Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تخوض "وزارة صحة العالم" "أم المعارك" ضد كورونا

لو لم تكن "منظمة الصحة العالمية" موجودة لتعين علينا اختراعها

لأسابيع عدة، قاومت "منظمة الصحة العالمية" إعلان "كورونا المستجد" حالة وبائية، خشية أن يؤدي ذلك إلى إثارة ذعر عالمي. لكن مع تزايد الضغوط من كل حدب وصوب، اضطر الدكتور تيدروس غيبريسوس، مدير عام المنظمة، إلى إعلان "حالة الوباء" في الحادي عشر من مارس (آذار) الماضي، وطالب العالم بالوحدة "لوقف مسار هذه الجائحة".
جسدت هذه اللحظة الرمزية، مكانة "منظمة الصحة العالمية" بوصفها "وزارة صحة العالم"، وعكست من ناحية أخرى الضعف الكامن في آلية عمل هذه المنظمة التي كان مفترضاً لها، بموجب معاهدة تأسيسها الدولية، أن تقود وتنسق معركة العالم ضد فيروس "كورونا المستجد". لكن دورها للأسف، تم تهميشه بطرق عديدة؛ إذ غاب التضامن العالمي، وسادت الشوفينية، بشكل ملحوظ منذ بداية تفشي الفيروس التاجي الذي حصد حتى الآن أرواح زهاء 70 ألف شخص وانتشر في أزيد من 120 دولة، ونفضت حكومات العالم يد المسؤولية التضامنية الضرورية لوقف مد هذه الجائحة ضمن خطة عالمية مُحكمة، بل يبدو أنه ليس ثمة خطة موضوعة أصلاً لتنظيم مواجهة الفيروس.
 

نجاحات تاريخية

تأسست "منظمة الصحة العالمية" في 7 أبريل (نيسان) 1948، وهي إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة التي تتخذ من مدينة جنيف السويسرية مقراً رئيساً لها. وتشغّل المنظمة آلاف الأطباء والاختصاصيين والخبراء في علوم الإدارة والاقتصاد والإغاثة في حالات الطوارئ، وتسعى إلى معالجة المسائل الصحية على الصعيد العالمي، وضبط برامج البحوث الصحية، وتوفير الدعم التقني للدول الأعضاء، إضافة إلى إصدار معلومات صحية موثوق بها، وإرساء شراكات فاعلة متعددة الأطراف لتنفيذ البرامج الصحية. وقد أعلنت المنظمة عام 1978 أن هدفها الرئيس هو توفير الصحة للجميع، وتمكنت عاماً بعد ذلك من استئصال داء "الجدري"، أحد أهم الأمراض المعدية، بعد تنسيق استمر 12 عاماً مع جميع حكومات العالم. كما أطلقت عام 1988 "المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال"، ونجحت في تقليص الإصابة بهذا المرض حتى كادت تنعدم تماماً.
وقبل خمسة عشر عاماً، أجرت "منظمة الصحة العالمية" تنقيحاً كبيراً للوائح الصحة الدولية التي تتضمن إطار الاستجابة العالمي لحالات تفشي الأمراض. وهدفت هذه المراجعة إلى تصحيح عيوب وإخفاقات الاستجابة الدولية لدى تفشي وباء "سارس" عام 2003. وتلخصت الفكرة الأساس لهذه اللائحة في أن تتحول "منظمة الصحة العالمية" إلى هيئة تنسيق مركزية؛ تقوم الحكومات بإخطارها في حال تفشي مرض ما فيتم تبادل البيانات لمساعدة العلماء على معالجة مسبباته على المستوى العالمي، وكذا تنسيق جهود احتوائه، وإعلان حالات الطوارئ وتقديم التوصيات اللازمة. وقد أصبحت هذه اللائحة المعدلة مُلزمة بعدما وقعت عليها 196 دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشكلة لدى الحكومات

لكن، ومع بروز أول اختبار حقيقي، مع تفشي جائحة كورونا، سارعت عشرات الدول إلى انتهاك اللائحة الدولية متجاهلة التزاماتها؛ إذ فشل بعضها في إبلاغ المنظمة عن تفشي المرض كما يُفترض، فيما وضعت دول أخرى قيوداً على سفر الأفراد دولياً، على عكس توصيات المنظمة ومن دون إخطار مسؤوليها. ويقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية حول ذلك: "إن أحد أكبر التحديات التي نواجهها اليوم، هو عدم مشاركة عدد كبير جداً من البلدان المتأثرة بالفيروس بياناتها معنا". ويلقي غيبريسوس اللوم على بعض الدول (من دون أن يحدد أياً منها) لفشلها في أخذ مسألة تفشي "كورونا المستجد" على محمل الجد.

