في شوارع باكستان يقاوم الناس دعاة الحرب التقليديين ويرفعون الصوت مطالبين بالسلام

مع تفاقم التوتر على مدار اليوم غلبت على الأخبار التلفزيونية الحماسة الوطنية. لكن المزاج في الشوارع كان مختلفاً في شكل ملموس

فتاة باكستانية تحمل شمعة خلال وقفة احتجاجية للسلام في لاهور 03-03-2019. (أ.ف.ب)

استيقظتُ في إسلام أباد وأنا مدرك بأن باكستان قد تكون على شفير الحرب. ليست بحقيقة لا تصدّق بالنظر إلى أنها باكستان. ومع ذلك، فإن واقع عيشي وعملي في إسلام يختلف عن صورة باكستان في دورة الأخبار. في معظم الأيام حين لا أجري تقارير ومراسلات إخبارية، أتردد على مقاه على الطراز الأوسترالي لتناول قهوة من الإسبريسو مع الحليب المغلي، وأمشي مسافات طويلة على تلال مارغالا وأتمتع بالعشاء في المطاعم الصاخبة والمكتظة في المدينة.

لكنني في تلك اللحظة كنت أمام احتمال حرب. وشنت كل من باكستان والهند غارات جوية في عمق أراضي كل منهما. ولم يسبق من قبل أن تجاوز أي من البلدين خط المراقبة السيء الصيت.  منذ العام 1971 لم تتصاعد التوترات إلى هذا الحدّ بين الجارتين المتحاربتين: ما هو على المحك كان كبيراً وكنت أعرف أن الخطر يُعتدّ به. وبصفتي مراسلاً في هذه المنطقة، الإقرار بأهمية التصورات بالغ الأهمية.

طلبتُ سيارة أجرة بواسطة تطبيق كريم، وهو نظير "أوبر"، في بداية يومي في إعداد التقارير ومحاولة فهم خطورة الوضع. وعلى جاري العادة، سألني سائق سيارة الأجرة، بتهذيب، عن أصلي، وكم سنة عشت في إسلام أباد، بسبب لهجتي الإنجليزية الأوردية. سألني إذا كنت قد سمعت عن هجوم بالاكوت، أخبرته بأنني فعلت وأنني مسافر للتحري عن الوضع. استمر حديثنا ونحن نتناقش حول نجاحات البرلمان الباكستاني وإخفاقاته وطابعه المعقد.

حين كنت أهمّ بمغادرة سيارة الأجرة، استوقفني السائق قائلاً: "هل تعرف ما يزعجنا حقاً نحن الباكستانيين، هو مقدار تقليلهم من شأننا. لذا أرجوك أبلغ وسائل الإعلام الغربية، أن بلادنا ليست قنابل و(رز) برياني فحسب. قدراتنا أكبر!"

مع ازدياد التوتر على مدار اليوم، غلبت على الأخبار التلفزيونية الحماسة الوطنية. وظهر مقدمو البرامج الحوارية مرتدين الزي العسكري، ودار كلام مراسلي القنوات الإخبارية على مواجهة العدوان الهندي. غالباً ما يكون عسيراً متابعة وسائل الإعلام الباكستانية ولكن التعبير عن الوطنية ودعم الجيش تضخما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 غير أن السردية كانت مختلفة في الشوارع. وكان شبان ينتعلون أحذية بعجلات يحملون لافتات وسط الازدحام، ويهتفون "قولوا لا للحرب". بينما كان بائعو العصير يتحدثون مع زملائهم من أصحاب الدكاكين الذين يؤيدون التهدئة في بلدهم من أجل مصلحتهم ومصلحة نظرائهم من الهنود. وأخبرني صاحب أحد الأكشاك مشدداً أن "دعواتنا إلى السلام ليست تخاذلاً، فالحكومة الهندية تؤذينا ولكننا نختار أن نتعالى على ذلك". غالباً ما يُهمش دور النساء في الشأن العام في هذه البؤرة من العالم. ولكن في نادي الصحافة بإسلام أباد، كانت هناك مراسلة تحمل لافتة تحمل عبارة "النساء يقلنَ لا للحرب". ويدعو عدد كبير من النساء اليوم إلى التعاون من أجل السلام في الهند وباكستان وكشمير.

يعي الناس في بريطانيا إجمالاً أن الجماعات الإرهابية توجّه شيئاً فشيئاً دفّة تعاظم التديّن في باكستان وتحدّد مساره. لذلك، عندما وقع هجوم بولواما، لم يفاجأ كثيرون بتبنّي جماعة باكستانية إرهابية، "جيش محمد"، المسؤولية. وبصفتي بريطانياً من أصل باكستاني، لطالما كان عسيراً توضيح تعقيدات باكستان لأهل بلادي. هناك مجموعة من القبائل ذات تقاليد قديمة تعيش في وئام في بوتقة الانصهار التي هي باكستان اليوم. لكن هذا الوجه قلما تنقله وسائل الإعلام.

ما يوحّد الباكستانيين هو قدرتهم على الصمود. فهم يدركون تماماً أن سياسييهم اتخذوا بعض القرارات الانتحارية في ما يتعلق بوجهة أمتهم. لكن بالنسبة إلى معظم الناس، لا يمكن الاعتماد على السياسيين في شؤون الأزمات.

وقد أدى إغلاق المجال الجوي إلى مفاقمة التوتر. ولم تعد الطائرات التجارية تحلق في المجال الجوي وصارت الطائرات المقاتلة تسيطر على الأجواء. وغلب القلق والمخاوف على المحادثات بين الصحافيين والسياسيين. فالجيش في حالة تأهب قصوى وعلى استعداد للرد في غضون مهلة قصيرة. لكن بينما كانت الطائرات المقاتلة تحوم في السماء ليلاً، كان تويتر يعج بتغريدات الصغار والكبار - وهم يسمعون هدير القوات الجوية الباكستانية - الداعية إلى التهدئة والصلاة.

لم يخلد الباكستانيون بسهولة إلى النوم في تلك الليلة بسبب غموض الخطوة التالية التي سيقدم عليها نارندرا مودي. لكن في حين أن المواقف السياسية والعسكرية أطّرت علاقة الجيران المتحاربين على مدى عقود، في هذا اليوم التاريخي، كان من الواضح أن الشعب الباكستاني مستعد للمبادرة إلى السلام.

© The Independent

المزيد من دوليات