Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أفضل ما تميز به توني وغوردن هو منع أحدهما الآخر من ارتكاب الحماقات"

المستشار السابق لغوردن براون يُحاضر عن طبيعة القيادة والعبر التي يُمكن أن يستشفها العمال والمحافظون اليوم من سنوات حكم حزب العمال الجديد، وجون رينتول يُصغي ويُسجل.

غوردن براون (يسارا) متحدثا إلى توني بلير سنة 2010 (رويترز)

إبان الشهر الماضي، قدم إد بولز، وزير المالية في حكومة الظل سابقاً وشخصية تلفزيونية معروفة حالياً، إلى "كلية كينغ لندن" (King’s College London) ليُحاضر في "سنوات حكم بلير" بصفة أستاذ زائر. فعقد حلقةً دراسيةً لامعة حول طبيعة العلاقة بين توني بلير وغوردن براون، شدد فيها على أن الحكومة آنذاك استمدت القوة من الخلاف الذي كان موجوداً بين الرجلين. وفي إطار حديثه الذي سبق طرد بوريس جونسون لمستشاره ببضعة أيام، استعرض بولز النقاشات بشأن توازن القوى بين مكتب رئاسة الحكومة والخزانة.

وقال بولز إن "توتر العلاقة" بين بلير وبراون في الحكومة "كان أمراً جيداً وفعالاً معظم الوقت". لكن الأهم من ذلك "تميز كل واحد منهما بحرص شديد على منع الآخر من اتخاذ قرارات غبية. فأنا أتذكر جيداً أنه لما أراد توني إلغاء المكاسب الرأسمالية وضريبة الميراث، اتصلنا به وقلنا له إن فكرته سيئة، لا بل وأقنعناه بالعدول عنها. وأتذكر أيضاً أنه في كل مرة كانت تخطر ببال غوردن فكرة مجنونة يُصر على تنفيذها، كان توني يتدخل ويقول له: "أنا آسف ولكن هذه الفكرة لن تُبصر النور". وانطلاقاً مما تقدم، يُمكن القول إن الأخطاء التي اقترفها بلير وبراون معاً، كانت محدودة جداً".

قارن بولز علاقة بلير- براون بعلاقة ديفيد كاميرون وجورج أوزبورن: "آمن جورج أوزبون أن فكرة إجراء استفتاء وطني في شراكة الاتحاد الأوروبي ليست في مكانها. ومع ذلك، قرر الإذعان لإرادة ديفيد كاميرون بصفته صديقاً ورئيس حكومة، معتبراً أنه ليس من واجبه أن يقف في وجهه ويتحداه. فكان موقفه حنكة سياسية كارثية، حيث كانت تقضي مسؤوليته الدستورية في منع ديفيد كاميرون من ارتكاب الحماقات".

وفيما كان يُحاضر طلابي وطلاب ميتشيل كليمنت وجون دايفيس– المولودين في غالبيتهم بعد تولي بلير رئاسة الحكومة – في الدراسات العليا  ذكر بولز أن: "توني لم يظن يوماً أن تغيير مستشاره سيُساعده بأي شكل من الأشكال" – بعكس بوريس جونسون الذي تعمد على ما يبدو التخطيط لاستقالة ساجد جاويد من خلال الكشف عن نيته بإقالة المستشارين السياسيين في الخزانة".

وبسب بولز، كان بلير وبراون مختلفين: "كانت العلاقة بينهما أعمق وأكثر دواماً مما يعلمه الناس، لكن مع بعض الخلافات فيمَن يُسيء إلى الآخر ومَن يكبر الآخر سناً ويفوقه خبرةً ويتجاوزه منصباً. ولا شك أن الاثنين اعتقدا بأنهما في علاقة تعسفية. لكن الحقيقة أن الصداقات أمر صعب في السياسة والعلاقات التعسفية تُفضي إلى أفضل النتائج أحياناً".

