Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفائز عند الفشل... محمود جبريل!

المفكر الاستراتيجي الذي سقط صريع فيروس كورونا

 المفكر الليبي الراحل محمود جبريل (غيتي)

سفر جبريل

كسب الرهان وإن فشل في الحصول على الجائزة. نعم، لقد غادر المفكر الاستراتيجي محمود جبريل الحياة، ولكن حدث هذا أثناء حرب الحياة، التي تخوضها البشرية ضد فيروس الموت كورونا. خلال شهر مارس (آذار) أُصيب بعدوى، كان قبلها في جنيف لحضور مؤتمر، عُقد حول الأزمة الليبية، بلاده التي تعاني حرباً أهلية، وتدخلاً إقليمياً دولياً، كان ضده بإصرار استراتيجي.

أثناء عودته إلى مقر إقامته في العاصمة المصرية القاهرة، مرّ على إسبانيا. لقد كان كمفكر استراتيجي، دائب السفر للمشاركة في المؤتمرات العلمية والسياسية، فرؤيته أن العلم في الزمن السيبراني يقفز نحو آفاق كانت تحتاج إلى حقب، وأن ملاحقة العلم في الكتب وعن بُعد تقصير، كما أن العالم اليوم بيت واحد، لا بد من التنقل إلى غرفه، كي تكيّف غرفتك معه. هكذا نظر محمود جبريل السياسي إلى المسألة الوطنية في زمن العولمة.

لم يمارس السياسة، كسياسة محض، بل مارس فن الممكن كاستراتيجي. فالمجتمعات كي تتطور بحاجة إلى رؤية، إلى نظرة فكرية ومنهج علمي، أو كما رأى. وقد التحق بثورة شعبه الليبي السلمية، ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، الثورة من أجل الحرية والعدالة. وفي أواخر مارس، تبوّأ بغية نجاحها، منصب رئيس المجلس التنفيذي (مجلس الوزراء). هو أساساً، المفكر الاستراتيجي، وقد مارس العمل في مجال التنمية والتطوير، وأنشأ شركة لوضع الاستراتيجيات التنموية وتدريب الكوادر العلمية والفنية، التي ستنفذ تلك الاستراتيجية.

تبوّأ قبل الثورة في ليبيا، منصب رئيس مجلس التخطيط الأعلى لأشهر، وقد عمل على وضع خطة تنموية استراتيجية. وعن ذلك، كتب سالم العوكلي "عام 2007، زارني الصديق نجيب الحصادي، في درنة، حاملاً معه كعادته حقيبته، المكتظة بتصورات عن مشاريع ثقافية أو ترجمات جديدة، وفي هذه المرة حدثني عن الاجتماع، الذي عقده رئيس مجلس التخطيط الأعلى، د. محمود جبريل، مع بعض الأساتذة والباحثين، من مركز البحوث والاستشارات في جامعة قاريونس، لمناقشتهم حول تعاقد المجلس مع المركز لتنفيذ مشروع ليبيا 2025. طرح جبريل في الاجتماع تصوره كاملاً، ليبدأ وقت الأسئلة من الحاضرين: عما إذا كان ثمة ضوء أخضر، من السلطة العليا، بخصوص هذا المشروع؟ وعما إذا كان له سقف محدد؟ فكان مفاد إجاباته: الضوء الأخضر لم يعد يوجد حتى في إشارات المرور، ملمحاً إلى أنه من الممكن، في أي وقت أن يُسجن بسبب هذا المشروع، أو يُرمى به من حيث أتى، ومشيراً إلى أن من يريد تحمل مسؤوليته فليبقَ، ومن ليس لديه استعداد فليعتذر. أما بخصوص السقف، فقال إن لا سقف محدداً، ومن الممكن الاستعانة بالخبرات الليبية أينما كانت، في الداخل أو الخارج".

لم يفلح في تنفيذ ما خطّط، لكن مخطط المستقبل الذي وضع، طبع في كتاب، يمكن مطالعته والاستفادة منه الآن وهنا، وهو دراسة وبحث تطبيقي، نموذجه ليبيا، لما تمكن تسميته "مثلث جبريل التنموي"، رؤيته الثاقبة كمفكر عملي، يضع التصورات العملية بمنهجية علمية تطبيقية، في خطاطة استراتيجية، يرى فيها أن عناصر التنمية ثلاثة: البشر والثروة والمعرفة، وأن التنمية مثلث قاعدتها المعرفة، ما يمكن أن يسهم في توفير الثروة، لكن العكس غير صحيح. 

