Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفط سلعة غريبة الأطوار... تأبى الرشد حتى في "السبعين"

كيف قادت السعودية معارك النفط من "دولارين" إلى 150 دولاراً؟ وكيف يعيش أرباب الصناعة والمستهلكين في استنفار دائم؟

على الرغم من مضي وقت طويل على التعامل مع "النفط" بوصفه سلعة مؤثرة في حياة المنتجين والمستهلكين، فإن السائل الثمين يأبى الرشد، ويعود إلى عنفوان صباه كلمّا عنّ له ذلك، حتى وهو في السبعين من عمره في المنطقة العربية على الأقل، التي ضرب أهلها من قديم الزمان الأمثال لـ"سفاه الشيخ" الذي لا حلم بعده.

وهكذا كان الزيت العربي "أبو طبيع ما يترك طبعه"، كما يقول السعوديون، فما إن يتنفّس منتجوه الصعداء لاستقرار أسعاره عند رقم يرتضونه ويرونه عادلاً، حتى يتعالى أنين المستهلكين من "سبعينيّ" لا يمكن التنبؤ بما يملي عليه مزاجه "غريب الأطوار".

خصوصاً بعد أن تطبّعت دول تنتجه بذلك الطبع، فصارت السعودية، مثلاً، حسب وزير الطاقة فيها، الأمير عبد العزيز بن سلمان، تقول "كنا قبل أسابيع نستجدي خفض 1.5 مليون برميل، فإذا بالرافضين في (أوبك بلس) وآخرين، يوافقون على إقرار تخفيض تاريخي غير مسبوق بـ 10 ملايين برميل"، تقول المصادر السعودية إنها قابلة لأن تتطور إلى 19 مليون برميل، لكأن الزيت ومنتجيه، حتى من الروس والمكسيك والبرازيل، جرت فيهم دماء قوم عمرو بن كلثوم ممن لا يعرفون إلى التوسّط طريقاً، وإنما "الصدر دون العالمين أو القبر".

معارك نادرة ضد الارتفاع

وهكذا كان الذهب الأسود، كما يروي رئيس أرامكو الأسبق علي النعيمي، وهو يوثّق محطات ملاحقته سلعة بلاده الأولى بين العواصم منذ التنقيب حتى حقيبة الوزارة، قائلا "اتّسمت جميع معاركنا السابقة بمحاولة دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، ولكن منذ عام 2008 فصاعداً أخذنا نناضل لكبح جماحها. لكم يكن ذلك أقل صعوبة، بل تطلب جهداً وتنسيقاً على صعيد عالمي".

وتابع "ففي 3 مارس (آذار) 2008 بلغت عقود النفط في بورصة نيويورك التجارية (نايمكس) 103.95 دولار للبرميل، وهو أعلى سعر سُجّل على الإطلاق، متجاوزاً بذلك الرقم القياسي الذي حققه في أبريل (نيسان) عام 1980 بتسعة عشر سنتاً، بعد تعديل السعر بحسب التضخم، ليعادل بذلك أربعة أضعاف متوسط السعر قبل بضع سنوات. ولم يبدُ أن الأسعار ستشهد انخفاضاً قريباً".

ومع أن لذلك الارتفاع أسبابه المنطقية بعض الشيء الآتية من فنزويلا والمكسيك والعراق وأسكتلندا، إلا أن السعودية بخبرتها النفطية، أدركت أن العالم "بصدد أزمة إن استمر ارتفاع أسعار النفط. فلطالما طالبنا باستقرار الأسعار لتعكس التوازن في كلفة خلق العرض والطلب بما يقتضيه واقع النمو الاقتصادي في العالم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن مع مرور الأيام في ربيع 2008، يسجّل النعيمي في شهادته أن أسعار النفط لا تعكس واقع السوق رغم الأسباب المشار إليها، "فلم نستطع العثور على مشترين إضافيين لنفطنا خلال هذه الفترة، مما يشير إلى أن الاقتصاد العالمي أضعف مما يعتقد الكثيرون". إلا أن سعر النفط الخام استمر في الارتفاع إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، وواصل ارتفاعه إلى 130، ثم اتّجه صوب 140، قبل أن ينكشف أن "المضاربة في السوق الآجلة أسهمت كثيراً في ارتفاع الأسعار".