وبوصفها إحدى وكالات الأمم المتحدة، تلعب "منظمة الصحة العالمية" دوراً مؤثراً على نطاق واسع، لكن هذا الدور يصادف عقبات أهمها الميزانية المحدودة والضغوط السياسية. وغالباً ما يتهم المراقبون جهاز المنظمة التنفيذي بتملق الجهات المانحة ذات اليد العليا، بدءاً بالولايات المتحدة والصين وانتهاءً بالممولين الخاصين من مثل "مؤسسة بيل وميليندا غيتس".

وتساهم مثل هذه التعقيدات في تقييد قدرة "منظمة الصحة العالمية" على الاستجابة، ما عرضها لانتقادات شديدة لدى بدايات انتشار فيروس "كورونا المستجد" في الصين. لا بل ذهب بعض المنتقدين إلى حد التساؤل حول مدى الحاجة إلى مثل هكذا منظمة صحية ضعيفة. لكن ريبيكا كاتز، الباحثة في جامعة جورج تاون التي درست اللوائح الصحية لأكثر من عقد من الزمان، تقول إن "هذه الانتقادات تتجاهل نقطة أساسية. فاللائحة الدولية موجودة بالفعل لكنها لا تُطبق بحجة سيادة كل دولة على أراضيها. أعتقد أنه لو لم تكن منظمة الصحة العالمية موجودة، لتعين علينا اختراعها". وقد جنح العديد من المنتقدين السابقين لطريقة عمل "منظمة الصحة العالمية"، نحو تبني رؤية قريبة من خطاب كاتز، إذ باتوا ينسبون الفضل اليوم إلى المنظمة في القيام بعمل أفضل وأسرع مما حدث أثناء تفشي وبائي "سارس" و"إيبولا". إذ حسَّنت المنظمة مستوى مشاركة المعلومات مع الجمهور، وحشدت أكثر من 300 عالم وممول للمساعدة في تطوير الاختبارات واللقاحات والأدوية.

ومع ذلك، فإن "منظمة الصحة العالمية" لا تزال مهمشة بشكل كبير.

في ذكرى تأسيسها الـ72، تحاول "منظمة الصحة العالمية" إدارة "أوركسترا" المعركة العالمية ضد فيروس "كورونا المستجد"، لكن حكومات العالم تأبى التنسيق بحجة حماية السيادة الوطنية

أدوية سياسية وهمية

ومن الأمثلة الحالية، الأكثر وضوحاً للتهميش، الاستخفاف العالمي بالقيود الدولية المفروضة على سفر الأفراد. فقد فرضت عشرات الحكومات قيوداً على السفر، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من صدور أربع نصائح من "منظمة الصحة العالمية" حذرت عبرها من مغبة فرض قيود على الحركة الدولية أثناء حالات الطوارئ الصحية، نظراً لعدم قدرة هذه القيود على وقف انتشار العامل المُمرض، ولأنها تمنع وصول موارد العلاج المطلوبة أو تأخير المساعدات والدعم الفني. وتقول المنظمة إن هذه القيود لها ما يبررها فقط، لدى بداية تفشي المرض، بهدف كسب الوقت اللازم لمزيد من الاستعدادات. أما أبعد من ذلك، فستتسبب القيود في إحداث أضرار اقتصادية واجتماعية كبيرة. وتقول الدكتورة كلير وينهام، الباحثة في كلية لندن للاقتصاد التي درست اللوائح الصحية لأكثر من عقد من الزمان، إن تقييد السفر الدولي "دواء وهمي سياسي جيد، لأنه يوهم الناس بالأمان على الرغم من كونه غير ذي منفعة".

ثم واجهت "منظمة الصحة العالمية" مشكلة أخرى لا تقل أهمية: حظر تصدير معدات الحماية من قبل بعض البلدان، ما أعاق المعركة الدولية ضد المرض. ويقول مايكل رايان، الذي يرأس برنامج الطوارئ الصحية في "منظمة الصحة العالمية": "يمكننا تفهّم مسألة أن الحكومات تتحمل المسؤولية الرئيسة تجاه عامليها الصحيين. لكن على هذه الحكومات التوقف عن اكتناز المعدات وندعوها إلى التضامن". ويضيف "إن حياة عامل صحي في بلد ما، قيّمة بالتأكيد، شأنها شأن حياة أي عامل صحي في أي بلد آخر".

