الإنجليز يجرّون إيرلندا الشمالية بتهور إلى نزاع، والخوف كل الخوف من أن يكونوا أغبياء لدرجة عدم الاكتراث

العودة إلى العنف ليس السيناريو الأسوأ لكنه حتمي إذا ما عادت الحدودالمُحْكمة، كما سيحصل في حال الخروج الكامل من الاتحاد الأوروبي.

 

 لافتة عن البريكست ومستقبل إرلندا في الاتحاد الاوروبي (رويترز)

كنت جالساً في أحد مقاهي شارع فولز رود في بلفاست الغربية ذات الصبغة القومية الواضحة عندما دخلت مراسلة إحدى المحطات الإذاعية المحلية باحثةً عن مواطنين لتستقصي آراءهم حول تأثير انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي،بريكست،في إيرلندا الشمالية. وقالت إن الأثر جسيم، مضيفة "أغبياء، الإنجليز أغبياء لأنهم وضعونا في هذا المأزق. كانت الأمور تسير على ما يرام ثم بلغوا درجات لا مثيل لها [من الغباء]".

لا تحتاج للحديث مطوّلاً إلى الناس في إيرلندا الشمالية لتدرك أن كل ما قاله السياسيون والمُعلقون في لندن عن "شبكة الأمان" لم يُبنَ إلا على قدر خطير من التمنّيوالتجاهل للوضع السياسي الحقيقي على أرض الواقع هنا.ونظراً إلى أهمية هذه القضية بالنسبة إلى مستقبل المملكة المتحدة، فإن مناقشتها بأقل قدر من الإلمام بالقوى الحقيقية المعنية، مستهجن.

دعونا نوضّح أهم هذه المخاطر على عجل. غالباً ماينصب الاهتمام على الصعوبة البالغة في ضبط الحدود التي تمتد 310 أميال بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا بسبب وجود ما لايقل عن 300 نقطة عبور رئيسة وثانوية.لكن المشكلة الحقيقية في واقع الأمر ليست جغرافيّة ولا عسكرية بل سياسية وسكانية لأن الحدود بأكملها تجتازبلداً يفوق فيها الكاثوليك البروتستانت عدداً في شكل كبير. وهذا ما لن يقبله الكاثوليك، وهم قادرون على الحؤول دون بروز حدود مُحكمة وموصدةأمامهم إذا لم تحمِها على الدوام مئات آلاف الجنود البريطانيين في مواقع محصنة.

وغالباً ما يُعتقد بأن مصدر تهديد السلام هم الجمهوريون الانفصاليون، وهم فرقة ضئيلة متشرذمة لديها القليل من الدعم قد تطلق النار على شرطي أو موظف جمركي. لكنها ليست الخطر الأكبر، إلى حد الآن على الأقل، لأنه من المرجّح أكثر أن تثبط الاحتجاجات العفوية والمتواصلةأي مسعى لإعادة إرساءحدود دولية لم تُدعم بقوة مسلحة ضخمة بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا.

وحسبان أن الوسائل التكنولوجية يمكن أن تحل محل موظفي الجمارك، غير واقعي إلى حد كبير. فالناس المحليون سيتلفون الكاميرات والأجهزة الأخرى على الفور. ولا مفر من تولي موظفين جمركيين إدارة الحدود الجديدة، لكن هؤلاء لن يتوجهوا إلىالحدود ما لم تحمِهم الشرطة التي لا تستطيع هي الأخرى القيام بمهامها من دون حماية الجيش البريطاني لها. وقد يسقط متظاهرون أو يُصابون وسننزلق من جديد إلى دوامة العنف.

نحن لا نتحدث هنا عن أسوأ السيناريوات بل عن أمر محتوم إذا ما عادت الحدود المُحْكمة، وهذا ما سيحصل في حال الخروج الكامل من الاتحاد الأوروبي (بريكست). من المحال أن يوافق الاتحاد على صفقة تفتح فجوة كبيرة غيرمحصنة في الاتحاد الجمركي والسوق الواحدة، ومثل هذه الموافقة تدق المسمار الأخير في نعشه.

نقطة أساسية لا بد من التوقف عندها تتلخص في أن الحكومة البريطانية لا تسيطر فعلياً على المنطقة الممتدة على طول الحدود حيث يغلب السكان القوميون. بمقدور الحكومة البريطانية استعادة هذه السيطرة من طريق القوة مما يعني العودة إلى الوضع الذي كان سائداً خلال ما يُعرف بـ الاضطرابات بين 1968 و1998، عندما أُغلقتكثير من الطرق العامة، ومجمل عددها 270 طريقاً، التي تعبر الحدود، بالحواجز أو زرعها الجيش البريطاني بالمتفجرات. وحتى بعد ذلك، لم يكن بمقدورالجنود البريطانيين التنقل في بعض المناطق مثل ساوث أرماغ إلا باستخدام المروحيات.

