Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نيويورك قلب العالم... طعنها كورونا في قلبها!

المدينة الأشهر عالمياً تواجه وباء "كوفيد-19" بمشارح مؤقتة خارج المستشفيات وصفارات إنذار في الشوارع وقريباً حجر صحي

في كل فيلم من أفلام الكوارث التي تنتجها هوليوود، تجد نيويورك نفسها بطريقة ما في صلب كل ما يحدث. إنّها في خطر لكونها المدينة الأكثر شهرة في العالم التي يبدو أنها تتحمّل دائماً وطأة الغزوات الغريبة والانهيار البيئي والعواصف المميتة. لكن هذه المرة الأمر مختلف.

فعلى مدى الأسبوع الماضي، أصبحت هذه المدينة المركز الجديد لوباء فيروس كورونا العالمي. وتحتضن نيويورك الآن حوالى ربع عدد الإصابات، البالغ عددها 100 ألف في الولايات المتّحدة بأكملها. وقد تُوفّي فيها 450 شخصاً بسبب الفيروس حتى يوم السبت.

لم تصل المدينة بعد إلى ذروة الأزمة. ومع ذلك، فإنّ مرافقها الطبية باتت قريبةً فعلاً من نقطة الانهيار. ففي اليوم الذي تجاوزت فيه الولايات المتحدة الصين باعتبارها البلد الأكثر إصابةً في العالم بالفيروس، توفي 13 شخصاً في يوم واحد في مستشفى واحد فقط في ضاحية كوينز.

وقد أُقيمت مشارح مؤقتة هي عبارة عن خيمٍ ذات قبب بيضاء خارج عددٍ من المستشفيات، استعداداً لاستقبال المتوفّين. وكان هناك خط من الشاحنات المبرَّدة ينتظر أمام مستشفى بلفيو، فيما كانت تُسمع صفّارات الإنذار تطغى على ليل المدينة في جميع أنحاء الأحياء الخمسة.

أحد العاملين المُجْهَدين في المستشفى قال لإندبندنت أثناء أخذه استراحة خارج المبنى الكائن في مانهاتن: "خُصّص أحد طوابق المستشفى بكامله ليكون للمصابين بفيروس كورونا. أما غرفة الطوارئ، فتتعامل فقط مع مرضى الفيروس، ولا شيء آخر".

وشهدت إندبندنت في المستشفى ذاته تدفّقاً مستمراً لسيارات الإسعاف التي كانت تعمل على توصيل المرضى، وجميعهم من الكبار في السن. وكان سائقو سيارات الإسعاف الذين يحملون المرضى يرتدون مجرد أقنعة وجهٍ بدائية، بدلاً من تجهيزهم بمعدّات الحماية الكاملة اللازمة للتعامل مع المصابين.

أما الطاقم الطبي المغمور فعلاً منذ الآن بضغط تدفّق المرضى، فقد أُصيب أفراده كذلك بالفيروس. وتُوفيت ممرّضة كانت تعالج أحد المصابين هذا الأسبوع في مستشفى Mount Sinai West الكائن في مانهاتن، وكان العاملون في هذا المستشفى يستخدمون أكياس القمامة لحماية أنفسهم بسبب النقص في التجهيزات المناسبة.

وقال أحد موظفي المؤسسة من العاملين في قسم الطوارىء: "نحن جميعاً قلقون من ألاّ يكون لدينا ما يكفي من الموظفين قريباً. لقد أُصيب زملاء لنا بالعدوى".

وتعيش نيويورك اليوم التجربة ذاتها التي مرّت بها سابقاً ووهان في الصين، المدينة التي كانت مركز انتشار الوباء، وكذلك لومبارديا في إيطاليا وسياتل في ولاية واشنطن. لكنّ إجراءات الحجر الصحي الصارمة التي فُرضت في جميع أنحاء العالم تبدو متضاربةً بشكل خاص في نيويورك، المدينة التي لا تنام. فطرقات مانهاتن الشهيرة تبدو خالية من مرتاديها والسيارات. والأضواء الساطعة في ساحة تايمز سكوير تنعكس على أرصفتها العارية.