بورتريه

محمود جبريل: العقلاني حدّ النخاع، المتفكر حدّ العقلانية، أسّس النفس بمثابرة وجهد، بالعقل والتعقّل، عمل بدأب وخشوع في محراب العلم، لم يكن عجولاً البتة، فالأمور لا تؤخذ جزافاً، وإن كان المستقبل يبدأ الساعة، فالساعة ستون دقيقة، والدقيقة ستون ثانية، لا بد من تمحيص كل الثواني والدقائق. والإلمام بالتفاصيل لا يعني البتة أن ليس ثمة كلٌ يُجمّل المسألة، لهذا تأسس على الدراسة والبحث. يرى النقصان في كل ما يحيط، فابتغى الكمال، وككل متفرّد، كان في حلقة الجماعة، على بُعد بقدر، فلترى الصورة كُن خارجها، هذا ما عرفهُ من المعرفة، سرّ وجوده الساطع.

ككل مفكر، كان العارف أن السهل ممتنع، فكان الجاد في كل مسائله، المختلف، ومن اختلافه لا يُفسد الودّ، الصعب عند المسائل الصعبة، من بمستطاعه أن يجمع المختلفين حيناً، وحيناً ينأى حتى عن النفس، ما أصعب أن تتعقّل، المسائل صعبة المراس، وإن كانت السياسة فن الممكن، فالفكر فن المستحيل، وهو هذا وذاك، ولذا مارس الممكن حيناً بالفكر، وحين اختلط عليه الأمر، مارس درس العلم الأول: حين لا يكون الممكن ممكناً، لا بد من المستحيل طريقة.

بجدية يُحسد عليها، ثابر على أن يكون مختلفاً، وأن يكون اختلافاً حوله، في فترة وجيزة، وهو بجدارة، قد جعل من نفسه محط إجماع، وفي هذا يُذكر بصنوه في الفكر الصادق النيهوم: جامع المختلف عليه. ليس من السهل، أن تكتب النفس بأسلوب: السهل الممتنع.

اهتم كثيراً بما يهتم، لكن في هذا كله، كان المتفكّر المُدقّق، والغريب أنه بهذا جمع حوله كثيرين، فبدأبه أن يكون مختلفاً، دفع أنفساً كثيرة، أن تتفطّن أن المسائل صعبة، وأنّ مراس الصعب العقل، وإن كان للعقل شطحاته، فإنها شطحات عقلانية، لا بد من ممارساتها، حتى يتبيّن الخيط الأبيض من نقيضه.

هذا العقلاني، عند الممارسة شطح كثيراً، فمثلاً حين كسب الرهان خسر، العارف بالعلم، أن أقصر الطرق الخط المستقيم، فرس السياسة، حادت به عن طريق العارف، كان حيناً حادي العيس، الذي تأخذه مسارب الأغنيات عن السبيل، لكن في كل هذا لا تُبعده المتاهات عما يستطيع إليه سبيلاً: العقلانية التنويرية، أُس مأسسه.

كان قد تأسس في محراب العلم كراهب، وكانت السياسة بحاجة إلى المعبد، من دون تجربة مؤسسية، خاض غمار التجربة، نجح عند الخطوة الأولى، لكنّ الطريق طويل ومتشعّب ومعقّد، ولم يكن ليتراجع، لكن أيضاً، إذا كانت المليون خطوة، تبدأ بخطوة، فإنها في الأول، وعند الأخير، مليون خطوة، وعند الخاتمة، كان قد وضع النقطة على السطر...  

ملحق

- ولد محمود جبريل في بنغازي 28 مايو (أيار) 1952، وتوفي في 5 أبريل (نيسان) 2020.

- تحصل جبريل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1975، ثم حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية عام 1980، والدكتوراه في العلوم السياسية والتخطيط الاستراتيجي عام 1985 من جامعة بيتسبيرغ بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية، وعمل فيها أستاذاً محاضراً لسنوات عدّة.

