Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين وباء فيروسي يتفشى وآخر اقتصادي يتسلل... أيهما أشد فتكا؟

الوضع ينذر بنسبة بطالة غير مسبوقة سترافق انحسار موجة الفيروس وتغيرات ستطال الجميع

مشرد يجلس على رصيف شارع فيا ديل كورسو في وسط روما (أ.ف.ب)

 

تطرح بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، التي سجل فيها نهاية مارس (آذار)، 3.3 مليون ملف عاطل من العمل، نظرية مفادها بأن "إجراءات مواجهة كورونا المستجد يمكن أن تكون أشد ضرراً من الفيروس نفسه!".

وبحسب أرقام منظمة العمل الدولية، فإن ملياري شخص حول العالم يعملون في وظائف غير رسمية عرضة لفقدان وظائفهم، كما يُتوقع في أميركا وحدها أن يتجاوز عجر الموازنة حاجز التريليون دولار عام 2020، وإفلاس 50 في المئة من الشركات ولا أرباح فعلية للبقية.

من جهة أُخرى، تطرح منظمة الصحة العالمية ومعها المنظمات والمؤسسات الرسمية والإعلام بكافة أشكاله، الوباء على أنه خطر مُهدِد، يتوجب على البشرية مواجهته بمجموعة إجراءات، من الواضح أنها ذات طابع آني طارئ تهدف للنجاة منه فقط، بعيداً عما ستخلفه من انهيارات وإفلاسات ودمار للمشاريع الصغيرة والشركات المتوسطة والكبيرة، وموت للملايين من العاطلين والمحتاجين والمهددين جسدياً ونفسياً واجتماعياً.

فالوضع ينذر بنسبة بطالة غير مسبوقة سترافق انحسار موجة الوباء، وتغيرات ستطال الجميع حتماً، لكن وكما كل شيء... الأضعف هو الخاسر دوماً، ومُهَددُ الأمس هو ضحية اليوم.

مربع الطوارئ

الأزمة ولدت ونحن في طور نضوجها، والواضح أن كل ما يُتخذ من إجراءات ما زالت في إطار انتظار انحسارها وعلى أمل اختفائها في أي وقت. لا سيناريوهات ولا سياسات مؤكدة للتعامل معها، ولا بروتوكول طبي مسبق، الجميع منشغل بالتركيز على بُعد واحد للأزمة عبر توفير حلول آنية لاحتواء الأضرار والحد منها، في ذروة نشاط الأزمة نفسها. بالتالي ومن منظور مصفوفة الأولويات، كثير من القرارات اليوم تتخذ في "مربع الطوارئ"، حيث الأمور الهامة والمستعجلة فقط. فلا وقت للتخطيط الفعال والقرارات المحسوبة، ولا مكان للمهام الأخرى غير الطارئة، والتي لا تقل أهمية لتحقيق الجودة والفعالية الحقيقية.

لقد تبنت كل دولة مجموعة من الاستراتيجيات القصيرة المدى، وبين سياسة التخفيض والتوزيع الزمني والتمنيع لا أحد يعلم بشكل دقيق مدى نسبة فاعلية أي منها على المدى المنظور، لكن الأكيد أن الانتظار حتى انتهاء هذه الجائحة وإصلاح ما ستدمره، يُعد عملية انتحار ممنهجة.


مسألة وقت لا أكثر

إذاً أولوية الخطط الصحية اليوم هي الحفاظ على الأرواح من الموت والخروج بأكبر عدد من الناجين. ربما كانت هذه الغاية لتكون نبيلة أكثر لولا أنها تخفي موتاً آخر على المدى المنظور. فإذا تعمقنا في التفاصيل أكثر سنجد أن هذه الخطط الصحية ربما ستفشل حتى في الإنقاذ من المهددات الجسدية إذا استمر الوضع أكثر. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية "الجوع أخطر تهديد للصحة العامة في العالم، وأن نقص التغذية يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المعدية مثل الإلتهاب الرئوي، وأن النقص الحاد في الطعام يمكن أن يؤدي إلى الوفاة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبمعادلة صغيرة نجد أن خسارة الملايين حول العالم لوظائفهم سينتج منه خفض إنفاق تدريجي، سيقود بدوره إلى الاكتفاء بأساسيات البقاء من البدائل الغذائية الأقل تكلفة، أي الاعتماد على منتجات الحفاظ على البقاء فقط من دون الأخذ في الاعتبار مدى فائدتها للجسم، بالتالي نقص وسوء التغذية وضعف الجهاز المناعي وخطر الإصابة بالأمراض.

وبناء على تعريف المنظمة ذاتها، نحن ندور بالاتجاه المعاكس لنصل في النهاية للنتيجة نفسها مع تمديد الوقت قليلاً، إنها مسألة وقت لا أكثر!


مفهوم أوسع

وفي تعريف "الصحة" المقتبس من ديباجة دستور منظمة الصحة العالمية الذي اعتمد عام 1946، "فهي حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز". مفهوم كان يفترض أن يطبق في زمن كانت المنظمة وتفرعاتها الطبية مطالبة بتوفير حياة أطول وأصح وأقوى وأسعد وأجمل وأذكى وأكثر ثقافة. وكانت الصحة جانب مسلم به من مجموعة مهامها .


