Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رئيس الحكومة العراقية المكلف بين ثلاثة خيارات مرة

يمارس الزرفي مرحلة تكليفه بمرونة عالية لكسب أكبر قدر من المؤيدين وتحويلهم إلى حلفاء

الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي في بغداد (أ.ف.ب)

يتداول العراقيون في ما بينهم طرفةً معبّرة عن واقعهم المُعقّد، وهم ينادون لحسم اختيار أحد المكلفين لرئاسة الحكومة قائلين: "إذا أردت اختيار الزرفي أو الكاظمي يطلع لك حتماً عادل عبد المهدي، مع هدية ميليشيا جديدة". وعلى الرغم من مرارتها فإنها تجسِّد ذلك الواقع.

الحكومة المستقيلة تدير دولة مأزومة

منذ استقالته في الأول من ديسمبر (كانون الأول) الماضي التي مضى عليها خمسة أشهر، وعادل عبد المهدي يدير حكومة مستقيلة بالكامل، قدَّمت استقالتها الرسمية للبرلمان، وصادق عليها رئيس الجمهورية، وهي في حكم المنتهية.

لكن، العرّاب الإيراني يرفض تلك الاستقالة، حسب توصيف العراقيين، ويطيح أي مرشح آخر، مستخدماً مخالب الميليشيات المبثوثة في المجتمع والمموَّنة بأموال وأسلحة من مخازن الدولة، تمكّنت حتى من ضرب أهداف حسّاسة محرجة للحكومة المركزية فهي مؤمنة بـ"مشروع المقاومة"، ومنادية بخروج القوات الأميركية، واقتلاع قواعدها الثلاث المتبقية بالعراق.

مكلفون لا يرشحون

ومن جهة ثانية، فإنّ المجتمع العراقي والحياة السياسية عموماً اعتادا تداول أسماء مرشحين يكلفون رئاسة الحكومة الشيعية، التي هي من حصة ذلك المكوّن الذي يتقاسم السلطة مع السُّنة والكرد لرئاستي البرلمان والجمهورية بالتوالي.

بدأ تداول اسم المرشح بمحمد توفيق علاوي، الذي أفشلته أحزاب الإسلام السياسي تحت ذريعة أنه لم يكن من توافق الكتلة الأكبر!

وعلى الرغم من كونه من نسيجها ومقلد أمين لمرجعيتها، فإنه لم يوفّق في التكليف الذي منحه إياه رئيس الجمهورية برهم صالح، وكشف في ما بعد مهمة تفاوضه بأنها كانت كمن "يتفاوض مع مافيات، لا مع أحزاب سياسية"، على حد وصفه.

عدنان الزرفي... مكلف سبقته خصوماته

وتكلف أخيراً عدنان الزرفي مهمة تشكيل الكابينة الوزارية، وهذا المرشح الكوفي الذي حمل معه خصوماته قبل تداول اسمه مع رفاق الأمس من حزبه السابق الدعوة الإسلامية الذي وقف ندّاً له حين تسلَّم هذا التكليف من الرئيس برهم صالح، ليشعل فتيل عداء النمور الخمسة من التحالف الشيعي المضاد له ولتكليفه.

يتزعم هذا الرفض المُعلَن رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي زعيم دولة القانون، يسانده رئيس تحالف الفتح هادي العامري، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم الذي طوّر موقفه المحايد إلى موقف ممانع ترشيح الزرفي، وحركة عطاء بزعامة رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض، وحزب الفضيلة مع فصائل المقاومة وقادة الفصائل المسلحة الموالية إيران، الذين أعلنوا من بيت العامري المناوئ الأول للزرفي بأن الأخير "لم يحظَ بمقبولية غالبية القوى السياسية داخل البيت الشيعي" على حد وصفهم، بل وامتنعوا وأغلقوا قنوات التفاوض معه حتى مع كتلته النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، بل ذهب العامري بعيداً من خلال أحد نوابه "أن (الفتح) لم يتخوّف من الذهاب بعيداً إلى المعارضة في حال تمرير الزرفي داخل البرلمان".