- قاد جبريل الفريق الذي صاغ وشكّل دليل التدريب العربي الموحد، كما كان مسؤولاً عن تنظيم وإدارة أول مؤتمرَيْن تدريبيَّيْن في العالم العربي، عامي 1987 و1988، وإعادة تنظيم جامعة الدول العربية، وتولّى في ما بعد إدارة وتنظيم برامج تدريب عدّة على القيادة العليا للإدارة والتخطيط الاستراتيجي والنفط، في عددٍ كبيرٍ من الدول العربية والأجنبية، وهي قطر وسلطنة عُمان والبحرين ومصر والأردن والكويت وليبيا والمغرب والسعودية وتونس والإمارات وبريطانيا وهولندا وكازاخستان وجنوب أفريقيا وسلطنة بروناي وكوريا الجنوبية وسويسرا.

- عام 2007، عُيّن من قبل معمر القذافي، رئيساً لمجلس التخطيط الاستراتيجي الوطني، والمجلس الوطني للتنمية الاقتصادية الليبية في مشروع "ليبيا الغد"، الذي طرحه سيف الإسلام القذافي آنذاك، وقدم استشارات إلى وزارة التخطيط والشباب والرياضة وجهاز الإسكان والمرافق ووزارةالاقتصاد، ووزارة التعليم، لكن تعرّض الدكتور محمود جبريل ومشروعه الاستراتيجي، للعرقلة من أطراف في السلطة لم تَرُق لهم أفكاره التخطيطية، إذ كانوا سيخضعون للمساءلات القانونية، ويُزاحون من المشهد بسبب اختلاساتهم وفسادهم وعدم كفاءتهم. وبعد محاولات عدّة فاشلة لإقناع النظام السابق بالإصلاح وتمرير خطته الاستراتيجية، اعتذر جبريل عن المنصب، وعاد ليكمل ما أسّسه وبناه في تنمية دول الخليج آنذاك.

- في 23 مارس 2011، أثناء ثورة فبراير، شكّل المجلس الانتقالي الوطني رسمياً الحكومة الانتقالية آنذاك، وعُيّن جبريل رئيساً لها.

- بعد استقالته من رئاسة الحكومة، في فبراير 2012، أسس جبريل، بعد زيارات مكّوكية إلى كل المدن والقرى الليبية، حزب "تحالف القوى الوطنية" ذا التوجه الليبرالي والداعي إلى "الإسلام المعتدل" و"الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة". وفي 14 مارس 2012، انتُخب جبريل رئيساً للحزب.

- في 2012، شارك حزب "تحالف القوى الوطنية" في انتخابات المؤتمر الوطني العام الليبي (مجلس النواب المؤقت)، وقد قدم 70 مرشحاً في جميع أنحاء ليبيا. وبعكس الاتجاه الإسلامي، الذي حدّدته انتصارات الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية والتونسية، فاز "تحالف القوى الوطنية" على حزب العدالة والبناء (الذراع السياسية للإخوان المسلمين في ليبيا)، ليحتل المركز الأول، إذ حصل حزبه على 48 في المئة من الأصوات الشعبية، وفاز بـ 39 من أصل 80 مقعداً في قائمة الأحزاب، إضافةً إلى 25 من أصل 120 من المستقلين. وفي المؤتمر الوطني العام، هناك مرتبطون أيدولوجياً بتوجهات "تحالف القوى الوطنية"، ليكون العدد الإجمالي 64 مقعداً من أصل 80. وهذا ما أغضب تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) في ليبيا، فعملوا على محاربته واختلاق الإشاعات ضده. وقد أجبر تيار الإسلام السياسي وميليشياته المسلحة، المؤتمر الوطني، على تمرير قانون العزل السياسي، الذي يُمنع بموجبه أي ليبي تقلّد أي منصب في فترة نظام القذافي من شغل أي منصب رسمي. القانون الذي مُرّر تحت تهديد السلاح، قام مجلس النواب الجديد في طبرق، بإلغائه لاحقاً.

- استمر إلى يوم وفاته في إلقاء المحاضرات والمشاركة في ندوات عالمية عدّة وقيادة حزبه ووضع كل جهده لحل الأزمة الليبية وإيقاف الحرب في ليبيا.

المزيد من آراء