاره بضمان الاستعداد المبكر، والقدرة على التعامل السريع مع الأحداث، بما في ذلك إجراء التحاليل اللازمة ومتابعة المرضى وعزلهم، وهي أمور تحتاج إلى قدرات تكنولوجية عالية، وهنا أود تسجيل امتعاضي من القرار الأميركي الخاص بمساهمتها في منظمة الصحة العالمية.   

 وبعد ذلك في الترتيب سيكون علينا بطبيعة الحال، للعمل على تجنب دخول الاقتصاد العالمي في ركود عام وواسع، فضلاً عن التعامل مع الظروف الاقتصادية الضاغطة في كل من مجتمعاتنا الوطنية، وهناك المزيد مما يقال حول تفاصيل كل ذلك.

وأعتقد أن القضية الكبرى التي يجب أن تحظى بالاهتمام هي غياب "الضمير الاجتماعي" في تفاعلاتنا وتصرفاتنا الدولية والإقليمية والوطنية، حتى لا نواجه المزيد من المشكلات العالمية عبر الحدود، التي يصعب السيطرة عليها دون التضحية بالجوانب الإيجابية من عصر العولمة والتقدم التكنولوجي.

وعكس ما يتصوره البعض، هذه ليست مسألة نظرية أو طرحاً مثالياً، بل قضية ضرورية وحقيقيه، ولها مكونات محددة، بعيداً عن العموميات والشعارات الرنانة، ويمكن إيجازها في أنه لم يعد مقبولاً أن نشهد إنفاقاً واسعاً ومبالغاً فيه على التسلح وتوفير الاحتياطي لأسوأ الظروف والمخاطر العسكرية، في سياق نظريات عقيمة سادت أثناء الحرب الباردة، مثل تحقيق الاستقرار من خلال رادع  قدرة الأطراف المتنافسة بـ"الفناء المتبادل"، وكيف نقبل أن نواصل التقاتل والتدمير والتشريد إذا كنا نستطيع وقف إطلاق النار فجأة وبسرعة لمواجهة أزمة فيروس كورونا.

هذه متناقضات غريبة حقا ولم تعد مقبولة، لذلك أقترح ما يلي:

 أولاً: أن يبذل جهد فكري لبلورة مفاهيم وإجراءات لإحياء واستنفار "الضمير المجتمعي" الدولي والإقليمي والوطني، بتشكيل سكرتير عام الأمم المتحدة مجموعة أو مجموعات عمل صغيرة ومميزة من القيادات والمفكرين والحكماء، على أن يكون ذلك بصفتهم الشخصية حتى يتسنى تجاوز العثرات الناتجة عن تباين المواقف والسياسات الحكومية القائمة، لمراجعة أسس النظام الدولي المعاصر ومواثيقه التي وضعت عقب الحرب العالمية الثانية مع إنشاء الأمم المتحدة، لتضع توصيات محددة تناقش ويتم إقرارها في دورة خاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أو في مجلس الأمن قبل ربيع 2021.

ثانياً: إنشاء صندوق دولي تحت رعاية سكرتير عام الأمم المتحدة، الذي من المفترض أن يمثل الضمير الحي للمجتمع الدولي، لتوفير المساندة العاجلة الإضافية في الأزمات الاجتماعية، ويشرف عليه ممثلون على أعلى مستوى من المؤسسات الدولية المعنية، مثل البنك الدولي، أو منظمة الصحة العالمية، أو منظمة الغذاء العالمية. ويمكن أن تصرف على برامج تحت إشرافها، على أن  يحق لكل دول العالم ، سواء كان الأعضاء أو المراقبون في الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية الاستفادة من الصندوق، وفقاً لمعايير يتم وضعها من مجلس إدارته، لتراعي الاحتياج والقدرات المادية، والضرورات الإنسانية الطارئة بعيداً عن السياسة، وعلى أن تخفض الدول إنفاقها في المجال العسكري بنسبة 3 في المئة، تخصص 1 في المئة إلى الصندوق الدولي، و2 في المئة لبرامج في أوطانها لأغراض الصحة والغذاء والمأوى.

ثالثاً: أما الجانب الإقليمي والسياسي من السعي لإحياء الضمير المجتمعي، فأرى أن يكون في إطالة مبادرات وقف إطلاق النار، الذي أطلقها سكرتير عام الأمم المتحدة، وغيره مثل الذي أعلنه التحالف العربي باليمن، أو ما اقترح بين قوات حفتر والسراج في ليبيا، أو حتى ما تردد عن احتمال وجود صفقة بين إسرائيل وحماس في غزة للتعاون في المجال الصحي في مقابل الإفراج عن بعض الضباط الأسرى الإسرائيليين، وهنا أقترح الخطوات التالية:

الاتفاق على وضع كافة المفاوضات الخلافية السياسية تحت الغطاء السياسي للأمم المتحدة، ليس كبديل عن المفاوضات الثنائية أو الإقليمية، وإنما تحفيزاً للمفاوضات وتأكيداً للمسؤولية الجماعية، ليتم تخطي العقبات الخاصة بعدم وجود اعتراف  متبادل، أو لتوتر العلاقات بين الأطراف، على أن يشمل هذا الغطاء ليس فقط الأطراف المتفاوضة المباشرة، وإنما أيضاً المنظمات الإقليمية المعنية، وأعتقد أن هناك مصلحة وعائد إيجابي من إضافة العنصر الإقليمي من خلال حضور الجامعة العربية في مفاوضات النزاع العربي الإسرائيلي أو سوريا، وكذلك بالنسبة لليبيا. وهنا أيضاً من المفيد مشاركة وحضور الاتحاد الأفريقي.

ولإعطاء فرصة كافية لمثل هذا الجهد السياسي أن يأخذ مجراه، أقترح أن يدعو السكرتير العام لإعلان وقف إطلاق النار في كافة الساحات التي يتم التفاوض حولها حتى يونيو (حزيران) 2021 كخطوة أولى، مع الاستفادة من القدرات التكنولوجية الهائلة لدول مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، لتصوير ساحات المعارك وتحديد الأوضاع على الأرض عبر الأقمار الصناعية، وتوفير هذه البيانات للسكرتير العام لتحديد الوضع الراهن كنقطة بداية، وحتى لا يتعدى طرف على ساحة الآخر إلى انتهاء المفاوضات.

المزيد من آراء