الكاظمي... البديل المرتقب

في هذه الأثناء، قدّم التحالف الشيعي مرشحاً آخر باعتباره ورقة ضغط على ترشّح الزرفي تمثلت في مصطفى الكاظمي مدير المخابرات العراقية الحالي، الذي يتمتع بدعم كتل: الفتح والحكمة وسائرون ضمناً ودولة القانون وبعض الأطراف الشيعية، وهو المُعتَرض أصلاً على ترشّحه كما أعلن سابقاً، بعد أن واجه سلسلة اعتراضات من خصومه الذين غيّروا مواقفهم فجأة حال بروز اسم عدنان الزرفي الذي يشترك معه بحمل الجنسية والجواز الأميركيَين، ويشاع أنهما أميركيا الهوى.

"سائرون" وقناعات الصدر

لكن، كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر أبدت موقفاً مغايراً لخيارات المالكي والعامري وحلفائهما، فمن خلال النائب برهان المعموري حول موقف كتلة سائرون "بغض النظر عن اسم المرشح هو دعّم تشكيل الحكومة في أقرب وقت، شرط أن تكون حكومة قوية كفؤة تأخذ على عاتقها حجم التحديات التي يمرّ بها البلد اقتصادياً وأمنياً وصحياً وخدمياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيد أنّ كتلة سائرون رحَّلت الأزمة إلى مجلس النواب وإجراءاته التي يتخذها لتمريره من عدمه، وهو ما أفرز حراكاً نشطاً يبذل مع الصدر وتياره البرلماني "سائرون" لإقناعه بدعم رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي قبيل تكليفه من التحالف الشيعي يسبق تقديم الكاظمي مرشحاً رسمياً.

وتجري قوى شيعية موالية إيران مناقشات لإقناع الصدر بدعم الكاظمي، وحثِّه على سحب دعمه عدنان الزرفي، غير أنّ الكتل الرافضة الزرفي تؤكد أنها "غير مطمئنة" لموقف الصدر الذي طالب بذهاب عدنان للبرلمان والتقيد بالمهلة الدستورية التي تمثل سياقاً شرعياً لتمرير المُكَّلف من عدمه.

تعطيل عقد جلسة البرلمان وتفويت الفرصة

المناورة الأخرى التي ينتهجها المحور الإيراني في شيعة السلطة هي محاولة تعطيل عقد الجلسة البرلمانية والضغط على رئاسة البرلمان لتمرير الوقت وإحراج كل من رئيس الجمهورية ومكلفه عدنان الزرفي بعدم التمكُّن من تمرير كابينته الوزارية. فلا أمل لرئاسة الحكومة أو الجمهورية من دون موافقة 167 صوتاً من الغالبية البرلمانية، حتى ينال ثقة البرلمان، ويكتسب الشرعية، وهذا ما تلوِّح به المجموعة المناوئة ترشيح عدنان الزرفي والضغط على محمد الحلبوسي رئيس مجلس النواب عن المكون المحاصصي السُّني، الذي يتعرّض إلى ضغوط شديدة واستمالات أشد لعقد الجلسة من عدمها.

الكرد خيار موقف الأقوياء

أمَّا الأكراد كما السُّنة فإنهما يشهران موقفاً محايداً عازفاً عن التدخل بقرار الكتل الشيعية، ويعقدان الأمل على انتزاع أكبر قدر من المكاسب من خلال فرض وزرائهم وتوسيع صلاحيات عمل ممثليهم وزيادة الحصة التي يتمتعان بها من الميزانيات وإطفاء الديون، مشتركات توافق الكتل السياسية الشيعية على مرشح متفق عليه إن كان الزرفي أو سواه.

الموقف الكردي تلخص بثلاثة محاور، أولاً الاستمرار بقوانين الإصلاح، وحل المشكلات العالقة بين بغداد وأربيل، لا سيما المطالبة بكركوك، وديون حصص النفط التي صدرت من إقليم كردستان، التي تزيد على مئة وعشرين ملياراً، تصرّفت بها حكومة الإقليم، والاستمرار بمحاربة الفساد في الإقليم وعموم العراق.