ومن الكلام عن نقاط التقارب والاختلاف بين بلير وبراون، اِنتقل بولز إلى مقارنة بلير بتيريزا ماي قائلاً: "ارتكبت رئيسة الوزراء ]ماي[ خطأً كبيراً عندما لم تُحط نفسها بأقوى الاستشاريين والإداريين ووظفت أشخاصاً ضعفاء في مناصب مهمة، ظناً منها أنهم سيفشلون. وفي النهاية، فشلت".

واستطرد: "لو عدنا بالزمن إلى عهد هارولد ويلسون، لتبين لنا أن قوته كرئيسٍ للحكومة هي في عدم توظيف أشخاص من الدرجة الثانية في وظائف الدرجة الأولى وتسليم المناصب الرفيعة للنخبة. لطالما أدرك ويلسون أن السياسة معقدة. في تلك الفترات، كان البرلمان أكثر حدةً وانقساماً، ومرد ذلك جزئياً إلى تدني نسبة الأكثرية".

"أعني، لنتأمل معاً براعة أتلي في إدارة موريسون وبيفين ودالتون. هذا هو بالتمام والكمال ما ينبغي أن تكون عليه القيادة العظيمة: اختيار الأشخاص المناسبين في المراكز المناسبة وحسن التعامل مع النتائج العرضية والتحكم بزمام الأمور، بدلاً من المضي قدماً بتجاهل الأحداث والسعي وراء المصالح الشخصية و"السير بجانب الحائط"، والتي هي من دون شك عناوين الفشل العريضة".

وكان بولز قد بدأ حصته الدراسية بالعودة إلى بداية الشراكة بين بلير وبراون ومقارنة مساعي كل واحد منهما لتطوير حزب العمال وتحديثه بما يتلاءم والجدال القائم حالياً داخل الحزب: "بين العامين 1992 و1994 وفيما كان جون سميث رئيساً لحزب العمال، كانت مشاعر الإحباط الشديد تتملك الرجلين. والحقيقة أنهما كانا يشعران بالقنوط والخيبة لإدراكهما أن قرار جون سميث تولي الرئاسة (بدلاً من نيل كينوك)، هو الذي مهد لفوز حزب العمال عام 1992، بالتالي ليس هناك من داعٍ لإحقاق أي تغيير لأنه هو الزعيم الآن. ولكن المشكلات القائمة لن تختفي بين ليلة وضحاها، وهنا كان مكمن الخوف الكبير بالنسبة إليهما".

"كان الأمر أشبه بانقسام أفراد حزب العمال الجديد بين معارضين لبيان ]العام 2019[ ومؤيدين له ممن يرون في الرئيس أساس المشكلة. حينها، كان جون سميث في صفوف "الداعمين للبيان واللائمين للرئيس". أما غوردن وتوني، فقد اعتبرا أن البيان لم يكن جيداً بما يكفي،" أردف بولز.

ولما تُوفي سميث عام 1994، استعادت شراكة بلير- براون إيقاعها فجأةً، مع ترقية الشريك الصغير إلى مرتبة الشريك الكبير وانغراس بذور النزاعات بين الطرفين للسنوات الثلاث عشرة المقبلة. وكانت بداية هذه العلاقة الجديدة في حفل العشاء الذي أُقيم في مطعم "غرانيتا" (Granita) الكائن شمال لندن، والذي أكد فيه براون وقوفه إلى جانب بلير ودعمه له في انتخابات رئاسة الحزب.

في ذلك اليوم المصيري، كان بولز حاضراً في المطعم: "غادرتُ بسرعة لأنه لم يكن من المفترض بي أن أكون هناك". فمستشارة بلير، أنجي هانتر، هي التي نظمت "هذا العشاء المهم من أجل وضع تفاصيل السنوات الخمس عشرة المقبلة من سياسة حزب العمال". وبما أن براون "خجول إلى حد ما ووحيد"، طلب من بولز القدوم إلى المطعم ليكون إلى جانبه: "أعتقد أنه يجب أن تأتي".

