Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحياة تحت الحظر... ماذا اكتشف المصريون في بيوتهم؟

زيارات افتراضية عبر الـ"فيديو كول"... وفرصة لإعادة الحسابات وإحياء الأحلام المؤجلة

قضاء وقت طويل في المنزل غيّر الإيقاع اليومي للكثيرين (أ.ف.ب)

مع اشتداد أزمة فيروس كورونا في العالم كله وما صاحبها من تداعيات وإجراءات وقائية واحترازية اتخذتها حكومات كل الدول، بدأت مصر فعلياً تطبيق حظر تجول جزئي يبدأ في الساعة مساءً وينتهي في السادسة صباحاً، كما سبقته دعوات كثيرة لحملة "خليك في البيت" التي يشهدها العالم أجمع. ومع بدء حظر التجول، شكَّل الوضع الحالي هدنة واستراحة إجبارية للجميع دفعتهم للبقاء في المنازل، حيث لا يوجد حل آخر، فلا متاجر ولا مقاهٍ ولا مراكز تجارية للتسوق ولا نوادٍ، فالكل وضع شارة "مغلق" بأمر إجباري من فيروس كورونا.

وفي ظل دوامة الحياة التي يدور فيها الجميع بين عمل ودراسة ونشاطات مختلفة، ومع ساعات العمل التي تمتد إلى وقتٍ متأخر في معظم الأحيان، كان وقت اجتماع كامل الأسرة مع بعضها البعض محدوداً للغاية، ولكن في ظل الوضع الحالي وجد أفراد كل أسرة أنفسهم في مواجهة فيروس كورونا وفي مواجهة بعضهم البعض بشكل إجباري لم تشهده الأسر بهذا الشكل منذ فترة طويلة، نظراً إلى ظروف الحياة التي يدور فيها الجميع.

فكيف تتعامل الأسر المصرية مع الوضع الحالي؟ وكيف تتغلب على العلاقات الاجتماعية التي انقطعت بسبب عدم الزيارات وعدم وجود مجال للخروج إلى أي مكان؟ خصوصاً أن العمل في كثير من الحالات أصبح من المنزل، وماذا اكتشف الناس خلال فترة الجلوس الطويلة في البيوت؟ وهل سيؤدي ذلك إلى اختلاف الأولويات بعد انفراج الأزمة؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول أحمد مصطفى، وهو شاب في السابعة والثلاثين من عمره وأب لطفلين، "أعمل حالياً من المنزل، ما أتاح لي البقاء مع أسرتي لوقت طويل، ولم يحدث ذلك منذ فترة بعيدة، حيث كانت ظروف عملي تحتم عليّ العودة إلى البيت في ساعة متأخرة، والوضع الحالي بالطبع صعب على الجميع ونعاني من عدم القدرة على التواصل مع أقرب الناس في ظل القلق والخوف عليهم، ولكن تقنية الـ(فيديو كول) أصبحت الحل الذي نعتمد عليه حالياً لنطمئن على العائلة ونتيح للأجداد رؤية أحفادهم ونتمكن من تهوين الأمر عليهم عبر زيارة افتراضية هي أفضل من لا شيء".

ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "الوضع الحالي أثبت أن التكنولوجيا هي عامل رئيس في حياتنا، أصبح لا يمكن الاستغناء عنه، فكل شيء معتمد عليها حالياً، فالعمل من المنزل والتعليم عن بُعد وحتى الزيارات أصبحت افتراضية لحين إشعار آخر، كما نقوم بشراء الكثير من احتياجاتنا عبر التطبيقات الإلكترونية حتى لا نضطر للنزول إلا في أضيق الحدود".

مشروعات مؤجلة

بأمر كورونا، حصل الجميع على هدنة إجبارية، وأصبح هناك متسع من الوقت لترتيب المنازل والتخلص من "الكراكيب" (الأغراض المتراكمة غير المرغوب فيها)، وكذا إعادة ترتيب الأفكار والأولويات ربما لتأكيد بعض الخطوات أو لتصحيح المسار وتوجيهه في ما يتعلق ببعض الأمور.

سلمى السيد، 27 عاماً، مُعلِمة في إحدى الحضانات بمحافظة الجيزة (جنوبي القاهرة)، تقول "حصلنا على إجازة إجبارية لفترة بسبب إغلاق الحضانة حالياً نتيجة الظروف الحالية، وتقريباً هذه هي المرة الأولى التي أحصل فيها علي إجازة طويلة منذ أن بدأت العمل بعد تخرجي مباشرة، وأعتبرها فرصة لتقييم مساري وإعادة إحياء بعض المشروعات والهوايات المؤجلة بسبب ظروف العمل وضيق الوقت، فلدي الكثير من الكتب متراكمة منذ سنوات سأبدأ في قراءتها، ولدي هواية الأشغال اليدوية التي تركتها لفترة طويلة وبدأت حالياً في إعادة إحيائها".

وتضيف "الهدنة الإجبارية جعلتني أشعر بضرورة أن يكون لنا نشاط آخر بجانب العمل وألا نترك أنفسنا فريسة للأيام التي تمضي متشابهة في ظل روتين يومي تخلقه ساعات عملنا الطويلة، بل لا بد أن نخلق الفرصة لنفعل ما يمتعنا ويهوّن علينا ولا ننسى أحلامنا المؤجلة، وبعد انفراج هذه الأزمة سأحرص على تغيير إيقاعي اليومي عبر إضافة أشياء كانت مستبعدة".