مطالب السُّنة العرب

أمَّا السُّنة العرب فهم يلتزمون النهج التفاوضي الكردي ذاته مع الكتل الشيعية، وهي تسمية مرشح واحد متفق عليه، والموافقة على المنهاج الوزاري الذي قدَّمه رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي مع تضمينه مكاسب للمكون السُّني وحرية تسمية الوزراء حسب المحاصصة السياسية.

غير أنّ تحالف القوى المؤلَّف من أكثر من خمسين نائباً سنيّاً أعلن دعمه لترشيح مصطفى الكاظمي، لضمان استقرار البلاد وأمنها، كما سوّغ بيان التحالف.

تحديات الزرفي في التفاوض

اللافت أنّ الزرفي يمارس مرحلة تكليفه بمرونة عالية، لكسب أكبر قدر من المؤيدين، إذ يسعى لتحويلهم إلى حلفاء رغم انفضاض الوسط السياسي عنه بتأثير العامل الإيراني وأتباعه النافذين، ورفضه المعلن من المجموعة الشيعية المنافسة والموالية محور (المقاومة) التي تتبناها كتلة الفتح بزعامة هادي العامري، الذي يُظهر تشدداً ورفضاً مستميتاً ليؤشِّر رفض إيران رجلاً يحمل الجنسية والجواز الأميركيَين، ويتهمونه بأنه عَمِل مترجماً مع القوات الأميركية، التي أسقطت نظام صدام حسين، ومنحت كلّ هؤلاء فرصة الحكم كما يواجههم الزرفي، ويتهم بتنفيذ أجندة أميركية هو ومن رشَّحه برهم صالح رئيس الجمهورية، الذي يتعرَّض لمحاولات إقصائه عن منصبه، كونه متهماً بأنه لم يلتزم الدستور، الذي يقر بمرشح الغالبية، لكنه اكتسب الدرجة القطعية من المحكمة الدستورية العليا التي تعدّ السلطة العليا التي أيدت توافقه مع المادة 76، التي تخوله بتكليف مرشح شيعي يجد فيه مواصفات تحقيق السلم الأهلي وغير إشكالي.

عادل عبد المهدي... خيار إيران المرجح

لكن، الرئيس برهم صالح يُهاجَم من حلفاء إيران، الذين يصروّن على بقاء عادل عبد المهدي بالمنصب، بل محاولة إعادته إليه، على الرغم من كونه مستقيلاً منذ الأول من ديسمبر الماضي، لأنهم كما يرجّح مراقبون كثر لا يجدون مُنفذاً متحمساً للمشروع الايراني في العراق مثله، والمتحمس على توقيع الصفقة الطويلة الأمد بنصف بليون دولار من النفط العراقي مع الصين، وبعقد رفضه كثيرٌ من الاقتصاديين العراقيين المستقلين، وأيَّده المحور الإيراني من السياسيين الشيعة، وأثار حفيظة الولايات المتحدة صاحبة مشروع التغيير في العراق، ما يعقّد مشهد البدلاء المطروحين لرئاسة الحكومة، الذين فُسِّر وجودهم بأنه ما هو إلا محاولة مكشوفة لكسب الوقت، وما يسميه البعض محاولة "تذويب" التظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت ضد حكومته وتطوّرت لمناوءة كل معطيات ونتائج العملية السياسية في العراق، التي أنتجت واقعاً مريراً بشهادة الغالبية المراقبة الشأن العراقي.

الزرفي ينتظر التصويت

هذه المعطيات التي تتأجج كلما اقترب وقت التصويت في البرلمان وعرض الكابينة الوزارية وسلسلة متغيرات متوقعة من طرف محور الكتل الموالية لإيران كلها تؤكد استمرار عدنان الزرفي في تحمُّل وقت التكليف العصيب لغاية نفاذ المدة الدستورية في السادس عشر من أبريل (نيسان) الحالي، أو تتمكّن تلك القوى من الحصول على بطلان التكليف من المحكمة الاتحادية، بعد أن حصلت عليها من مجلس القضاء الأعلى.

المزيد من تحلیل