"فما كان مني إلا أن ذهبتُ إلى ذاك المطعم الفاخر في أيلتون. صدقوني كنتُ الشخص الخطأ في المكان الخطأ. حاولتُ أن أشرح لغوردن عن مضمون قائمة الطعام التي لم يفهم منها شيئاً. أخبرني أنه لا يريد تناول المحار ولا يعرف ما هي الكارباشيو. ولما سألني عن البولنتا، اتفقتُ على لقائه "في فيكتوريا في غضون ساعة ونصف الساعة". ولما وصلتُ إلى هناك، طلبتُ طبق ستيك لحم مع البطاطاس المقرمشة وانتظرتُ مجيئه"، أخبر بولز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"باختصار، جلس الرجلان وجهاً لوجه في تلك الليلة وتناقشا مطولاً حول كيفية التعامل مع صدمة اللحظة الآنية وانقلاب الأمور رأساً على عقب بالنسبة إلى الطرف المسؤول بينهما وتسليم غوردن بالواقع القائل إن توني مرشح أقوى منه للفوز".

"وعلى الرغم من تقبل غوردن للأمر الواقع لم يمنعه ذلك أو مقربوه من الترويج لإمكانية فوزه برئاسة الحزب لو أراد. لكن هذا الكلام، برأيي، غير دقيق. لا أُصدق أنه كان بإمكان غوردن الفوز على توني في تلك الظروف، لكنني متأكد أن ما تفاهم عليه الرجلان في تلك الليلة وضع الشراكة بينهما على المسار الصحيح،" أضاف بولز.

"أما ما قيل عن اتفاق بلير وغوردن على خلافة القيادة، فلا أساس له من الصحة"، أوضح بولز. "في تلك الآونة، لم يكن غوردن يُفكر سوى في أولائك الذين استمروا في المعارضة 11 عاماً والذين يُحاولون الفوز في الانتخابات بأي ثمن؛ فكل ما كان يهتم لأمره فعلاً هو النفوذ والشراكة والسلطة".

"وما اتفق عليه في"غرانيتا" فعلياً هو منح غوردن القدرة على التحكم بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وهذا لا يعني، بنظره، التحكم في السياسات والأفكار فحسب، بل يعني أيضاً التحكم بمصائر الناس. نعم، هذا صحيح. خال غوردن أن الاتفاق سيعطيه القدرة على التأثير في الوظائف الرفيعة والإدلاء بخطب عبر شتى الوزارات بالتنسيق مع توني. وكانت هذه هي البذور التي انبثقت منها مشكلات المرحلة اللاحقة. أما المشكلات التي اعترضت بلير وغوردن في"غرانيتا"، فقد تمحورت حول هيئة الموظفين وصناعة القرار أكثر من الخلافة على زعامة الحزب".

وفي الجانب الآخر، أكد بولز على كلام توني لغوردن: "لو كُتب لنا الفوز، أريدك أن تعلم أنني لن أكون رئيس حكومة للأبد. في وقتٍ ما، ستكون هناك مرحلة انتقالية وسأكون إلى جانبك لأدعمك". وما قاله توني يومها أعطى الانطباع لغودرن ألا مفر من المرحلة الإنتقالية... وألا مجال للاستغناء عنه. وهذا ما استغله غوردن وعول عليه في ما بعد".

وهذا ما أدى في نهاية المطاف إلى تصارع المستشارين السياسيين في ما بينهم، والذي ظهر جلياً في السلسلة التلفزيونية الساخرة "في ذروة الأمر" (The Thick of It). ورداً على أحد الطلاب الذي سأل عما إذا كانت السلسلة واقعية بكل ما للكلمة من معنى، قال بولز: "الحقيقة أنني شاهدتُ مسلسلي "الجناح الغربي" (The West Wing) و"نعم، أيها الوزير" (Yes, Minister)، لكنني لم أشاهد "في ذروة الأمر"، لأنني بصريح العبارة لم أجده مضحكاً. ولماذا لم أجده مضحكاً؟ لأنه فاضح جداً ومشين".

وبعد هذه العبارة، خلص بولز إلى القول إن البريطانيين سيرون - "في الوقت المناسب وإن كانوا حكماء" – أن العلاقة بين بلير وبراون كانت "أكثر فعالية وقدرة على الإنتاج مما تبين لهم حينها".

