Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح هدنة ماكرون العالمية في إنقاذ الاتحاد الأوروبي؟

حلف شمال الأطلسي هو أحد القضايا التي تترنح أيضاً

يبدو ماكرون كمن يخوض معركة ضد حركة التاريخ (أ.ب)

لم يكن المشهد المتداول للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتفاجئ من أعداد الأطباء غير الفرنسيين، خلال زيارته مركزاً بحثياً في مرسيليا الأسبوع الفائت، مشهداً عابراً.

في أبعاد المشهد كثير مما يمكن أن يُحكى عن الديموغرافيا الفرنسية ومستقبل القارة العجوز بأسرها. ومع "كوفيد 19"، فإن الدلالات باتت أشدّ تعبيراً عن أزمة أوروبية مستمرة في التضخم منذ خروج بريطانيا من الاتحاد، على أقل تقدير.

مطلع الشهر الحالي، قرر ماكرون تعيين مستشارة للاتصالات الدولية تأتي من خلفية إعلانية في وكالة علاقات عامة شهيرة.

يمكن القول إن الرئيس الفرنسي قد وضع، بحسب ما تشي خطوات ومواقف كثيرة له، مخططاً لإعادة التوازن إلى أوروبا أولاً، من خلال لعب دور القيادي الأممي القادر على التواصل والخطابة وإقناع أقطاب العالم برؤية تحافظ على هامش تاريخي وجد فيه الأوروبيون في أزمات العالم المعاصر، كما تتيح للحكومات الأوروبية احتواء مرحلة "ما بعد كورونا" على أكثر من صعيد.

قبل ثلاثة أيام، أعلن ماكرون أنه حصل على موافقة 3 من زعماء الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي لهدنة عالمية ووقف لإطلاق النار في المناطق "الساخنة".

يكاد يكون هذا الموقف ذروة الخطوات المتقدمة التي لجأ إليها الرئيس الشاب منذ انتشار كورونا. في خلفية الإعلان أبعادٌ داخلية وأخرى خارجية. وهي تصب في خانة إعادة صياغة الدور الفرنسي– الأوروبي عالمياً.

وفي عالم ينحو باتجاه الانغلاق القومي، بفعل تهديدات الوباء، يبدو ماكرون كمن يخوض معركة ضد حركة التاريخ. فهل يمكن أن يُكتب لرؤيته النجاح؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تفسير الأبعاد التي تحكم هذه الرؤية.

الأبعاد الخارجية والداخلية

شكلّت أزمة إيطاليا مع كورونا وما اعتبرته روما تخليّاً من جيرانها عنها إعلان نعي للاتحاد الأوروبي، ولكنّ هذا النعي ظل مؤجلاً بفعل استمرار المعركة.

من هذه المسألة بدأ ماكرون العمل لإعادة شيء من الثقة بين دول الجنوب الأوروبي، مستفيداً من أن الندّ الآخر المحتمل له، أي ألمانيا بقيادة أنغيلا ميركل، يتحضر لتغيير محلي انتخابي.

من هنا، جاءت دعواته المتكررة لبنك الاستثمار الأوروبي لإصدار "سندات كورونا"، لأجل مساعدة اقتصاديات الدول الأوروبية الأضعف.

وفي خضم انشغاله بمتابعة الحرب على كورونا محلياً وإقليمياً، واصل ماكرون دوره في محاولة لعب دور الوسيط بين روسيا وأوروبا وفي الملف النووي الإيراني، وفي قضايا أخرى تتطلب موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لا يمكن القول إن ماكرون قد نجح في تحقيق اختراقات كبرى في هذه الملفات، لكنه بالتأكيد يمارس دوراً يحتاج إليه العالم الذي قد يرى نفسه بحاجة إلى حرب كبرى بعد كورونا.

بل إن حتى ملف المناخ الذي تدعمه باريس لم يشهد تقدماً في الحوار مع الأميركيين، لكن هذا الواقع لا يمنع الرئيس الفرنسي من محاولة لم شمل بقية دول العالم من حوله.

وهكذا، رفع شعار شطب جزء من ديون الدول الأفريقية لمصلحة أوروبا بسبب كورونا.

الناتو

حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو أحد القضايا التي تترنح أيضاً منذ فترة سابقة لكورونا بأشهر طويلة.

نجح الرئيس الفرنسي في حث الحلف على تشكيل مجموعة عمل طارئة من 10 خبراء لبحث سياسات الحلف بعد أن وصفه ماكرون بأنه "ميت دماغياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بموازاة الحراك الخارجي، يتصدى الرئيس الماكرون بشكل لافت لقيادة "عملية الصمود"، وفق تعبيره، في الداخل، داعياً جميع الأحزاب والتيارات الفرنسية إلى التوحد "لأن الوقت ليس مناسباً للخلافات والشقاق".

ويسجل للسلطات الفرنسية، بقيادة ماكرون، قدرتها على تثبيت رقم الإصابات بكورونا عند منحنى معقول وإن كان مرتفعاً مقارنة بإيطاليا وإسبانيا، بالتوازي مع رفع الدعم المالي لاحتواء أضرار الوباء والإجراءات الناجمة عنه من 45 مليار دولار إلى 100 مليار، فضلاً عن تمويل أكبر حجماً بثلاثة أضعاف لمنع كبرى الشركات من الإفلاس. وقد كانت فرنسا في طليعة الدول المسارعة إلى تقديم إعانات مالية لأكثر من 8 ملايين موظف.

بث الروح

مع الإشارة إلى أن ماكرون يلحظ بوضوح الخلل الناجم عن اللامساواة الاجتماعية في فرنسا، حيث تفيد التقارير الكثيرة عن اعتماد الدولة على أصحاب محلات البقالة وصغار تجار التجزئة وعناصر الشرطة من المستويات الأدنى فضلاً عن الكادر التمريضي في "عملية الصمود"، في حين أن أثرياء فرنسا أثاروا الغضب الاجتماعي بسبب انتقالهم إلى الأرياف حاملين معهم الفيروس من رحلات السفر والسياحة الخارجية.

هذه العوامل الداخلية والخارجية تضع ماكرون أمام خيارات قليلة، في طليعتها الحفاظ على التضامن الأوروبي، ذلك أن القيود التجارية التي فرضها كورونا على العالم تحتّم على مكوّن قاري البحث في إمكانية التعاون بدل التفكك في هذه المرحلة. لكن هذا التضامن المنشود يستلزم مساعدة الدول الأوروبية الأفقر واعتماد سياسة صحية موحدة، وهو ما ينادي به الرئيس الفرنسي.

ما بين الحفاظ على الاقتصاد المحلي ومصالحة الفئات الاجتماعية الفرنسية الأشد فقراً، وبث الروح في الاتحاد الأوروبي وإعادة الحياة إلى الناتو ومدّ يد العون لدول أفريقيا وتبنّي خطاب السلام العالمي، يجد ماكرون نفسه في قلب عاصفة تاريخية يسعى كل قطب عالمي لتشكيلها وفق مصالحه بعد نهايتها.

في العادة، يشهد العالم حروباً وصراعات مفتوحة وشديدة التعقيدة بعد أحداث مماثلة لوباء كورونا المستجد. التجهز للمستقبل يفرض على القادة إعادة صوغ خطاباتهم ومواقفهم لتلائم تهديدات المرحلة المقبلة واحتمالاتها المفتوحة. فهل ينجح ماكرون في تحقيق رؤيته العالمية المدفوعة بمخاوف محلية وإقليمية؟

المزيد من تحلیل