Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيجابيات زمن كورونا فردية وسلبياته دولية

يشكل الفيروس خطراً على حياة البشر لكنه، في النتيجة، يحمل أثراً مزدوجاً

الإيجابية الأهم لزمن كورونا هي عودة الأفراد إلى أنفسهم خلال انعزالهم (أ.ب)

في ميثولوجيا الشرق الأقصى القديم، قاعدة ذهبية، وهي أن لكل فعل في الطبيعة نتيجة إيجابية ونتيجة سلبية، ولكن تختلف نسبة كل نتيجة منهما بحسب نوع الفعل، فبعضها تطغى عليه الإيجابية وبعضها الآخر تطغى عليه النتيجة السلبية. وهكذا يمكن التفريق بين الخير والشر، أو بين الفعل المحرّم، والفعل الواجب القيام به لخير البشر والطبيعة.

هذه القاعدة تنطبق تماماً على نتائج تفشّي فيروس كورونا المستجد حول العالم. فالفيروس نفسه يمثّل خطراً على البشر في أجسادهم ونمط عيشهم على وجه البسيطة، لكن نتائج تفشّي هذا الفيروس يمكن تقسيمها إلى سلبية، وإلى إيجابية في الوقت عينه.

سلبيات فردية أفقية

أصابت نتائج تفشّي الفيروس البشر كأفراد وجماعات، والدول ككيانات بحدّ ذاتها، لذا كان تأثيره أفقياً في العلاقة بين الأفراد في ما بينهم ومع محيطهم الضيق والواسع على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وفي علاقتهم بحكوماتهم في ما يُسمّى بالعقد الاجتماعي البشري، وعمودياً بين الدول في علاقاتها في ما بينها في ما يتعلّق بالدورة الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الدولي أو ما يُسمى بالعقد الاجتماعي الدولي.

في السلبيات يأتي على رأس اللائحة، وفاة بعض المصابين بكورونا. وقد توفي حتى الآن بسببه ما يقارب الـ200 ألف شخص خلال أشهر قليلة. هذا الموت الذي يصل فجأة، أشاع موجة من الحزن على مستوى العالم، هو حزن فردي مباشر للأفراد الذين يموت أقرباؤهم بعد أيام عدّة من الإصابة، وهو حزن جماعي عالمي، لأن الموت المعمّم في كل مكان ينشر طاقته حتى على الأصحّاء من البشر.

وما يزيد تعقيد الأمر أن الإصابة بكورونا قد تقع بطرق غير متوقعة عبر التواصل أو لمس الأشياء، وأن مصابين كثراً قد لا تبدو أعراض المرض عليهم، وبذلك تعيش الجماعة الضيقة في المجتمع، والجماعة البشرية العامة في حالة هلع مستديم، بسبب توقّع وصول الفيروس في أي لحظة. وهنا، يصبح التباعد الاجتماعي أمراً إجبارياً قبل أن يكون وقاية مفروضة على الجميع، وكذلك الحجر الصحي في المنازل. فالهلع الذي يتسبّب به هذا الوباء الخفيّ المتنقّل يفرض على الأفراد قطع التواصل المباشر مع الآخرين، والاختباء أكبر وقت ممكن حتى قبل أن يكون الأمر مفروضاً من قبل السلطات. وهذه العزلة المستجدّة لا بد من أنها ستؤدي إلى نتائج سلبية كثيرة، فالكائن البشري اجتماعي بكينونته، والعزل هو بمثابة سجن اختياري أو إجباري، ويتسبّب بالتوقف عن العمل، أي تأمين لقمة العيش، وتوقف المبادلات بين الأشخاص في المجتمع، وإلى الانعزال بالنفس وما ينتج من ذلك من آلام قد تكون قاسية على عددٍ كبير من الأفراد. فقد توصّل الباحثون عبر عشرات الدراسات إلى وجود علاقة ثابتة بين العزل الاجتماعي والاكتئاب والقلق والتفكير في الانتحار. وبما أن البشر يشعرون بأمان أكبر داخل مجموعات، فإنُ العزلة ينظر إليها كحالة طوارئ جسدية، وفق تصريحات للجراح العام الأميركي فيفيك مورثي. وبرأي مورثي، "على مدى آلاف السنوات، أصبحت قيمة التواصل الاجتماعي مخبوزة في نظامنا العصبي، بحيث أن غياب مثل هذه القوة الواقية يخلق حالة إجهاد (stress) في الجسم".

سلبيات عمودية دولية

على صعيد المجتمع الأوسع، أو المجتمع العالمي، كشف الوباء عن هشاشة نظام التعاون بين الدول، فبدلاً من أن ينشأ نظام من التعاون الدولي من أجل مواجهة فيروس لا يعرف الحدود الطبيعية، راحت كل دولة تعمل على مجابهته بشكل منفرد، حتى لو أضرّ ذلك بقدرات دول أخرى مجاورة أو بعيدة في هذه المواجهة. وما حصل بين دول الاتحاد الأوروبي خير مثال على ذلك، بل وانتقل الأمر إلى خلافات بين الولايات ذاتها داخل أميركا، حيث قررت كل واحدة منها مواجهة الوباء على طريقتها. ومن ثم تركت دول العالم الأول ما يُسمّى بدول العالم الثالث أو الدول النامية لتواجه مصيرها وحيدة، على الرغم من ضعف إمكانات هذه البلدان، التي تشكّل النسبة الأكبر بين دول العالم.