وفي ما خص كاميرون وأوزبورن، اعتبر بولز بأنهما تعلما دروساً مغلوطة من بلير، لأنهما تأثرا بما كتبه هذا الأخير في مذكراته التي تلت مكوثه في الحكومة مدةً طويلة، لا بما أنجزه فعلياً عندما كان في السلطة. "فبلير تولى رئاسة الحكومة عام 1997، لكنه أصدر كتابه عام 2010، وفيه يقول: "كان علي أن أكون أكثر تطرفاً منذ البداية؛ ما كان علي أن أُصغي إلى مستشاري؛ ما كان علي أن أكون حذراً".

"ولما قرأ كل من ديفيد كاميرون وجورج أوزبورن ومايكل غوف هذه العبارة، فكروا في سرهم، "لا بد أن نكون متطرفين بقدر ما قال لنا توني بلير أن نكونه". وكانت النتيجة أن اتجهوا إلى استعراض الإنفاق فور فوزهم بالانتخابات عام 2010 واتخذوا قرارات مجنونة، كإلغاء"لجنة الغابات" والإصلاحات المكثفة لـهيئة "خدمات الصحة الوطنية" وخفض عدد عناصر الشرطة بنسبة 20 في المئة، ليُمضوا ما تبقى لهم في المجلس يُحاولون تجميد ما عجزوا عن إنفاذه".

كان من المفترض بهم أن يتعلموا درساً مختلفاً تماماً من إنجازات بلير في بداية ولايته كرئيسٍ للحكومة، جاهر بولز. "كان لدى توني بُعد نظر وبصيرة ثاقبة. وهذا ما ساعده على إدراك عدم قدرته على فهم ما يجري حوله وما الذي ينبغي عليه فعله لما وصل إلى السلطة عام 1997؛ والأمر سيان بالنسبة إلى غوردن. كان مسار التعلم طويلاً أمام توني، لذا كان من الضروري جداً أن يتوخى الحذر. ولما اختار فرانك دوبسون وزيراً للصحة، بنى قراره على أساس قدرة هذا الأخير على التحكم بزمام الأمور وطمأنة الشعب ومنحه الوقت الكافي لمعرفة ما قد ينجح".

وبالنسبة إلى قرار الالتزام بخطط المحافظين الإنفاقية في العامين الأولين من ولاية حكومة حزب العمال، "فكان الغرض منه كسب الوقت فحسب"، على حد قول بولز.

"ومن الأمور القليلة التي بدأناها وانتهى بنا الأمر بوقفها والتخلي عنها لأنها كانت سخيفة وفي غير محلها، "هورايزن بروجكت" (مشروع الأفق) لإدخال الآلية مكاتب البريد الذي تسرعنا بإطلاقه عام 1997، وخطة التيوب (قطار الأنفاق( التي شرعنا في العمل عليها، لكنها سرعان ما تحولت إلى فوضى عارمة".

"إذاً، كان توني بلير محقاً تماماً عام 1997؛ ما يقوم به المرء في قلب الحكومة أهم بكثير مما يقوله. وإن ارتكب الأخطاء، توقعوا للناس أن يلحظوا هذه الأخطاء ويُسلطوا الضوء عليها أكثر من النجاحات. لذا اقتضى على كل مسؤولٍ حكومي أن يتأنى ولا يرتكب الأخطاء في مرحلة مبكرة من ولايته، لأنه لا يدري بعد ماذا يفعل. عليه ببناء راديكاليته مع الوقت".

"الحق يُقال، لم يكن بإمكان توني بلير أن يكتب سيرته عام 2010 لولا التجارب العديدة التي مر بها. وكان على كاميرون أن يُدرك عام 2010 ألا ينبغي به الإنصات إلى ما قاله توني بلير عام 2010 لأن كلامه يأتي بعد خبرة 10 سنوات في رئاسة الحكومة. لو أن غوردن كان مستشاراً وتوني بلير رئيساً للحكومة منذ 10 سنوات عام 1997، لكان من المناسب جداً أن يكونا أكثر راديكالية، ولكنهما لم يكونا كذلك".