وقال محمد نور، أحد الباعة الذي يدير كشكاً لبيع النقانق على حافة الساحة: "لم يقصدني سوى زبون واحد اليوم. الجميع هنا خائف. والسكان يلتزمون منازلهم".

الأشخاص الوحيدون الذين يتحرّكون هم أولئك الذين لا يتمتّعون برفاهية البقاء في المنزل، ليس تحديداً الأطباء والممرّضات، بل عمّال البناء أيضاً وسائقي التاكسي وعمال النظافة والعاملين في محال البقالة. إنّ وجود هؤلاء يخفي الحجم الحقيقي للأزمة.

وفي دلالةٍ قاتمة تظهر مدى الضرر الذي لحق بالمدينة، تلقّت نيويورك مكالمات طوارئ يوم الأربعاء أكثر ممّا تلقّته في اليوم الذي شهدت فيه أعظم صدمة لها في 11 سبتمبر 2001. فقد اتصل أكثر من 6000 شخص بالرقم 911، وفقاً لنقابات عمال الطوارئ. ولم يأتِ من العدم الوصف الذي أطلقته صحيفة "نيويورك ديلي نيوز" عندما كتبت على صفحتها الأولى في وقتٍ سابق من هذا الأسبوع أن المدينة أصبحت "غراوند زيرو" (الأرض الخلاء) لفيروس كورونا.

حجم الأزمة جعل كثيرين يفكّرون في طريقة حدوثها هنا، وكيف أن إحدى أغنى الولايات في البلاد لم تكن مستعدة لذلك. وقد افترض حاكم نيويورك آندرو كومو الذي حظي بالثناء على طريقة إدارته للأزمة أن الانفتاح الفريد للمدينة هو الذي جعلها عرضةً للخطر.

وأضاف: "الإجابة واحدةٌ وهي أننا نرحّب بالأشخاص من جميع أنحاء العالم... وليس لدي شك في أن الفيروس كان هنا في وقت أبكر بكثير ممّا كان عليه في أي بلد آخر، لأنّ هؤلاء الأشخاص يأتون إلى هنا قبل أي مكان آخر. هذا هو الردّ الأول. أما الثاني، فهو لأننا قريبون من بعضنا بعضاً، نحن قريبون من بعضنا بعضاً في الشارع، ونعيش في مجتمعاتٍ قريبة، نحن قريبون من بعضنا بعضاً في الحافلات".

وقال إنّ "قربنا يجعلنا عرضةً للخطر. لكن من الصحيح أن أكبر نقاط الضعف قد تكون أيضاً أعظم نقاط القوة. فقربنا هو ما يجعلنا ما نحن عليه. هذه هي نيويورك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتُعدُّ نيويورك، المدينة الأكثر كثافةً من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة، إذ يبلغ عدد القاطنين فيها نحو 27 ألف نسمة في كلّ ميل مربّع (كيلومترين و600 متر مربع). وهي تجعل أقرب مدينة إليها سان فرانسيسكو تبدو قليلة الاكتظاظ ،علماً أنه يعيش فيها هي أيضا نحو 18 ألف نسمة في كلّ ميل مربّع. وهذا ينطبق على مدن عالمية أخرى لم تشهد الاستشراء ذاته في عدد الحالات.

ويمكن أن يكون هناك سبب آخر لارتفاع معدل الإصابات بفيروس كوفيد-19 في نيويورك، له علاقة بعدد الاختبارات التي يتم إجراؤها. فبعد بداية بطيئة جاهد خلالها أشخاص يعانون من الأعراض كي تُجرى لهم الفحوص، باتت المدينة تجري اختباراتٍ الآن بزخم أكبر من أي ولاية أخرى (قرابة 700 اختبار لكل مئة ألف شخص).

تيد ستينبرغ، مؤرّخ الكوارث الطبيعية في أميركا وأحد المواطنين الذين وُلدوا في بروكلين، يتّفق مع حاكم نيويورك آندرو كومو على أنّ تقارب الأفراد في المدينة يمكن أن يكون نعمةً ونقمة في الوقت ذاته عند وقوع الكارثة. ورأى أنّ "حياة الشارع النابضة بالحيوية في المدينة، والإثارة التي يشعر بها الأشخاص وهم يصعدون سلالم محطّة بنسلفانيا في "سيفينث أفينيو"، هذه هي نتيجة حشد ملايين الأشخاص في بقعةٍ صغيرة واحدة على هذا الكوكب".

