Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يشد أنشوطة الديون على السودان

الحكومة الانتقالية تواجه معضلة تقلص ثروة البلاد بسبب الفساد وانفصال الجنوب

انهيار الجنيه السوداني وتصاعد معدلات التضخم (حسن حامد)

لم يكد برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، يتسلّم شحنة المساعدات التي جاءت تمخر عباب البحار قادمةً من الولايات المتحدة، قبل أربع سنوات حتى تزايد الانتباه إلى أن السودان غارقٌ في ديونٍ لم يعد يحتملها بعدما تقلّصت ثرواته بسبب الفساد من جهة، ومساحته بانفصال الجنوب من جهة أخرى، في حين كان عاجزاً عن تسديدها قبل التقسيم.
كان السودان ولا يزال يعاني من مشكلة الديون الخارجية، وفاقم الأزمة عدم وفاء المجتمع الدولي بوعوده التي قطعها إبان مفاوضات نيفاشا في عام 2005 بإعفائه من الديون في حال الوصول إلى صيغة لتحقيق السلام الشامل. كما لم يرد اسم السودان في البيان الذي أصدرته كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، وجاء فيه إن "المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي وافق على تخفيفٍ فوريٍّ لأعباء خدمة ديون 25 بلداً عضواً في الصندوق من خلال الصندوق الائتماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون (CCRT) بعد تجديده، وذلك في إطار استجابة الصندوق الرامية إلى مساعدة البلدان الأعضاء في التغلب على تأثير جائحة كوفيد-19".

خيبة أمل

 تسبَّب خلو قائمة صندوق النقد الدولي من اسم السودان بخيبة أمل واسعة للسودانيين، إذ كان يؤمل بإعفاء البلاد من ديونها الخارجية المُقدّرة بـ 56 مليار دولار تقريباً، بعد قيام الثورة والوفاء بشروط إزالة اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما يهيّء البلاد لجولة جديدة مع معضلة الديون التي أطلَّت برأسها وهي جزءٌ من أزمة السودان الاقتصادية الأساسية. ويظهر عِظم الأزمة بشكلٍ يقف جنباً إلى جنب مع مشاهد الغلاء وصفوف الخبز والبنزين، ولكن هذه المرة من منظار أروقة المؤسسات الدولية، بينما الشارع السوداني يئنُّ بانتظار جراحة لجسد الاقتصاد تكون أقلّ إيلاماً من شروط صندوق النقد والبنك الدوليين المتمثِّلة في إعادة الهيكلة والخصخصة ورفع الدعم عن السلع.



قراءة في التداعيات

في مقاله "وباء الكورونا وتداعياته الاقتصادية: قراءة أولية" الذي نُشر في صحيفة الصيحة السودانية في 16 أبريل (نيسان) الحالي، قال التجاني الطيب إبراهيم وزير الدولة للمالية فى حكومة الصادق المهدي (الديمقراطية الثالثة)، الاقتصادي السابق في صندوق النقد والبنك الدوليين، إنَّ هاتين المؤسستين الماليتين، إضافة إلى منظمة الصحة العالمية، طالبت المجتمع الدولي بتخفيف عبء الديون على الدول النامية لمساعدتها في التعامل مع تداعيات وباء كورونا بإعفاء خدمة الديون، المقدَرة بحوالى تريليون دولار حتى نهاية عام 2020. كما اقترحت منظمة العون الإنساني "أوكسفام" حزمةً متكاملةً للدول النامية والفقيرة في حدود 5.2 تريليون دولار لتجنب وقوع نصف مليار شخص في دائرة الفقر، وعودة الحرب ضد الفقر إلى مربع الصفر. وأضاف إبراهيم أنَّه "وفق تداعيات كورونا المحتملة عالمياً ومحلياً، فإنَّ نمو الاقتصاد السوداني سيكون سالباً بنسبة 3 في المئة على أقل تقدير، ما يعني مزيداً من البطالة والفقر. كما أن عدم تمكن المنتجين من الحصول على مدخلات الإنتاج والمستهلكين من الوصول إلى الأسواق بسبب الحجر المنزلي والتباعد الاجتماعي قد يؤدي إلى أزمة غذاء عالمية، ما سيؤثر سلباً في فاتورة الواردات الغذائية. وكذلك النقص في الإيرادات العامة نتيجة تباطؤ الاقتصاد المحلي المتوقع، سيشكل تحدياً حقيقياً لبلد أقعدته الحرب والصراعات والدولة الرخوة".