وهي المرحلة التي وصفها وزير الطاقة الأميركي آنذاك، سام بودمان، بـ"العصيبة"، إلا أن تحركات واشنطن والبيت الأبيض، اصطدمت بواقع لا بدّ فيه من الرياض، التي يعرفون تأثيرها في اللعبة جيداً، ووفائها بالتزاماتها الدولية، فهي تعتقد أن السعر العادل للبرميل حينئذ هو 75 دولاراً، بما لا يثقل كاهل المستهلكين، ويفي بالتزامات المنتجين في تطوير الصناعة.

لكن تصرفات المنتجين خارج أوبك، مثل روسيا، وعدم التزامهم الوعود التي قطعوها، دفعت النفط إلى انهيار سريع، فلم ينتهِ العام حتى وصل 30 دولاراً للبرميل، فكان لا بدّ من التحرك سريعاً أيضاً، حتى انتعشت أسعار النفط في يونيو (حزيران) 2009 مرتفعة إلى 60 دولاراً للبرميل، بفضل قيادة السعوديين لقاطرة تسير على حدّ السيف، فيعود النعيمي إلى القول "بذلت قصارى جهدي لضبط النفس خلال انهيار سعر النفط. فقد كنت أعرف أن ذروة السوق التي بلغت 147 دولاراً لم تكن حقيقية، إلا أني أدركت أيضاً أن أقل سعر بلغه برميل النفط بحدود 32 دولاراً ليس واقعياً هو الآخر".

 وما أشبه الليلة بالبارحة، فحرب الأسعار التي أشعلها الروس وكادت بإقرارهم أن تهوي بالنفط إلى 10 دولارات هذه الأيام، أعادت الاستنفار. لكن الرياض ردت تحيتي الرفع والخفض بأحسن منها، إلا أن جنون أسعار النفط من "دولارين" في الستينيات إلى 150 دولاراً في هذه الألفية، لا يبدو أن معاركه ستنتهي.

العربي كبش الفداء

ولم تكن السياسة بعيدة عن دهاليز ذلك الجنون، فيذهب الكاتب الكويتي محمد الرميحي إلى أن أسعار النفط وارتفاعها في الثلث الأول من السبعينيات كانت المشجب الذي عُلّق عليه الكثير من المشكلات الاقتصادية ونتائجها السياسية والاجتماعية، وكان العربيّ كبش فداء، فهو صاحب آبار النفط وهو المتحكم في الاقتصاد العالمي، وهو ناهب خيرات العالم الصناعي والعالم الفقير أيضاً، وهو أخيراً طفل العالم الذي وجد ثروة أسطورية فجأة ولا يعرف كيف يتصرف بها، فلا بأس إذن من الحجر عليه إن أمكن.

ويرى الرميحي في دراسته عن النفط والعلاقات الدولية أن اتحاد المنتجين "أوبك" استطاع أن يقلب السحر على الساحر، فالولايات المتحدة، البلد الذي هندس فكرة رفع أسعار النفط في بداية السبعينيات لتحقيق هدفين رئيسين، انقلبت عليه سياسته حتى جعلته يلوح بالتهديد باحتلال منابع النفط بالقوة، مبيناً أن الهدفين يتمثلان في إيجاد قاعدة لتجديد البحث عن حل سياسي لمشكلة الشرق الأوسط، والثاني القناعة بأن العالم الصناعي خارج أميركا يحصل على الطاقة بأسعار رخيصة، لذلك فإن رفع سعر النفط ينشّط قدراتها الصناعية من جهة ويوازن مدفوعاتها من جهة ثانية.

وبيّن أن تخوف الأقطار الغربية المستهلكة للنفط دفعها إلى خلق تنظيم مضاد، وهو نادي المستهلكين، وهو الوكالة العالمية للطاقة، إلا أن الاختلافات الثنائية بين الأعضاء لم تتح للفكرة النجاح، وأصبح الخيار المتاح هو الضغط من الداخل من خلال خلق مجموعة من المشكلات السياسية والحدودية والعسكرية والعرقية والدينية لبعض أقطار "أوبك".