اجتماع عائلي

ربما كان مشهد اجتماع العائلة كلها على مائدة الغذاء في ساعة مبكرة من اليوم في الأفلام السينمائية المصرية القديمة يبدو غير مألوف لدينا اليوم، في ظل اختلاف ظروف الحياة، إلا أنه بدأ يطل مجدداً على عديد من الأسر في ظل سياسة العمل من المنزل التي تبنتها كثير من الشركات في محاولة للتكيف مع الوضع الراهن.

وفي هذا الصدد، يقول طارق، وهو مهندس في الرابعة والثلاثين وأب لطفلين توأم في سن الرابعة، "أعمل كمهندس في إحدى المدن الجديدة على أطراف القاهرة، بينما أسكن داخل العاصمة، وإلى جانب ساعات العمل تستغرق رحلة الذهاب والعودة إلى المنزل وقتاً طويلاً، فلا أرجع قبل الثامنة مساءً يومياً، ومن ثم يكون طفليّ على وشك النوم، ولا أتناول الغداء مع الأسرة إلا في يوم العطلة الأسبوعية، ولكن الآن مع عملي مؤقتاً من البيت أتيح لي قضاء وقت أطول معهم وتناول الغداء معهم يومياً".

يتابع "مع طول بقائي في المنزل اكتشفت أن إدارة البيت ورعاية الطفلين، من الأمور الشاقة جداً، إذ لم أكن أتخيل صعوبة ذلك، وأن هناك الكثير من الإجراءات والتفاصيل الخاصة برعاية الصغار طوال اليوم، حيث لا مدارس ولا حضانات حالياً بسبب إغلاقها هي الأخرى، ولا أعرف كيف استطاعت زوجتي القيام بهذه المهام المنزلية ورعاية الطفلين والعمل في الوقت نفسه من خلال مشروع صغير تديره من البيت".

التعليم الإلكتروني

انتقل التعليم إلى المنازل كإحدى آليات مواجهة الأزمة، فكل من لا يزال في مراحل التعليم المختلفة أصبح عليه مشاهدة محاضرات "أونلاين" والاعتماد في ذلك على تطبيقات إلكترونية مختلفة، ما شكّل ظاهرة جديدة نسبياً على المجتمع المصري.

وهنا يقول نادر حسن، طالب في السنة الثالثة بإحدى الجامعات الخاصة، "أُجبرنا في ظل الوضع الحالي على البقاء في المنازل، وأصبحت كل المحاضرات (أونلاين)، وهذا شيء جديد علينا تماماً، ولم يكن مُخططاً له، وإن كنت أرى أن يتم التوسع فيه مستقبلاً باعتبار أن هذا هو المستقبل، وبالإضافة إلى الجامعة أغلق النادي الرياضي الذي كنت ارتاده للتمرين ثلاثة مرات أسبوعياً، ومن ثم أصبحت الإقامة في المنزل جبرية بالنسبة إلى الجميع".

ويواصل "أعتقد أن هذه هي المرة الأولي التي نجتمع فيها أنا وأسرتي بهذه الصورة، فوالدي مواعيد عمله مسائية في العادة، واكتشفت أننا كان ينقصنا أن نحرص على التواجد معاً بانتظام، كحال كثير من الناس، وحالياً أقضي الوقت الطويل في متابعة دورسي ومشاهدة الأفلام ولعب الـ(بلايستيشن)".

خلافات زوجية

وعلى الرغم من الميزة الكبرى التي أتاحها الوضع الراهن لاجتماع الأسرة الذي طال انتظاره، فإن بقاء كثير من الرجال في المنازل لفترات طويلة في حالة من الفراغ قد يصبح أزمة على صعيد آخر، حيث تزيد المشاحنات الزوجية. وفي هذا السياق تقول مروة "حصل زوجي على إجازة من عمله لمدة أسبوعين، ومع ظروف الحظر وإغلاق كل شيء لا يجد ما يفعله سوى التدخل في كل ما يخص المنزل والأطفال، فهو يرغب في تغيير أماكن قطع الأثاث، وإعادة ترتيب خزائن المطبخ، والتدخل في نوعية الطعام، والتأكيد على إجراءات التعقيم التي أصبحنا نقوم بها يومياً، ما أصبح يشكِّل ضغطاً كبيراً عليّ بجانب القلق والضغوط التي نعانيها بسبب أزمة كورونا".

وتضيف "الوضع الحالي جعلني أدرك قيمة الكثير من النِعم التي كانت موجودة في حياتنا، والتي لم نكن نقدر قيمتها بشكل كافٍ، فيومُنا المشحون بين العمل والمهام المنزلية ودارسة الأطفال وتمارينهم في النوادي، ورغم المجهود الكبير الذي كنا نبذله في هذه الأمور، كان نعمة كبيرة نتمنى أن تعود وأن تنتهي هذه الأزمة وتعود الحياة إلى طبيعتها في أقرب وقت".