فتأثير هذا الفيروس يطال الصحة بمفهومها الحقيقي الأوسع، ويمتد بأيدي أخطبوط إلى جوانبها النفسية والاجتماعية. ومن جديد الحلول الآنية الحالية تعني أن يظل البعض على قيد الحياة مكبلاً بالضغوطات النفسية والاجتماعية والجسدية، والبعض الآخر مُهَددٌ بشكل أكثر قسوة بالبطالة والجوع وسوء التغذية والأمراض الجسدية والمعاناة النفسية وعواقبها.

وعلى أية حال، فقد قدم لنا الفيروس عرضاً مبكراً لبعض نتائجه. فالخائفون المنساقون انتظموا نفسياً وراء هتستيريا الانفعالات العنيفة والأنانية والتعصب والعنصرية، وبدأُوا يطلبون بفرض مزيد من الإجراءات القاسية لقمع ما أسموهم بـ"المستهترين"، ووصل بهم الهلع إلى المطالبة بقتل الذين يخرجون من منازلهم حتى، إضافة إلى بث الكراهية والعنف ضد الغرباء والأجانب، رافضين وجودهم الحالي أو دخولهم المؤقت لبلدانهم.

إن ما أبداه البشر خلال الشهرين الماضيين من سرعة انفعال وضعف في المحاكمة العقلية والمبالغة في العواطف والتقلب والاستسلام للتوجيهات السريعة والانجرار وراء المحرضات الخارجية السائدة للعقل الجمعي، المتغير بشكل سريع تحت تأثير الوقائع المتتالية، ربما كان تمهيداً لطيفاً لما هو متوقع في حال استمر الوضع هكذا.


وهم النجاة

"بإمكان المرء أن يقرأ في الكتب أن قُصيمة الطاعون لا تموت ولا تختفي قط، وأنها تستطيع أن تظل عشرات السنوات نائمة في الأثاث والملابس، وأنها تترقب بصبر في الغرف والأقبية والمحافظ والمناديل والأوراق التي لا حاجة لها، وأن يوماً قد يأتي يوقظ فيه الطاعون جرذانه، مصيبة للناس وتعليماً لهم، ويرسلها تموت في مدينة سعيدة".

إنها نبوءة آخر صفحة خُطت في حكاية "الطاعون"، ربما يختلف الوباءان بطريقة انتقالهما لكنهما متفقان على العودة دائماً. فهذه الفيروسات هي نفسها لم تُغير شيئاً من نهجها مُنذ آلاف السنين، تُطور سُلالتها وتنتظر الفرصة لتنقض في الوقت المناسب وتنتشر. واليوم نشهد حلقة جديدة من الهجمات الفيروسية التي أسهم في نجاحها ضعف الاستعداد والمناعة وغياب الإدارة المجتمعية في الأزمات. فحتى في حال القدرة على لجمها اليوم ستعود وبأشكال عدة في المستقبل القريب، وبالنهاية عندما نفشل في الاستعداد، يجب علينا أن نستعد للفشل.


أزمة حضارية

يمكن للأزمات أن تكشف أيضاً مدى فعالية تنظيم المجتمع نفسه كحضارة، حيث يعطي covid-19 مثالاً آخر على عدم قدرة الأمم المتحضرة على الاستجابة بفاعلية، ويطرح تغييراً حقيقياً في شكل الحضارة، ويشكك بمكان ما حتى في أمر وجودها بشكل عملي.

فعلى الرغم من التطور التقني في مجالات عدة، إلا أن البحث العلمي والتجارب والاختراعات لم توظف حتى الآن لاستئصال الفقر والجهل والمرض. وإذا افترضنا أن الدراسات العلمية غير مطالبة بالتنبؤ بالأزمات، خصوصاً الفيروسية منها، إلا أن الأكيد أنها مطالبة حتماً بالقدرة على مواجهتها بكفاءة وقطع جذور سيطرتها.
الحقيقة أن الأكاديميين اليوم متهمون بالمشكلات الإيكولوجية وأزمة الوقود والاستهلاك المتزايد والممارسات التجارية التسويقية اللاأخلاقية على المستهلكين، وبأنهم مشغولون بهوس الترقيات والتطور الوظيفي. والأبحاث العلمية لم تفلح بإيجاد طرق لحماية الكوكب من التهديدات البيئية والصحية والاجتماعية، وما تخلفه من الكوارث والمجاعات والأمراض والأوبئة.
 

عالم ما بعد كورونا

كان عالم ما قبل كورونا يتميز ظاهرياً بتحكم قوى وأنظمة اقتصادية وسياسية شبه مستقرة وسيطرة جيدة على قطاعات ومناحي الحياة الطبية والبيئة والاجتماعية وغيرها، وحالة من انتشار بعض من الحريات العامة والشخصية، وتطور تقني ووعود بحياة أكثر رفاهية وأمن واستقرار في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي.

لكن هل سيظل الوضع هكذا بعد موت الآلاف بطريقة غامضة وظروفِ وتفاصيل دفن مخيفة في نهايات الربع الأول من القرن الـ21، وموت الشيوخ الذين لم يتمكن النظام الصحي الذي دعموه طوال فترة عافيتهم من إنقاذهم، إضافة لاحتمال موت مئات الآلاف بالمجاعة وسوء التغذية إذا استمر الوضع أكثر.


وهل ستغفر الشعوب الفشل الجزئي أم الكلي في إنقاذها الحقيقي الكامل؟
أم ستُستغل سرعة تحولهم وانقيادهم لكي يُعاد توجيههم في اتجاه آخر؟