Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترمب وأردوغان ومودي وأوربان وبولسونارو قوميون شعبويون أمام تحدي كورونا

تستسيغ الأنظمة "الترمبية" اختلاق التهديدات ولا تملك أدنى فكرة عما يجب القيام به عندما تواجه تهديداً حقيقياً

اعترف بعض القادة الشعبويين والقوميين بخطورة الفيروس لكنهم يستخدمونه لتعزيز سلطانهم وإسكات منتقديهم (أ.ف.ب)

في الحرب العالمية الأولى، تساءل مستشار ألماني هاله سماع أنّ قائده العسكري الأول خطّط لاستئناف هجماته الدموية وغير المجدية على الجبهة الغربية قائلاً: "أين ينتهي غياب الكفاءة؟ وأين تبدأ الجريمة؟".

يُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال جائحة فيروس كورونا عجزاً كارثياً مماثلاً عن الابتعاد عمّا درج عليه من تكتيكات من ادّعاء نجاحات وهمية وإلقاء اللوم على الجميع ما عدا نفسه لتبرير أخطائه. إنها أول أزمة حقيقية تواجهه خلال سنواته الثلاث في البيت الأبيض، وعلى غرار ذلك الجنرال الألماني، يبدو واضحاً أنه غير قادر على تغيير طريقة تعامله مع الأزمة.

سأل كثيرٌ من الحبر الافتراضي في السنوات الثلاث الماضية على عدم الكفاءة والانعزالية التي تتميز بها رئاسة ترمب، وحول مدى تقويضها الهيمنة الأميركية. وقد فرضت الجائحة هذا التساؤل بشكل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لكنها قدّمت ما يشبه الجواب.

وصراحة، لن تبقى الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة إذا رأى بقية العالم دليلاً يوماً بعد يومٍ على أنها تُدار على يد معتوه لا يستطيع مواجهة كارثة عالمية.

إن ما هو على المحك لا يقتصر على مستقبل رئاسة ترمب. فعلى مدى العقد الماضي، استولى قادة شعبويون وقوميون من أشكال ترمب على السلطة في جميع أنحاء العالم، وامتُحنوا أيضاً وثبت تقصيرهم. ومن دون استثناء، أظهروا براعتهم أكثر في الفوز بـ(أو تزوير) الانتخابات من مكافحة الفيروس.

ويعترف البعض منهم بخطورة تفشي المرض، لكنهم يستخدمونه لتعزيز سلطانهم وإسكات منتقديهم. ويرفض آخرون فكرة التباعد الاجتماعي والإجراءات التقييدية باعتبارها غير ضرورية، أو يستنكرونها باعتبارها خدعة ابتدعتها وسائل الإعلام. لكن ما يمكن استنتاجه من كل هذه الحالات هو أنّ الأنظمة الترمبية، على الرغم من حديثها عن التهديدات الذي لا يخدم سوى مصالحها، لا تعرف ما هي فاعلة حين يبرز تهديد حقيقي لبلدانها.

ففي الهند، أغلق رئيس الوزراء الهندوسي القومي ناريندرا مودي، بلاده بعد إشعار أربع ساعات فقط، ما أجبر الملايين من العمّال المهاجرين الذين لا يملكون غير قليل من الطعام والمال على السفر مئات الأميال إلى قراهم الأصلية.

وفي البرازيل، اتخذ الرئيس اليميني المتطرف جايير بولسونارو، مساراً معاكساً، فقلل من شأن الأزمة وتحدى نداء وزارة الصحة للتباعد الاجتماعي بخروجه إلى الشارع لشراء الكعك والاختلاط بأنصاره. ويظهر في أحد الفيديوهات وهو يمسح أنفه بمعصمه قبل أن يصافح امرأة مسنة.

أمّا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد تردد في القيام بما يعطّل اقتصاد بلاده، وأخذ يسجن الصحافيين الذين يقولون إنه لا يقوم بما يكفي تجاه ضحايا الفيروس. وفي هنغاريا، استغلّ رئيس الوزراء فيكتور أوربان الوباء كذريعة لتمرير قانون تعليق الانتخابات، الذي يمكّنه من الحكم بالمراسيم لأجل غير مسمّى، بينما يتجاهل الحالة المزرية للمستشفيات الهنغارية التي تعاني نقص التمويل.

إن ما يمكن تسميته مجازاً بكتاب قواعد لعبة ترمب، على الرغم من أن معظمه كان موجوداً قبل ترمب واستخدمه ديماغوجيون قوميون عبر التاريخ، يقصر عن التعامل بفعالية مع أزمة حقيقية عوض أزمة مختلقة.