 كما أوضح أنَّه يُتوقع أن يتأثر الاقتصاد السوداني "باحتمال تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والصادرات وتحويلات المغتربين السودانيين بالإضافة إلى التأثير السلبي للركود الاقتصادي في الدول المتقدمة والناشئة والنفطية على مساعداتها للسودان، لأن الضغوط الداخلية في تلك الدول قد تضطر حكوماتها إلى خفض مساعداتها أو وضع شروطٍ بشأنها لزيادة نفوذها السياسي والاقتصادي".


بداية معضلة الديون

كان السودان من الدول الأفريقية التي عجزت عن الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية بعد استقلالها في خمسينيات القرن العشرين. ولم يكن لأسواق رأس المال الإقليمية أي وجود حينها، فاعتمد مبكراً وكغيره من دول القارة على "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" في تنفيذ عمليات التنمية. ودشّن السودان منذ سبعينيات القرن الماضي معظم المشاريع بالديون التي تراكمت بسبب الفوائد، بينما أثّر عدم السداد في تدفق المشروعات الاستثمارية للتنمية إليه.
منذ بدايات العقد الأول من هذا القرن تشكّلت حملتان غربيتان، حشدتا الجهود من أجل إسقاط الديون عن أفريقيا. الأولى هي حملة "يوبيل 2000" العالمية، المكونة من منظمات من المجتمع المدني ووزراء مالية رؤساء حكومات سابقين، أبرزهم رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون. أما الثانية فهي حملة جيمس بيكر، وزير الخارجية الأميركي الأسبق. وعلى الرغم مما قامت به الحملتان إلا أن جهودهما لم تنجح سوى في الحصول على وعود دفعتهما إلى التنازل عن المدخل الإنساني والتركيز على الجانب القانوني في مواجهة البنك وصندوق النقد الدوليين. ولكن أيّاً من الدول الأفريقية بما فيها السودان، لم تجرؤ على اللجوء إلى البنود التحكيمية التي تشملها اتفاقيات القروض وتسمح بالمساءلة في حال استغلال الدول الفقيرة وتوريطها في مزيدٍ من الديون.
على الأثر، تولت المؤسستان الماليتان الدوليتان تحديد وتقييم وتمويل والإشراف على بعض المشاريع التي أدت في ما بعد إلى تراكم ديون السودان والدول الأفريقية تدريجاً. ومع كل تلك الإجراءات الباهظة، إلا أن أغلب المشاريع لم ترتق إلى حدود المسؤولية بتحصيل العائدات لتسديد هذه الديون، وبدلاً من أن تساهم هذه المشاريع في التنمية، التزم السودان تجاهها بخدمة ديونه وتسديد فوائدها ما دعا إلى مزيدٍ من الاقتراض وتفاقم حدة الفقر. كما أن الإجراءات تسبّبت بخللٍ جوهريٍّ تمثل بوقوف اقتصاد السودان وبقية الدول الأفريقية في مواجهة الجهات الدائنة، ما يؤدي إلى الاستسلام للإغراءات المالية، ولكن مع عواقب تحمُّل أسعار فائدة أعلى لديونها. وهذا الأمر بالإضافة إلى انطوائه على مخاطر أخلاقية، فهو يضع صدقية وجدارة هذه الدول الائتمانية على المحك.
 