وتستغل حكومات العالم التي صدّقت على اللائحة الدولية، ثغرة قانونية عمرها 15 عاماً، كانت نتاج ساعات من المفاوضات في جنيف حيث تم وضع التنقيحات في عام 2005، وفقاً لجيان لوكا بورسي، الذي عمل مستشاراً قانونياً للمنظمة مدة 11 عاماً. يقول بورسي إن مفاوضي الدول الأعضاء ظلوا يجادلون حتى الخامسة صباحاً قبل الاتفاق على بيان تضمن مقايضة متوازنة، فلقد كانت الحكومات مترددة حيال التنازل عن سيطرتها الكاملة لمنظمة دولية، فصاغوا نصاً أعطاهم حق اتخاذ تدابير صحية يعتقدون أنها ستعطي نتائج أفضل من نظيرتها لدى المنظمة.

وبموجب القواعد الجديدة، تلتزم الدول بإبلاغ "منظمة الصحة العالمية" في غضون 48 ساعة، بأي تدابير تتخذها خارج نطاق المبادئ التوجيهية الجماعية، وكذلك إبلاغها الأساس المنطقي وراء أفعالها. وقد فشلت العديد من الدول في القيام بذلك أثناء تفشي "كورونا المستجد"، وقد أسقط الأمر بيد "منظمة الصحة العالمية". ففي بعض الحالات، لم يعلم مسؤولوها عن تدابير منع السفر إلا من وسائل الإعلام. ويسأل بورسي: "ما الذي يمكننا فعله إذا كنا لا نستطيع عقاب من لا يتبع توصية المنظمة".

إبحث عن التمويل

وفي فبراير(شباط) الماضي، أرسل الدكتور غيبريسوس رسالتين إلى قادة العالم لم يتم الإعلان عنهما، تُذكران الحكومات بالتزاماتها. جمع موظفو المنظمة تقارير إعلامية عن سلسلة القيود المفروضة على السفر ولاحقوا الدول للحصول على مبرراتها، وقد قاوم مسؤولو المنظمة تسمية البلدان التي انتهكت القواعد وخدعتهم، وتحايلوا إلى حد كبير على أسئلة الصحافيين حول هذا الموضوع. لكن "منظمة الصحة العالمية" اتبعت دبلوماسية عدم انتقاد أو تسمية الدول الأعضاء علانية. ويقول آشيش جا، مدير معهد هارفارد للصحة العالمية، إن مردّ جزء من هذا السلوك الخجول للمنظمة يعود إلى المال. ذلك أن المنظمة بحاجة ماسة إلى 675 مليون دولار لتمويل معركتها ضد "كورونا المستجد". وحتى منتصف الشهر الماضي، تعهدت الدول الأعضاء التبرع بنحو 300 مليون دولار فقط. يضيف الدكتور جا إن "منظمة الصحة العالمية تحت رحمة الدول الأعضاء".

وفي الوقت الذي تكافح فيه المنظمة لدفع الدول الأعضاء للامتثال للوائحها، يطرح "كورونا المستجد" أسئلة رئيسة مستقبلية. أحد الأسئلة الملحة هو كيف سيتعامل العالم في ما لو تفشت الجائحة لدى بلدان ذات أنظمة رعاية صحية متخلفة؟ ذلك أن ثلثي دول العالم يفتقر إلى معامل وأنظمة مراقبة لازمة لكشف حالات التفشي.

بين "إيبولا" و"الخنازير"

في عام 2013، وُجِّهت أصابع الاتهام إلى "منظمة الصحة العالمية" جراء إساءتها تقدير حجم أزمة انتشار وباء "إيبولا" في بلدان غرب إفريقيا. وعلى عكس ذلك، اتُهمت المنظمة عام 2009 بالمبالغة في رد فعلها اتجاه تفشي "إنفلونزا الخنازير"، بعدما أعلنت "حالة الوباء" في مواجهة هذه الإنفلونزا تحت ضغط شركات إنتاج المواد الصيدلانية التي استفادت من إنتاج وبيع كميات هائلة من الأدوية.