وعلى الرغم من أنّ من المريح الافتراض بأن هذا سينال من صدقية القادة الذين يدّعون أنهم منقذون وطنيون، فإن النتيجة ليست بالضرورة كذلك. ففي أماكن مثل هنغاريا وتركيا والهند، تخضع وسائل الإعلام إلى حد كبير لسيطرة الحزب الحاكم، وستُحذف أخبار سوء إدارته الأزمة بغض النظر عن الخسائر.

لكن، الجائحة تفضح مواطن ضعف الأنظمة، من واشنطن إلى دلهي ومن ساو باولو إلى بودابست. فالأوتوقراطية لها عيوبها، لأن نواة هذه الحكومات زعيم أعلى يتمتع بأنصار مخلصين يؤمنون بأنه لا يخطئ. لقد تراجع ترمب ربما عن زعمه أنه يتمتع بسلطات ملكية، ويمكنه الاستغناء عن الكونغرس، لكن ذلك المغرور يظهر ميوله الاستبدادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتفضح الأزمات التقديرات السيئة لهذه الأنظمة الديكتاتورية، ويحيط القادة أنفسهم بالمصفّقين وبحاشية تقول لهم ما يريدون سماعه. فقد أخبرني دبلوماسي في بغداد ذات مرة، أنّ المسار الآمن الوحيد لأي شخص من كبار مساعدي صدام حسين هو "أن يكون أكثر صرامة من الرئيس بنسبة 10 في المئة". قد لا يطلق ترمب النار على المستشارين الذين يخالفونه، كما فعل صدام، لكنه يقيلهم ويظهر عدم تسامح مماثل تجاه الآراء المعارضة مثل الديكتاتور العراقي.

ويعاني جيل القادة الترمبيين نقطة ضعف إضافية، تتمثل في كونهم ينتمون إلى بلدان يعمّها الاستقطاب، وهم العرض على تلك الانقسامات وأسبابها في آن. ففي بلدانهم، تُضطهد الأقليات، مثل المسلمين في الهند والأكراد في تركيا، ومهاجري أميركا اللاتينية في الولايات المتحدة. كما أنّ السلطويين الجدد يسُّرهم حكم البلدان المنقسمة في الوسط، لكنهم يكتشفون أنّ مكافحة الجائحة بنجاح تقتضي درجة أعلى من التلاحم الوطني تفوق ما يستطيعون تقديمه.

سوف تهزّ الجائحة أركان عديد من هذه الأنظمة، لكن الرقابة على وسائل الإعلام وحملات العلاقات العامة الحكومية المكثفة ربما تحدّ من تأثيره السياسي. فعلى سبيل المثل، اكتسبت جائحة الإنفلونزا الإسبانية المدمرة بين عامي 1918 و1919 اسمها فقط من كون إسبانيا واحدة من الدول القليلة التي لم تفرض رقابة على ولاياتها.

وقد ينحسر فيروس كورونا، أو تُطمس أخباره، لكن سيكون من المستحيل إخفاء الكساد الاقتصادي العميق المُحتمل أن يتبعه. وكان الانهيار العظيم لعام 1929 وراء صعود هتلر وتقدم الشيوعية، ما أدّى إلى تأجيج العنف السياسي في الثلاثينيات. لذا يُحتمل أن يكون لأي كساد عظيم ثانٍ يأتي بعد هذه الجائحة، تأثير سياسي ناسف مشابه، ما سيحوّل عشرينيات هذا القرن إلى زمن مضطرب مثلما كانت عليه ثلاثينيات القرن الماضي.

وستواجه الدول القومية المتنافسة مرة أخرى بعضها بعضاً، وسيتراجع دور المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على ما حصل مع عصبة الأمم القديمة، لتصبح عديمة الجدوى. وسيتبيّن أن تعزيز التعاون والتكامل بين الدول، الذي بدا العالم يوماً متجهاً نحوه مجرد سراب.

وبينما يشرف ترمب على تفكك النظام الدولي وأفول الهيمنة الأميركية، يصعب التفكير في أي شخصية تاريخية تشبهه تماماً. لكن أحد منافسيه قد يكون بالتأكيد هو القيصر فيلهلم الثاني، الإمبراطور الألماني المغرور والمتغطرس وصاحب قرارات كارثية، الذي قاد بلده إلى الهزيمة في الحرب العالمية الأولى. وكما هي الحال مع ترمب، فقد حذر فيلهلم، في وقت مبكر إلى حدّ ما، من صعود الصين و"الخطر الأصفر". ومثل ترمب أيضاً توقع انتهاء الأزمة الكبرى التي لم يكن بوسعه التعامل معها، حيث وعد جنوده في صيف عام 1914 بأنهم "سيعودون إلى الديار قبل سقوط أوراق الشجر (الخريف)".

© The Independent

المزيد من آراء