Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتراح الاقتطاع من ودائع اللبنانيين لتغطية الخسائر ولد ميتا

عوائق سياسية ومالية أمام المراهنة على شراء متمولين عرب أسهم المصارف

الرئيس اللبناني ميشال عون يترأس اجتماعاً مالياً مع رئيس الوزراء حسن دياب ورئيس مجلس النواب نبيه بري في القصر الرئاسي في بعبدا (أ.ف.ب)

أطلق تسريب مسودة برنامج الحكومة اللبنانية الإصلاحي - الاقتصادي - المالي في الأيام الماضية، سلسلة مواقف معترضة على بعض الإجراءات التي تتضمنها، لا سيما في مجال إصلاح القطاع المصرفي، إذ نصّت على إمكان اقتطاع أجزاء من أموال المودعين لتغطية الفجوة المالية الناجمة عن خسائر المصارف اللبنانية ومصرف لبنان المركزي، نتيجة إقراضها الدولة اللبنانية مليارات الدولارات خلال العقود الثلاثة الماضية، من دون ضوابط تحدّ من آثار المخاطر.

وساد انطباع بعد خمسة أيام على تسريب المسودة، بأنّ شطب جزء من ودائع المدخرين في المصارف فكرة وُلدت ميتة بعد ردود الفعل الرافضة لها، بينما تخشى أوساط سياسية من أن يكون تسريبها تمهيداً لاعتياد اللبنانيين عليها لتطبيقها لاحقاً.

وتسببت التصريحات الاعتراضية من قبل رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع ورئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وعدد من النواب والسياسيين، على خيار الاقتطاع من الودائع (Hair cut) في المصارف، يُضاف إليها ما نُقل عن رئيس البرلمان نبيه بري بأنّ أموال المودعين مقدسة، بتوضيحات من وزير المال غازي وزني الذي قال إنُّ "كل ما يحكى عن الـ  Hair cutغير دقيق وهو يحتاج إلى قانون. بالتالي، لم تتطرق إليه الحكومة لا من قريب ولا من بعيد". وألمح وزني بهذا الكلام إلى أن الحكومة لم تناقش هذا الشق من المسودة في اجتماعها الثلاثاء 7 أبريل (نيسان)، الذي جرى تسريب المعلومات بعده. وأوضح أن الحكومة تتوخّى تنفيذ المرحلة الأولى التي تشمل "استعادة الأموال المنهوبة"، موحياً بذلك أن الحكومة تبحث عن خيارات أخرى لردم الفجوة الكبرى في خسائر القطاع المصرفي ومالية الدولة. وجاء موقف وزني المقرب من بري، مؤشراً إلى أن الأخير يقطع الطريق برفضه هذا الخيار، على إحالته من قبل الحكومة لإقراره في البرلمان، لا سيما أن أمين سر كتلة "التنمية والتحرير" التي يرأسها بري وصف الفكرة بأنها "سرقة القرن".

