Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ها قد تعلمنا ما يعرفه آباؤنا... عالمنا كله قد يتداعى

افترضنا خطأً أننا في مأمن ومثل الأجيال السابقة التي واجهت الحرب والكساد العظيم سوف نخرج من هذه الأزمة أقل تبذيراً وأكثر كرهاً للمخاطرة

الأجيال الجديدة لم تعاصر الحروب ولم تضطر للعيش وسط التقنين وفقدان الأولويات (عن غيتي )  

خلال سنوات نشأتي، لم أفهم أبداً لماذا كان والداي حذريْن للغاية في ما يتعلق بالمال. ولم يكن لدينا الكثير على أي حال، وعلى الرغم من ذلك كانا مترددين في الإسراف، أو معاذ الله، أخذ قروض كبيرة أو مراكمة فواتير كبيرة لبطاقات الائتمان. لقد كانا ينظران بعين الاستهوال إلى عاداتي في الإنفاق، ونادراً ما كانا ينتقلان من منزل إلى آخر، ويشتريان الملابس لتبقى مدة طويلة، ويحضران ثلاث وجبات من دجاجة واحدة.

عزوتُ ذلك إلى جيل آبائهما. كنا نزور منازل أقاربنا، أنا وأختي، ونجلس في كثير من الأحيان في غرف جلوس قاتمة الألوان على رف المدفأة غالباً صورة بالأبيض والأسود لشاب يرتدي الزي العسكري. لقد كان ابن عم، وابناً لم يعد أبداً.

كانت الحرب هي السبب. لقد عانيا خلال تلك السنوات وما بعدها. كان المال قليلاً جداً وكان العمل بنظام الحصص التموينية.

 ومع ذلك، أعترف، أنني لم أتساءل أبداً عن دواعي حذرهما إلى هذا الحد، بخاصة عندما بدا أن البنوك كانت تتهافت على الإقراض. لقد كانا يتمتعان بوظائف آمنة كمدرسيْن، على الرغم من أنني كذلك لم أكن أقدّر حقاً سبب حرصهم الشديد على العمل في القطاع العام، أو لماذا، عندما تتناول المناقشات الآفاق الوظيفية، كانا يفكران دائماً أولاً في بعض جوانب الخدمة الحكومية.

وكان ذلك ينطبق أيضاً على نظرتهما إلى المعاشات والمدخرات، حيث كانا يشيران باستمرار إلى ضرورة ادخار المال للمستقبل.

أعرف الآن ما يكمن خلف ذلك التردد. حسناً، إنها الحرب العالمية الثانية، وما تناهى إليهما من حكايات الحرب الكبرى (الأولى)، وأزمة الكساد في المرحلة الفاصلة بين الحربين العالميتين. فهما أدركا كيف يمكن للعالم أن يتغير في لحظة واحدة، وكيف يمكن أن ينهار كل شيء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ولم نكن ندرك ذلك أبداً. وكنا نستمتع بأوقاتنا واحتفلنا كما لو لم يكن هناك غد، وراكمنا الديون، وجُنِنّا من أجل حيازة ضروريات الحياة المادية. لم نكن على علم بما قد تخبئه لنا الأيام. لم نكن مكترثين على الإطلاق.

مرت أزمات، طبعاً، على غرار الانهيار المصرفي لعام 2008 وانفجار فقاعة الدوت.كوم وركود وتباطؤ في النمو وإضرابات وطنية. غير أن تأثيرها لم يكن مخيفاً إلى أقصى حد. فبعض الناس فقدوا وظائفهم، وتراجع شطر من الأعمال التجارية. لكن بشكل عام، اقتصر الضرر على قطاع واحد من المجتمع. كما تعلمنا أن الأمور تجري على شاكلة دورات، وكيف أن الأسواق ستهبط بعد صعودها، ثم تصعد مرة أخرى.

ووقعت كذلك حوادث مروعة مثل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) والتسونامي الآسيوي والمجاعات والجفاف والزلازل. لكنها كانت محلية ولم تشمل العالم ككل.