لكن انفراد كل دولة بمواجهة كورونا، على الرغم من دعوات منظمة الصحة العالمية ومن قبلها الأمم المتحدة والباحثين والمختصين ورجال الأعمال المهتمين، إلى اتحاد عالمي لمواجهة الوباء، لم يكن مفيداً لأي من هذه الدول المنفردة في المواجهة والمتفرّدة في اتخاذ قراراتها. لأنّ تخلّص دول الشمال من الفيروس والسماح له بالانتشار في دول الجنوب، في أفريقيا وأميركا اللاتينية ودول شرق آسيا الفقيرة، سيؤدي إلى عودة الفيروس بشكل أقوى، كما حذّر كثر من العارفين. ثم إن الضرر الناتج من الحجر في كل دولة على حدة أصاب كل الدول معاً بأضرار اقتصادية كبيرة، وبكساد يقول بعض الاقتصاديين إنه الأسوأ بعد كساد عام 1929 المعروف. هذا والجائحة لا تزال في منتصفها، على ما يقول متخصصّون في عالم الأوبئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذاً، برز انفراط العقد الدولي، وكساد اقتصادي عام، ثم انكشفت هشاشة الأنظمة الصحية في كل دولة من الدول التي يُفترض أنها مصنّفة "متقدمة". وفي الأسباب المخفّفة لهذا الإخفاق في النظام الصحي، يقال إن الدول لم تكن جاهزة لمثل هذه المفاجأة، أي تفشّي فيروس على مستوى عالمي، على الرغم من تحذيرات لم تتوقف منذ زمن بعيد بأنّ مثل هذا التفشّي ممكن الحدوث، بل سيحدث كما تنبّأ علماء الأوبئة وأفلام هوليوود وبيل غيتس نفسه. أما في الأسباب الوجيهة لإخفاق النظام الصحي العالمي، فهو ما يقوله أعتى اقتصاديي العالم من أن أصحاب الأموال الطائلة في العالم، وهم مشغلو الاقتصاد العالمي عبر البنوك والأسهم والبورصات، وهم عبارة عن شبكة من المصرفيين والسياسيين ومنظّرين اقتصاديين، كانوا يديرون الاقتصاد بطريقة تسمح بتحقيق الربح السريع والأكيد، والقطاع الصحي أو القطاع التعليمي والقطاعات المشابهة، لا تقدّم هذا الربح المرتجى.

إيجابيات فردية وعامة

يُقال إن الحجر الصحي العالمي أعاد إلى البيئة الطبيعية بعض توازنها. فتراجعت حدة التلوث عبر العالم وانحسر حجم غاز الدفيئة في الغلاف الجوي. وقد أسهم تفشّي الفيروس إيجاباً في الكشف عن مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الذي كان سارياً قبله، والذي جعل البشر أشباه آلات يمضون معظم وقتهم في إنجاز أعمالهم خوفاً من السقوط تحت خط الفقر أو عدم تمكّنهم من تأمين أدوات الرفاه التي جعلتها الميديا والبروباغندا أحد أهداف "العيش الكريم". وعدا عن كشفه عن رداءة الأنظمة الصحية، وهذا ما يشكّل نقطة إيجابية لتحسينها، فإنّ بعض المستشرفين المستقبليين من باحثي علم الاجتماع يعتقدون أن السلطة الأقوى في المرحلة المقبلة ستكون بيد القطاعات الصحية والتعليمية وقطاع العدل والشؤون الاجتماعية، بديلاً عن قطاعات المال والاقتصاد والبورصات والأسهم.

على المستوى الفردي، وبحسب علماء النفس، فإنّ الوباء العالمي، أسهم في انكشاف مسائل حياتية تفصيلية كانت قد أضحت مهملة من قبل الجميع. فالعزل أو الحجر أعاد إلى البطء في العيش قيمته، بعدما باتت الحياة اليومية للأفراد تسير بوتيرة سريعة تدخلهم في دوامات الكآبة. عدا عن تحوّل في معنى علاقتهم بالطبيعة والحياة، فقد أعاد العزل المنزلي إلى الطبيعة الخارجية بترابها وشجرها وسمائها وبحرها، قيمتها التي كاد إسمنت المدن وهوس العمل يخفيها نهائياً، ثم أعطى للحياة معنى أقوى لدى الأفراد، إذ يقول بعض علماء النفس، إنه في المرحلة المقبلة سيعمل كل فرد على استغلال كل لحظة في حياته على وجه الأرض، لأنه عاش تجربة فقدانها نهائياً.

ثم تغيّرت مفاهيم العلاقة بالعائلة وتحديداً مسنّيها. فبعدما كادت العائلة كوحدة أساسية في تشكيل المجتمعات تذوي وتختفي في كثير من المجتمعات وعلى رأسها المجتمعات الصناعية، ها هم الأفراد يفتقدون إلى تلك العلاقات الحميمة بعدما ذاقوا طعم فقدانها، وباتوا يعطون أهمية للمسنين في العائلات الذين حوّلهم الفيروس إلى الفئة الأكثر هشاشة والأكثر تضرّراً منه.

والإيجابية الأهم هي عودة الأفراد إلى أنفسهم خلال انعزالهم، عبر الوجود مع الذات والتعرّف بها، بعدما كادت ساعات العمل اليومية الطويلة أن تقطع علاقة الشخص بنفسه الداخلية. وكذلك أدت إلى تقارب بين أفراد العائلة الصغيرة في المنزل، أي الأم والأب والأولاد، وانتشرت طرائف كثيرة، عن طلب الزوج الزواج من زوجته بعدما تعرّف إليها خلال الحجر، أو إعجاب الأم والأب بأولادهما وذكائهم وهواياتهم خلال الحجر، وكأنهم كانوا غرباء عنهما قبله.