وعود الإعفاء

 شهدت الأعوام الأخيرة مساعي دولية حثيثة لمعالجة أزمة ديون السودان، وبدلاً من أن يكون قيام الثورة السودانية معيناً على حلِّها، وجدت الحكومة الانتقالية نفسها مضطرة للسير في الطريق الوعر الذي خلَّفته الحكومة السابقة. ومن تلك العوائق، أن انفصال الجنوب كان أحد بنود القضايا العالقة، ففي عام 2010 ناقش المبعوث الأميركي إلى السودان إسكوت غرايشون مع وزارة المالية السودانية مقترحات لإعفاء السودان من ديونه الخارجية. وكان سعي غرايشون وقتها معقوداً بناصية الأمل التي فردتها الولايات المتحدة في شكل حِزَم حوافز لمعالجة هذه الديون، إلَّا أن الآمال لم تسفر عن أي معالجة تُذكر.

تلى تلك المحاولة، الاجتماع الدولي بالخرطوم لمناقشة ديون السودان في عام 2011، بحضور ممثلين من أبرز دائنيه وهم "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" و"نادي باريس"، ومشاركة دول دائنة أخرى هي السعودية والكويت والصين والهند. وكانت الدعوة إلى إعفاء السودان من الديون من أجل تخفيف الضغط عليه تقديراً للظروف السياسية التي يمر بها. ثم وصولاً إلى عام 2012 حيث أسفرت الاجتماعات التي أجراها وفد الخرطوم مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في اليابان عن اتفاق السودان مع دولة جنوب السودان على الاتصال مع المجتمع الدولي لحضه على الإعفاء من الديون، وفي حال تعذر ذلك فإن الخيار الوحيد أمام الدولتين هو تقاسم الدين.
وفي فبراير (شباط) 2014 وصلت بعثة من صندوق النقد الدولي، وفي جعبتها برنامج أعدته كأحد متطلبات النظر في حل ديون السودان الخارجية، بناءً على طلب الحكومة السابقة لحاجتها إلى الاستفادة من مبادرات المؤسسة المالية الدولية. وعلى الرغم من ذلك التحرك إلا أنه كانت هناك مواقف مناوئة داخل هذه المؤسسات المالية ترى أن إعفاء السودان من الديون، من دون الاتفاق على إطارٍ أفضل لتقديم المعونات له بخاصة في ظلِّ ظروف الحروب المستعرة في أكثر من جبهة، يُعدُّ تحركاً مفتقِراً إلى الحكمة لأنَّه يخدم الحكومة ولا يخدم الشعب. ويظهر هذا بجلاء بخاصة في ظل عدم توقع أن يسدد السودان ديونه، بل سيساعده وضعه المتلقي للمنح والإعانات على التمادي في تلقي مزيد من القروض الآجلة بشكل يفوق قدرته على السداد. وهذا برأي كثيرين، هو ما حدا بالبنك الدولي أن يعلن في مايو (أيار) 2014 أن السودان غير مؤهل للاستدانة من صندوق النقد. واعتبر البنك الدولي أنه بالإضافة إلى المتأخرات المتراكِمة عليه، يبدو أن السودان يئس من إصلاح حاله، وأشار في تقريره إلى أن نصف سكان السودان تحت خط الفقر. ولم يكتفِ التقرير بذلك بل أعلن إغلاق "صندوق دعم المانحين القومي للسودان" رسمياً، بعد انتهاء فترة عمله التي استمرت منذ ما بعد اتفاقية السلام الشامل إلى ديسمبر (كانون الأول) 2013 وإنشاء صندوق إنمائي جديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الشدُّ على الأنشوطة