وكان لبولز كلامٌ كثير عن الوضع الراهن للعمال، لكنه لم يأتِ على ذكر هوية الشخص الذي دعمه خلال انتخابات رئاسة الحزب الحالية. سألتُه عما إذا كان غوردن براون مسؤولاً عن المسار الذي آل إلى وصول جيريمي كوربن إلى رئاسة الحزب من خلال الدعم الذي وفره لإد ميليباند، أبرز مناصري كوربن.

فأجابني بالتفصيل الممل قائلاً: "كان هناك ثلاث قضايا مهمة أمام برلمان عام 2001؛ أولها يتعلق باليورو الذي تبين أخيراً أنه لا يكتسي أهميةً سياسية مستديمة؛ وثانيها يتمحور حول السياسة الخارجية والعراق. وبخصوص هذه القضية بالذات، لم يكن غوردن وتوني على توافقٍ كامل لكنهما كانا متقاربين جداً؛ وهذا في اعتقادي ما أثر عميقاً وطويلاً في السياسة البريطانية".

"أما القضية الثالثة، فتدور حول إصلاح الخدمة المدنية. لم أظن حينها أن هناك خلافات كبيرة بشأنها وبشأن ما يجب أن تكون عليه السياسة الفعلية، لكن توني والمُحيطين به فضلوا تحديد مبادئ الإصلاح والتحديث بطريقةٍ وُصفت بالانتقادية بحق العاملين في الخدمة المدنية والقطاع العام وبالموالية لاستغلال القطاع الخاص. ويُمكن القول إن هذه المسألة كانت أكثر تركيزاً على السياسة واستراتيجيات التموضع من الأساسيات".

"وفي عام 1995، أَعددتُ كُتيباً لغوردن أراد من خلاله دعوة الطلاب المتخرجين إلى المساهمة في مصاريف دراساتهم، ما يتعارض مع "مبادرة التمويل الخاص" (PFI)، التي سعى إليها كل من غوردن وجون بريسكوت. في تلك الفترة، كان خوض المعارك السياسية مربوطاً بأسبابٍ تعريفية تتخطى حدود السياسة والتموضع. وليكن في علمكم، ثمة تراث دائم من الشكوك التي أحاطت بسنوات بلير- براون ضمن حركة العمال والحركة النقابية العمالية؛ ويعود هذا التراث إلى ذلك بقدر ما يعود إلى السياسة الخارجية".

"وفي تلك الحقبة أيضاً، وقعت أزمة مالية كبرى وتفشت النقاشات في الليبرالية الجديدة وصدر عن إد ميليباند كارثة إعلان نفسه معارضاً لحكومة العمال القديم فور وصوله إلى سدة رئاسة الحزب في أيلول (سبتمبر) 2010؛ وما فعله ميليباند برأيي خطوة ناقصة، إذ من الصعب على من لا تاريخ له أن يُقنع الناس بالوثوق به من جديد".

وفي الأخير، أجاب بولز عن سؤالي: "أنت محق تماماً، غوردن براون مسؤول عن وصول كوربن إلى رئاسة الحزب لكن إلى حد معين، إذ لا يُمكن أن نتغاضى أبداً عن الدور الذي لعبه تغيير الهيئة الانتخابية في هذا الصدد – صدق أو لا تصدق، كان غوردن ليعترض على الأمر كأي شخص حساس آخر"، بالتالي فإن إلقاء اللائمة كلها عليه يصب "في إطار الفئوية والغباء".

وأوضح بولز أن الدرس الأهم من تلك الحقبة هو اعتراف الحزب بتاريخه وفهمه: "عندما أنظر إلى تلك الحقبة، أرى أن باب الترشيح لرئاسة الحزب غير مفتوحة أمام أي ممن شاركوا في حكومات حزب العمال الجديد لتوني بلير وغوردن براون، لأنهم غير محبوبين. وهذا وضع يتحمل مسؤوليته توني بلير وغوردن براون معاً".

وبرأي بولز، يكمن الجزء الأكبر من المشكلة في افتراض الحزب أن رؤساءه سيخونونه، كما حدث عام 1929، لما سقطت حكومة حزب العمال متأثرةً بانهيار بورصة وول ستريت، وعام 1931 لما أخذ رامزي ماكدونالد على عاتقه تشكيل حكومة وطنية مع المحافظين.