ما لم ندركه هو مدى سرعة انهيار الأمور وكيف سيتأثر الجميع وكيف سيكون الضرر شاملاً. فمثلاً، لم نشهد أبداً يوماً مثل الثالث من سبتمبر عام 1939. في ذلك اليوم، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، ثم حذت فرنسا حذوها، فاندلعت الحرب العالمية الثانية.

قبل ذلك، كان الناس يخشون أن تكون المواجهة آتية، لكنهم واصلوا حياتهم الاعتيادية. ثم جاء الإعلان المجلجل في الساعة 11 صباحاً وانقلب عالمهم رأساً على عقب.

 أنا لا أقول إن المعركة ضد فيروس كورونا سيطول أمدها مثل أمد الحرب. نأمل في أن تنتهي في وقت قصير، في غضون أشهر، لا ست سنوات.

ومع ذلك، تعرضنا لصدمة عميقة عندما أدركنا أن لا شيء آمناً، ولا شيء مضموناً. نعلم جميعاً أن أشياء سيئة قد تحدث لنا كأفراد، وأننا قد نقع ضحايا جريمة أو حادث أو مرض في أي وقت، أو أن الأعمال التجارية قد تتراجع. لكن هذا أمر يؤثر فينا جميعاً في آنٍ واحد.

لقد افترضنا خطأً أننا في مأمن، ولا يسع أي قدر من الثروة أو الممتلكات أن تحمينا. إننا جميعاً في خندق واحد، ولا أحد محصّن، وليس هناك اقتصاد منيع، ولا منظمة ولا مؤسسة محصنة.

فماذا يعني هذا؟ هذا يعني أننا سنخرج من الأزمة أكثر نفوراً من المخاطرة، غير راغبين في أن نعرض أنفسنا لمشاكل مالية، وعازمين على الادخار وضمان جاهزيتنا في حال تكرار حدث فوري شامل كهذا. وفي هذا الجو، يبدو عالم الشهرة والموضة غارقاً في التفاهة. وكانت هذه حاله على الدوام، لكنه الآن تافه فعلاً.

وكما نصبت أحداث 11 سبتمبر رجال الإطفاء وجنود الحروب أبطالاً، فإن أيقوناتنا في عام 2020 هم العاملون الصحيون في الخطوط الأمامية. لم يعد مثار خجل التعبير عن رغبة العمل في الرعاية الصحية ومساعدة الآخرين.

على نحو مماثل، لم يعد متخلفاً اختيار وظيفة في الحكومة، والعمل للدولة، الهيئة المكلفة بمحاولة حل مشكلة كهذه، والتي تهدف إلى ضمان الحماية لمواطنيها – وليس أقلها درجة الأمن التي توفرها حالياً ويتوق إليها بشدة آلاف من الذين فقدوا وظائفهم بسبب فيروس كورونا.

في هذا الصدد، سأل ابني البكر والدي، البالغ من العمر 88 سنة، عما إذا كان الوضع "مثلما كان إبان الحرب، يا جدي؟" أجاب والدي قائلاً "نعم، لكن لم يكن لدينا الإنترنت والهواتف المحمولة والتلفزيون والتدفئة المركزية والطعام... ".

لكن من ناحية، كان السؤال في محله. فالحال ليس مختلفاً. لذا فإنني لن أنتقد مجدداً أبداً جاهزية والدايْ وعدم رغبتهما، على الرغم من سعادتهما، في التخلص من قلق عميق ومزعج. وأمام الإلحاح، يقولان "أنت لا تعرف أبداً ما قد يحدث، عليك الاستعداد دوماً ليوم ماطرٍ". اعتدنا أن نهزأ بذلك اليوم الماطر - أين هو، متى يأتي؟ ها هو قد جاء، ليؤكد أن آباءنا، في نهاية المطاف، لم يكونوا أغبياء.

© The Independent

المزيد من آراء