 لم يكن غريباً ألَّا تسفر هذه  التحركات عن حلٍّ لأزمة الديون، بخاصة بعد الإحاطة بما يكبِّل تلك التحركات. ولم يكن اقتراح الحلول يسري على أرضٍ منبسطة ولكن واجهتها عقبات عدة، إذ ربطت بريطانيا تقديم مساعدات للحكومة السودانية السابقة بوقف الحرب في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ولكنها في الوقت ذاته أعلنت تقديم 8.4 مليون جنيه استرليني (6 ملايين دولار) لإغاثة نحو 315 ألف شخص في المناطق المتضررة. كما شكّلت العقوبات الأميركية على السودان، عائقاً كبيراً في حلحلة ديونه نسبة إلى استنادها إلى تشريعات معقدة مرتبطة بالأوضاع الأمنية، كما شكلت منظومة سياسية داخل الإدارة الأميركية يصعب اختراقها. وكانت دولٌ أخرى مستعدة لتقديم إعفاءات للسودان ولكن تمّ صدّها، مثل إعلان هولندا قرارها إعفاء ديونها المستحقة على السودان والبالغة قيمتها 200 مليون دولار، فرأى معارضو القرار أنَّه يشجع نظام الخرطوم السابق على انتظار إعفاءات مماثلة من دول ومؤسسات أخرى.
تراكُم ديون السودان التي قفزت إلى 56 مليار دولار وفق أرقام صندوق النقد الدولي، وزيادتها المضطردة وتشابكها مع الأجندة المفتوحة مع دولة الجنوب، تقف عائقاً أمام الاستفادة من المبادرات والمدخرات والتسهيلات الميسرة من الأسواق المالية الدولية لتنفيذ أجندة التنمية. كما يشكل عامل الإعسار العالي، خطورةً إضافية في حلِّ مشكلة سداد الدين.
وأوضح الدكتور صديق أمبده في ورقته "نحو إصلاح مؤسسي وسياسات اقتصادية داعمة للاستقرار بعد التوافق السياسي"، أنه "من الناحية الفنية فإنَّ السودان وبموجب مؤشرات التأهيل للاستفادة من مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون هيبك HIPC)) قد استوفى الشروط، ولكن العقبة التي تقف في طريقه هي عدم سداد متأخرات مؤسسات التمويل الدولية الرئيسة مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي والبالغة نحو 5.2 مليار دولار حتى عام 2014، والتي يجب سدادها كاملة لتطبيع العلاقة مع هذه المؤسسات. ومع العلم أن السودان لا يملك هذه الموارد المالية فإنَّ الخطوة الأولى هي البحث عن تمويل جسري (Bridge financing) من واحد أو أكثر من شركاء التنمية المانحين ليمنح قروضاً بغرض سداد متأخرات الصندوق البالغة 1.5 مليار دولار، الأمر الذي سيفتح الطريق لاستدانة جديدة من الصندوق ذاته يسدّد به القرض وفق أحد برامجه المعدّة لمثل هذه الحالات. وبعدها يمكن للسودان أن يبحث عن تمويلٍ من دول صديقة لدفع متأخرات البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي.
أما عن إعفاء الديون فيقول أمبده إنها مرتبطة بشروطٍ محددة وهي، أن يكون قرار الإعفاء متخَذاً بإجماع دول نادي باريس وهي الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. ثم يتواصل السودان مع الدول الدائنة من غير أعضاء نادي باريس (الدول العربية والصين وغيرها) والبالغة متأخرات ديونها 9 مليارات دولار ثم ديون نادي لندن للبنوك التجارية، ثم تقوية العلاقات مع الدائنين، فضلاً عن أنَّ الدول الدائنة الغربية ربطت موضوع إعفاء النظام السابق من الدفع بحلِّ المشكلات السياسية الداخلية وهي وقف الحرب وسجل حقوق الإنسان والحريات العامة.
وما بين الوعود بإعفاء السودان من ديونه بالشروط المذكورة وبين تسليط سيف العقوبات، هناك سببان محتملان لهذا التضارب بين التوقعات والنتائج. فإما أن الضرر الذي أحدثته هذه الديون على الاقتصاد السوداني أشد خطورة مما يعايشه غالبية السودانيين، وإما أن الوعود الزائفة كعلاجٍ للأزمة كانت أقلّ فعالية مما يتصوره صناع القرار السياسي.