اقتطاع باسم تحويل المال إلى أسهم

وكان خيار الاقتطاع من الودائع ورد بصيغة تدمج بين هذه الفكرة وبين فكرة الـBAIL IN ، التي تعني تحويل جزء من ودائع زبائن المصارف إلى أسهم في رأسمالها، لإعادة رسملتها تعويضاً عن خسائرها، وبحجة تمكينها من إعادة دورها في تنشيط العمليات التجارية والتمويلية، بعد إعادة هيكلتها وإجراء عمليات الدمج بينها لخفض عددها (45 مصرفاً). وتراهن أطراف في الحكومة عبر الخيارات التي تطرحها المسودة، على أن يهتم عدد من المتمولين العرب والخليجيين بشراء بعض المصارف وفق خطة تعيد تنشيطها، في وقت يعتبر منتقدو فكرة الاقتطاع من الودائع أن الصعوبات التي تعاني منها اقتصادات الدول الخليجية بعد وباء كورونا، لن تشجع هؤلاء على هذه المغامرة، فضلاً عن غياب الثقة بالقطاع المالي اللبناني، ما لم تسبق أي زيادة لرساميل المصارف خطة اقتصادية تحفّز الاقتصاد يكون للمصارف دور فيها. وإضافةً إلى عدم حماسة أي مستثمر خليجي في المصارف أو غيرها، هناك عوائق سياسية تتعلق بالموقف الخليجي من سياسة السلطة اللبنانية بالانحياز إلى السياسة الإيرانية ونفوذ "حزب الله" على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه الذي يراعي تدخل الحزب في عدد من الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف تسريب مسودة البرنامج الإصلاحي عن أرقام تُظهر للمرة الأولى حجم الخسائر المالية التي تؤكد إفلاس الدولة اللبنانية ومعها المصارف الخاصة، إضافةً إلى مصرف لبنان المركزي الذي كان يقترض من المصارف ويحتفظ بجزء من احتياطها ومن أموال المودعين، ثم يقرضها للحكومات اللبنانية المتعاقبة. وتشير المسودة إلى أن الخسائر بلغت 83.2 مليار دولار، وإذا جرى حسم رساميل المصارف منها، تصبح 62.4 مليار دولار. كما تتحدث عن إعادة هيكلة الدين العام وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، عبر تصغير حجمه بعمليات دمج للمصارف واقتطاع جزء من الودائع التي تفوق الـ100 ألف دولار أو تلك التي تفوق الـ200 ألف دولار. ويقود ذلك بحسب الخبراء، إلى خسارة 50 في المئة من قيمتها لسدّ ما يقارب 50 مليار دولار من الخسائر، ويطال زهاء مليون ونصف المليون من المودعين.

أرقام واضحة للمرة الأولى

ويرى عدد من المعنيين بالحلول لأزمة لبنان من النواب والسياسيين والاختصاصيين، تحدثت إليهم "اندبندنت عربية" أن من حسنات مسودة البرنامج، أن الأرقام التي وردت فيها تُذكر للمرة الأولى بشفافية، خلافاً للسابق حين كانت الأرقام تُحجَب عن الرأي العام، بالتزامن مع تطمينات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف وبعض السياسيين، عن ملاءة البنوك اللبنانية وأنّ مدّخرات المودعين محفوظة...

وفي وقت يتضمن البرنامج الكثير من الأرقام والتفاصيل التقنية، وشاركت في إعداده شركة "لازارد" الاستشارية التقنية، وعدد من لجان الاستشاريين اللبنانيين والأجانب التي شكّلها رئيس الحكومة حسان دياب، اجتمعت في السراي الحكومي على مدى الأسابيع الماضية، فإنّ المسودة تتضمن مراحل عدّة، وتؤكد على حاجة لبنان إلى الدعم من المجتمع الدولي ومن الدول العربية، بما يعني اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الذي كان "حزب الله" عارضه ثم عاد فقبل به، شرط عدم الخضوع لشروطه إذا كانت "تمس السيادة الوطنية"، كما أعلن الأمين العام للحزب حسن نصر الله قبل أسبوعين.

وتقدّر مسودة برنامج الحكومة الإصلاحي أن يحتاج لبنان إلى مساعدات مالية من الخارج، وترجّح إدخال مال "طازج" بالعملة الصعبة المفقودة لدى المصارف، من أجل تحريك الاقتصاد والاستثمار بين عشرة و15 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة، هذا إضافةً إلى قيمة الاستثمارات للبنية التحتية المقررة في مؤتمر "سيدر" منذ عام 2018، بزهاء 11 مليار دولار، والمشروط صرفها بتطبيق الإصلاحات المالية والهيكلية، خصوصاً في قطاع الكهرباء، مصدر العجز الرئيس في الموازنة منذ 15 عاماً (مليار ونصف إلى ملياري دولار)، التي وعد بها لبنان، وتعذر تنفيذها نتيجة التجاذبات السياسية التي عطّلت حكومَتَيْ الحريري السابقتَيْن، ومنها الخلاف على طريقة إدارة قطاع الكهرباء الذي تولاه وزراء "التيار الوطني الحر" منذ عام 2010 .