أدى هذان الحدثان، وغيرهما من الإخفاقات على أكثر من صعيد، إلى إحداث إصلاحات أصبحت المنظمة في أعقابها قادرة على التحرك بسرعة وفاعلية أكبر، كما حدث في الكونغو التي تواجه منذ عام 2018 هجمة شرسة لوباء "إيبولا". لكن، ومع ظهور فيروس "كورونا المستجد" نهاية ديسمبر الماضي، عادت نغمة انتقاد المنظمة مجدداً على نطاق واسع هذه المرة؛ فقد اتُهمت المنظمة بالتأخر في التحذير من انتشار فيروس "كورونا المستجد"، وفي إرسال خبراء على الأرض، وفي التردد طويلاً قبل أن تصف الوضع بالوباء، وفي الإخفاق بتنسيق رد فعل دولي شامل ومنظم. ويرى بعض المنتقدين أن تقاعس المنظمة في إطلاق التحذير، مردّه تجنب إغضاب الصين، التي على الرغم من تقليلها عدد الإصابات لديها واستخدامها الترهيب ضد المبلغين، حظيت بإشادة مدير عام المنظمة.

لكن الدكتور غيبريسوس، مدير عام المنظمة، يرفض هذه الانتقادات ويؤكد أنه "لا يعتبر أن الحكومات تمارس ضغوطاً من أي نوع". وبهذا الصدد يُحاجج خبراء من المنظمة بأن إغضاب الصين من البداية عبر التشديد على إخفاقاتها كان سيشكل خطأ. ويرون أيضاً أنه كان على الصين إطلاق التحذير، قبل منظمة الصحة العالمية، عندما سُجلت الإصابات الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) وليس لدى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأن "منظمة الصحة العالمية" لا تستطيع إجبار الحكومات على اتباع توصياتها لأن اللائحة الدولية لم تمنحها هذا النوع من الصلاحيات.

الاستفادة من إخفاقات "إيبولا"

أثبتت أزمة انتشار فيروس "إيبولا" في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، أن "منظمة الصحة العالمية" تفتقر إلى "القدرة والثقافة" اللازمتين للتعامل مع حالات الطوارئ الصحية على مستوى العالم، بحسب ما خلص تقرير مستقل طلبت المنظمة نفسها إعداده عام 2015. وتقول لجنة المراجعة التي أصدرت التقرير إن "منظمة الصحة العالمية" كانت بطيئة للغاية في التعامل مع الفيروس القاتل الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص في غرب إفريقيا، وطالبت اللجنة بإصلاح المنظمة بشكل عاجل وشامل.

وقد اعترفت "منظمة الصحة العالمية" أنها انتظرت طويلاً لكي تعلن أن فيروس "إيبولا" حالة صحية طارئة تثير قلقاً دولياً. فقد بدأ انتشار المرض في ديسمبر 2013، لكن المنظمة انتظرت حتى أغسطس (آب) 2014 لكي تدق ناقوس الخطر. وبحلول ذلك الوقت كان أكثر من ألف شخص قد لقوا حتفهم بسبب الفيروس. ووفقا للتقرير، تفتقر منظمة الصحة العالمية إلى ثقافة صنع القرار السريع، فخلال المراحل الأولى لأزمة "إيبولا"، كانت ثمة رسائل حول خطورة الوضع، لكنها "إما لم تصل لكبار القادة أو أن كبار القادة لم يدركوا أهميتها". وواجهت منظمة الصحة العالمية كذلك انتقادات لفشلها في تزويد الحكومات والجمهور بأحدث المعلومات والمستجدات حول مدى وشدة تفشي "إيبولا". لكن التقرير أشاد بمنظمة الصحة العالمية لأنها لعبت دوراً حاسماً في دفع العمل على إيجاد علاجات وأدوية جديدة للفيروس. وقال التقرير إنه ينبغي أن يسند إلى المنظمة مهمة التعامل مع حالات الطوارئ الصحية في المستقبل، سواء كان ذلك مع فيروس "إيبولا" أو أي تفشٍ لوباء الإنفلونزا على سبيل المثال.

في ذكرى ميلادها الـ72، تعيش "منظمة الصحة العالمية" أخطر محن العالم الصحية وأشدها وطأة. ويمكن تلخيص وضعها بأنها تبذل جهوداً شاقة لقيادة أوركسترا القضاء على جائحة كورونا، إلا أن العازفين يغردون خارج السرب.