منطق السوق

ويوضح عبد الخالق مطلك الراوي أن تحديد أسعار النفط الخام يرتبط وفقا لنوعيته ومصدره، فالنفط الخفيف أغلى ثمناً في سوق النفط العالمية من النفط الثقيل، وتوجد أكبر أسواقه في لندن ونيويورك وسنغافورة مثلاً، مضيفاً أن هناك معايير لتحديد أسعاره على مستوى العالم، حيث اختير خام برنت في المملكة المتحدة ليكون مرجعاً عالمياً، وفي منطقة الخليج يستخدم خام دبي كمعيار لتسعيرة نفوط المنطقة، وفي الولايات المتحدة خام وسط تكساس المتوسط معياراً لذلك.

ويلفت الراوي في كتابه "محاسبة النفط والغاز" إلى أن أسعار النفط غير ثابتة، فهي عرضة للتغير السريع نتيجة عوامل عديدة، سياسية واقتصادية وكوارث وحروب، ويلاحظ عليه ارتفاعه السريع من خلال السنوات الأخيرة بعد احتلال العراق عام 2003 وبشكل كبير، حيث قارب سعره في الربع الثالث من عام 2008 الـ150 دولاراً للبرميل الواحد قياساً بما كان عليه لأكثر من عقدين من الزمن، حيث كان يتراوح بين 15 إلى 38 دولاراً للبرميل، ثم يعود للتراجع في الربع الرابع من نفس العام إلى نحو 40 دولاراً نتيجة الأزمة المالية التي عصفت بالعالم ليعود إلى الارتفاع التدريجي، مضيفاً أن كل هذه العوامل تؤثر بشكل مباشر في تحديد الأسعار، يضاف إليها قوانين الضرائب في كل بلد مما يؤثر بالتالي في صافي الدخل المتحقق.

النفط سلاحاً

من جهته، يستعيد السفير هاشم ناظر، في مذكراته، تباين الموقف السعودي بين عام 1967 و1973 بخصوص إيقاف تصدير النفط، وكيف أدى موقفها ودول الخليج، فيما كان يسمى بالاجتماع التحضيري لوزراء الخارجية بالخرطوم في عام 1967، إلى عدم اتخاذ قرار يقضي بقطع البترول، موضحاً أن الرؤية التي تعبّر عن موقف الرياض آنذاك تؤكد على أن وقف التصدير سينعكس بالضرر على المنتج والمستهلك.

ويذهب ناظر إلى أن السعودية حينها كانت تقدّر أن الضرر سيكون أكثر على المصدّر إليه، وأن قراراً كهذا كان يحتاج ظرفاً سياسياً ملائماً، وهو ما كان ينقصنا آنذاك، على حد تعبيره، وأن الدول العربية حينها تعاني من خلاف حاد سببه قناعة البعض بأن بين هذه الدول من قادنا إلى كارثة، وعليه فإنه ليس لمن كان سبباً في صنع الكارثة أن يملي على من لم يسهم بالكارثة الطريقة المثلى للمواجهة، وهو الخارج لتوه كسيراً.

وعن المقارنة بين قرارات القمة في 1967 وقمة 73، يرى ناظر أن هناك فرقاً كبيراً في الظروف السياسية بين القمتين، ذلك أن الظروف السياسية التي كانت محيطة بكل واحدة منها تختلف تماماً عن الأخرى، ففي 1967 لم تكن الظروف مواتية أبداً، بينما في 1973 كان الوضع مختلفاً تماماً، إذ حقق الجيش المصري انتصاراً عسكرياً حاسماً على الجيش الإسرائيلي، وهذا ما أوجد حماسة استثنائية لدى المجتمعين.

ويقول ناظر إن ما حدث في 73 لم يكن ليتحقق لولا إعداد واستعداد جديين، فلم يكن الملك فيصل بعيداً عن أجوائهما، ذلك أن الرئيس أنور السادات كان يحرص على وضع "الفيصل" في تفاصيل خططه وما ينوي فعله، ويخلص ناظر إلى القول إن الميزة التي ميّزت خطة قطع البترول عام 73 هي قصر مدى الخطة، وعدم استعمالها ورقة ضغط لا نهائية، وهذا كان كفيلاً بجعلها تكتسب فعالية استثنائية.