المجتمع المدني والنقابات: 13 مليار دولار

في كل الأحوال، لم يقتصر الاعتراض على خفض قيمة الودائع على القوى السياسية، فوسائل التواصل الاجتماعي ضجت بتعليقات قوى المجتمع المدني ورموز انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الشعبية. وعقد اجتماع لرؤساء نقابات المهن الحرة السبت الماضي، بمبادرة من نقيب المحامين ملحم خلف، الذي قال "هناك مسوّدة من التدابير التي يجري التسويق لها، منها اقتطاع قسم من مدّخرات المودعين، وهي تمثّل جنى عمر الناس والنقابات، فهي محمية بالدستور"، مشدّداً على أنه لا يمكن التطاول على مدّخرات المودعين، ومؤكداً أن "قرارات اتُّخذت لمواكبة الشعب اللبناني بكامله وحماية حقوقه". فلهذه النقابات (تناهز الـ18 نقابة)، صناديق تعاضد وتعويضات يبلغ مجموع إيداعاتها في المصارف زهاء 13 مليار دولار، وهي حصيلة اشتراكات المنتسبين للنقابات وقيمة تعويضات ورواتب تقاعدية وتأمينات صحية، تعود إلى حوالى 550 ألف عائلة، تخوّف النقابيون من أن يشملها خيار الاقتطاع من الودائع.

وتحضّر نقابة المحامين لمطالعة قانونية للطعن في حال تبنّت الحكومة هذا الخيار، مع تقدير بعض من حضروا الاجتماع وأجروا اتصالات بمراجع سياسية منها رئاسة الجمهورية، أنها فكرة لن ترى النور، وجرى تسريبها لجس النبض فقط.

ردود فعل تشعل سجال الحريري - باسيل

وكان الحريري قال إنّ "فترة السماح التي أعطوها (للحكومة) لا تعني السماح لها ولمن يقف خلفها، بـ"تغيير طبيعة نظامنا الاقتصادي المُصان بالدستور أو وضع اليد على جنى أعمار الناس، ويبدو أنها تتجه إلى خطة انتحار اقتصادي. وسيكون لنا قريباً كلام آخر، إذا لم يتم تدارك الأمر".

أما جعجع، فقال "لن نوافق على أي خطة إنقاذية، لأنها لن تكون إنقاذية بالفعل، بل ستعكف على إيجاد موارد للدولة من جيوب الناس ومن دون سدّ مزاريب الهدر والفساد، التي لا تزال مفتوحة على مصراعيها".

وذهب جنبلاط أبعد من ذلك، فرأى أنّ "حكومة اللون الواحد تقدم على مصادرة أموال الناس وتصنيفهم ومحاكمتهم، وفق معايير غير قانونية وغير دستورية، وفق خط سياسي هدفه إلغاء أي اعتراض، وصولاً إلى محاولة تطويع طائفي ومذهبي، للإطاحة بالطائف والسيطرة المطلقة على مقدرات البلد، لضرب ما تبقّى من سيادة أصلاً وهمية وشكلية".

وأشعل الموقف من البرنامج السجال مجدداً بين الحريري وباسيل، الذي يأخذ منذ أشهر منحى متصاعداً، فردّ باسيل مواصلاً الحملة على الحريرية السياسية بالقول "أموال الناس في المصارف حق وستعود إليهم بشكل أو بآخر، إنه أمر محسوم، أي كلام آخر هو للمزايدة". وسأل "هل تعود إلى المصارف والناس والدولة الأموال المنهوبة والموهوبة والمهرّبة على يد من تحكّم بالمال والاقتصاد منذ الـ٩٠ أم ستبقى مع المزايدين؟".

وعلّق مصدر في تيار "المستقبل" على كلام باسيل، مؤكداً على دور الرئيس الراحل رفيق الحريري في إنهاء الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي وإعادة إعمار البلاد، ومتّهماً فريق عون وباسيل بأنه "منذ عودته من المنفى عام 2005 مسؤول عن هدر المال العام وسرقته لمصلحة خاصة".

المزيد من تحلیل