"عندما شاركنا في الحكومة عام 1997، كانت المشكلة الأكبر التي واجهتنا هي افتراض أعضاء الحزب أنهم سيتعرضون للخيانة، وأن كلمتهم لن تكون مسموعة وقوية في الحكومة. فهم معتادون على هذا الوضع، منذ أحداث عام 1929 وقضية ماكدونالد وسنودن والخيانة وصولاً إلى الحكومة الوطنية، وربما حتى الخلافات مع النقابات العمالية في سبعينيات القرن الماضي. إذاً، كانت هناك مبررات نفسية وتاريخية لترقب حزب العمال للخيانة".

"وما زاد الطين بلة والتحدي صعوبةً، الأزمة المالية التي كانت بحد ذاتها واقعة كبيرة وأساسية. كان من الصعب علينا جداً أن نحارب فكرة الخيانة التي ارتبطت بشكل وثيق بحكومة حزب العمال بعد عام 2010. وبعد أن أمضينا السنوات التسع الأخيرة نُقنع الشعب بأنهم تعرضوا للخيانة، باتت البلاد برمتها الآن مقتنعة بذلك".

ولما كانت الحكومة بيد حزب العمال، تمكنا من خفض فترات الانتظار في هيئة "خدمات الصحة الوطنية" من 18 شهراً إلى 18 أسبوعاً، "لكن المليح الذي فعلناه بات طي النسيان لأننا استمررنا مدة تسع سنوات نُحاول إقناع الجميع أن حزب العمال لم يصنع فارقاً وحكومته كانت حكومة محافظين".

واللافت أن وجهة نظر بولز لا تختلف إطلاقاً عن المشاعر الاستفزازية التي عبر عنها أندرو أدونيس، الوزير السابق في حكومة بلير والذي قدم إلى الفصل بعد أسبوعين: "لن يعود حزب العمال جديراً بالانتخاب ما لم يتفق أعضاؤه على حب توني بلير".

وأشار بولز إلى الخطبة الأولى لزارا سلطانة بعد انتخابها والذي أملت فيها بأن يُمسي التطلع إلى الوراء، إلى نهاية "40 عاماً من الثاتشيرية" ممكناً في غضون 10 سنوات من اليوم. وبذلك، تكون نصيرة كوربن قد احتسبت حكومة حزب العمال الجديد جزءاً من "الثاتشيرية"، لا بل أرجعت بداية الثاتشيرية إلى عام 1990، عام سقوط تاتشر: "ما كان هذا الخطاب السخيف الذي تحدثت فيه النائبة عن 40 عاماً من التاتشيرية؟ يا لها من غبية! أولا تريد أن تفوز؟ لا يمكن لأي مرشحٍ أن يفوز إن كان تاريخه موصوماً بالخيانة. أولا تعلم أن عودة حزب العمال إلى موقعٍ "رابح" بعد 16 عاماً من الخيانة لم تكن سهلة وتطلبت من أتلي خوض معركة طويلة والمشاركة في ائتلاف حربي"؟

وأضاف: "أنظروا إلى مدى براعة المحافظين في بناء التاريخ. كم مرة سمعتم بوريس جونسون يتحدث كما لو أن المحافظين لم يتولوا رئاسة الحكومة على مدى السنوات التسع الأخيرة؟ كم مرة بمرة سمعتموه يتكلم عن خيانة آلية سعر الصرف عام 1992؟ أرأيتم كيف يذكرون مارغاريت ثاتشر بالحسنة على الرغم من بعض الأمور التي حدثت في عهدها؟ وهذا يعني بطبيعة الحال أنهم تخلصوا منها لأنهم أرادوا الحفاظ على تاريخهم ولأنهم يعلمون جيداً أنهم بأمس الحاجة لهذه الخطوة كي يفوزوا من جديد".

"وما الذي يفعله حزب العمال في المقابل؟ يتخلى عن تاريخه بكل بساطة. وهذا أمر غير طبيعي،" ختم بولز.

© The Independent

المزيد من سياسة