 

تاريخ من الصعود والهبوط

1861 سعر البرميل أقل من دولار.

1879 سعر البرميل 1.29 دولار.

1900 انحدر سعر البرميل إلى 1.19 دولار.

1920 ارتفع البرميل إلى 3.07 دولار.

1948 بلغ سعر البرميل 2.18 دولار.

1970 كان سعر البرميل 1.81 دولار.

1973 ارتفع سعر البرميل ليصل إلى 4 دولارات.   

1973 حرب أكتوبر، وأعلن حظر النفط ضد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إثر مساندتها إسرائيل في الحرب، وكانت الصدمة النفطية الأولى.

1974 تأسيس الوكالة الدولية للطاقة من قبل الدول الغربية رداً على حظر النفط.

1976 السعودية تشتري أرامكو.

1980 اندلاع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، والنفط يتجاوز 38 دولاراً، فحلّت الصدمة الثانية.

1990 - 1997 طيلة الفترة التي تقع بين نهاية التسعينات من القرن الماضي حتى سبع سنين بعدها، انهارت الاقتصادات الآسيوية، فحلت أزمة ما عرف بعدئذ بالأزمة الآسيوية، فواصل سعر النفط الانحدار حتى بلغ 10 دولارات في 98، ولم تستعد الأسواق عافيتها إلا مع نهاية الألفية الماضية، بجهود مضنية من السعودية وبقية شركائها في أوبك، إذ ارتفعت في 2000 إلى نحو 27 دولاراً للبرميل، بعد ارتفاع تدريجي في 1999، بلغ فيه سعر البرميل 16 دولاراً.

2001 أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وركود اقتصادي وأزمة سياسية أدت إلى تدهور أسعار النفط ما بين 30 دولارا في الأسبوع ما قبل 11 سبتمبر لينخفض إلى سعر 20 دولاراً في آخر السنة نفسها.

2004 كان السعر عند سقف 40 دولاراً في شهر مايو (أيار)، ثم يصل إلى 50 دولارا في سبتمبر من السنة نفسها.

2005 إعصار كاترينا يضرب المنطقة البترولية لخليج المكسيك بالولايات المتحدة، حيث تصاعد سعر البرميل إلى أكثر من 70 دولاراً.

2006 يصل سعر النفط إلى أكثر من 78 دولاراً للبرميل في أغسطس (آب)، مما يساوي 3 أضعاف أسعار 2002، قبل أن ينزل إلى 60 دولاراً في آخر السنة.

2007 انخفاض المخزون النفطي الأميركي في سبتمبر، ما دفع لتصاعد الأسعار إلى 80 دولاراً، وفي أكتوبر (تشرين الأول) وصل إلى 90 دولاراً، ثم 98 دولاراً في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس السنة.

2008 في الثالث عشر من يناير (كانون الأول) تصاعد النفط إلى 111 دولاراً، ثم في 16 من أبريل إلى 115 دولاراً، ثم في التاسع من مايو بلغ 125 دولاراً، وفي الحادي والعشرين منه بلغ 130 دولاراً، بفعل المضاربة والاضطرابات الجيوسياسية، وفي الحادي والعشرين من يوليو (تموز) وصل إلى 147 دولاراً.

2009 - 2020 اتجهت رحلة سعر البرميل منذ يونيو (حزيران) 2009 إلى 60 دولارا حتى استقرت عند نحو 100 دولار لفترة، قبل أن يفسد النفط الصخري المشهد، ويهوي بالأسعار تدريجياً، حتى وقعت حرب الأسعار الأخيرة في 2020 مع أزمة كورونا، التي نجم عنها بلوغ الأسعار إلى قاع القاع حتى كادت تلامس 20 دولاراً من جديد، قبل أن تخرج دول "أوبك بلس" ومعها أميركا باتفاق أبريل (نيسان) الحالي، الذي أنقذ الأسعار.

المزيد من البترول والغاز