ينصب اهتمام قوات الأمن في إيرلندا الشمالية على مجموعات الجمهوريين الانفصاليين التي لم تقبل أبداً باتفاق الجمعة العظيمة. وفشلت هذه المجموعات في استمالة مجتمع الروم الكاثوليك القوميين الذين لم يكن لديهم أدنى رغبة في العودة إلى الحرب والتخلي عن المكاسب الحقيقية للعيش في سلام مديد.

لكن قد يتبخر السلام رغماً عن أنف الجميع جراءالبريكست على الشاكلة التي أنتجتها مجموعة البحث الأوروبية ورسمتها خطوط تيريزا ماي الحمراء.والانسحاب على المنوال هذا يوجه رصاصة إلى صميم اتفاق الجمعة العظيمة. ووفرهذا الاتفاق إمكان العيش بسلام في مكان واحد بين من كانوا يعتبرون أنفسهم إيرلنديين، وهم كاثوليك في شكل أساسي، ومن كانوا يرون أنهم بريطانيون، البروتستانت. وعلاوة على ذلك، أرسى الاتفاق ورسخ توازن قوى بين المجتمعين هذينأدت فيهالحكومة الإيرلندية والاتحاد الأوروبي دوراً محورياً.

على الرغم من ذلك، ومُنذ الانتخابات العامة في العام 2017، حين صارت تيريزا ماي رَهْنَ الحزب الوحدوي الديموقراطي "دي يو بي"،تعامل السياسيون ووسائل الإعلام في بريطانيا مع هذا الحزب - حزب إيان بيزلي - على أنه الممثل الوحيد لـ 1.9 مليون نسمة يعيشون في إرلندا الشمالية. ونادراً ما يطلب المحاورون من نوابه أن يبرروا دعمهم مغادرة المملكة المتحدة الاتحادَ الأوروبي في وقت اقترعت إيرلندا الشمالية في الاستفتاء لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي بنسبة 56 في المئة مقابل 44 أيدت الخروج.

وحين تتجاهل القوميين في إيرلندا الشمالية، ترتكب الحكومة البريطانية الخطأ الفادح ذاته الذي اقترفته خلال السنوات الخمسين السابقة للعام 1968. وهو أدى إلى أعنف حرب عصابات في أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية. واليوم، ستفوق خسارة القوميين ما خسروه قبل نصف قرن. فمجتمع القوميين لم يعد خاضعاً للتمييز الطائفي كما كان في السابق، فضلاً عن ارتفاع مستوى التعليم فيه واقتصاده الحيوي، لكن لا يعني هذا ألا يقام له حساب.

وقد تصبح في غضون سنتين، عندما تشارف مرحلة البريكست الانتقالية على الانتهاء، غالبية سكان إيرلندا الشمالية من الكاثوليك والقوميين ولن تكون منالبروتستانت والوحدويين. ففي الإحصاء الأخير في العام 2011، كان البروتستانت 48 في المئة من السكان مقابل 45 في المئة من الكاثوليك. وليس البروتستانت شريحة متناقصة العدد فحسب من مجمل السكان بل هي كذلك هَرِمة، وتُظهر أرقام من العام 2016 أن الكاثوليك يشكلون 44 من اليد العاملة والبروتستانت 40 في المئة. ومن المُلفت أن 51 في المئة من أطفال المدارس في إيرلندا الشمالية هم كاثوليك مقابل 37 في المئة فقط من البروتستانت.

نسبة البروتستانت هناك تتراجع، لكن كثيرين كانوا يُحاجّون بأن هذا الواقع غير مهم سياسياً، لأنه من الخطأ الاعتقاد بأن الكاثوليك كلهم يريدون إيرلندا موحّدة. وشعر كثيرون أنهم كانوا في وضع أمثل حين كانوا يحصلون على رعاية طبية مجانية ومنحة مالية سنوية مقدارها 11 مليار جنيه إسترليني من المملكة المتحدة.

لكن البريكست غيّر المعادلة. فحين صارت إيرلندا والمملكة المتحدة عضوين في الاتحاد الأوروبي، كانت الولاءات الدينية والقومية غير واضحة. فقد صوت كثير من البروتستانت في الاستفتاء، بخاصة أبناء الطبقة المتوسطة، لصالح البقاء، لكن التصويت كان لا يزال مبنياً على أسس طائفية. "بعد بريكست لن تجد كثيراًمن القوميين الذين لن يصوتوا لإيرلندا متوحّدة في استفتاء جديد على الحدود مهما كان رأيهم في السابق" بحسب أحد المُعلقين، على الرغم من ذلك، إذا نُظم مثل هذا الاستفتاء، فالمرجح أن تبقى أغلبية ضئيلة تؤيد التوحّد مع بريطانيا العظمى.

لو وافق مجلس العموم في نهاية المطاف على صفقة تيريزا ماي مع الاتحاد الأوروبي فسيؤجل البت في قضية الحدود المُحكمة. لكن أي عودة لها ستضع إيرلندا الشمالية في طريق يفضي إلى الأزمة والعنف. أغبياء، أغبياء، الإنكليز أغبياء.

© The Independent

المزيد من آراء