ويضيف البروفسور ستينبرغ الذي يدرّس مادّة التاريخ في "جامعة كايس ويسترن ريزورف": "للكثافة تأثيرات اجتماعية إيجابية وربما تأثيرات بيئية إيجابية. لكنّ الكثافة تفرض أيضاً ثمناً عندما تجعل العواصف الساحلية مسألة إخلاء السكان أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، وكذلك في حالات مثل الوضع الراهن الذي يبدو فيه التقارب كلّ يوم أكثر فأكثر مثل قبلة الموت".

وبما أن نيويورك هي المنطقة الأكثر تضرّراً في البلاد، تشكّل المدينة والولاية معاً الآن حالة اختبار للطريقة التي ستتعامل من خلالها الولايات المتحدة مع أزمة الوباء، من الناحيتين السياسية والعملية على حدٍّ سواء. فقد أصبحت الإحاطات الصحافية لحاكمها كومو موعد مشاهدةٍ أساسية ليس فقط لسكانها، بل أيضاً بالنسبة إلى بقية أنحاء البلاد، وهي الأماكن التي قد تجد نفسها في وقت قريب تواجه المصاعب ذاتها.

المشكلة بالنسبة إلى نيويورك هي ذاتها التي تواجه أماكن أخرى عدّة في الولايات المتحدة، وتتعلّق بالقدرة على تأمين أسرّة كافية ومعدّات طبية للتعامل مع ازدياد عدد المرضى الذين يغمرون المستشفيات. وقد ركّزت معظم مناشدات الحاكم آندرو كومو التلفزيونية اليومية على وجوب سدّ الفجوة في عدد الأسرّة اللازمة في المستشفيات لمواجهة مرحلة الذورة المنتظرة للأزمة، من 53 ألف سرير لديها الآن إلى ما يُقدّر بـ140 ألفاً. وأضاف أن الأهم من ذلك أن نيويورك ستحتاج أيضاً إلى 30 ألف جهاز تنفّس صناعي إضافي للتعامل مع الزيادة المتوقّعة في حالات الاستشفاء الشديدة.

ومن المتوقّع أن تشهد المدينة تلك الذروة بعد ثلاثة أسابيع من الآن. لكنّ سلطات الولاية تبدو غير قادرةٍ وحدها على معالجة هذا النقص. وقد أقرّت الحكومة المركزية في واشنطن مشروع قانون تحفيز بقيمة تريليوني دولار هذا الأسبوع لمواجهة تأثير تفشّي المرض في اقتصاد البلاد، لكنّ حكّام الولايات في جميع أنحاء الدولة ألقوا اللوم على الحكومة لبطئها الشديد في مساعدة مناطقهم في التعامل مع النقص الكبير في المعدّات الطبية.

وكان كومو قد هاجم مراراً إدارة الرئيس دونالد ترمب بسبب عدم تقديمها المساعدة بالسرعة الكافية، ما أثار نزاعاً أمام الملأ مع  ترمب، تمثّل في محاججاتٍ علنية وسباب مزدوج في المؤتمرات الصحافية لكلّ منهما. وقال كومو يوم الثلاثاء الماضي إنّ "الرئيس اعتبرها حرباً... ثم تصرّف على هذا الأساس. إنّهم يقدّمون الإمدادات؟ وهنا سؤالي: أين هي هذه الإمدادات؟"

وأضاف: "إختر الأشخاص الـ26 ألفاً الذين سيموتون"، محذّراً من ارتفاع عدد الوفيات التي قد تقع إذا لم تُوفر أجهزة التنفّس الصناعي.

وكان ترمب قد رفض تحمّل المسؤولية عن النقص الحاصل في جميع أنحاء البلاد، ولجأ بدلاً من ذلك إلى إلقاء اللوم على حكام الولايات. وشكّك مساء الخميس الفائت في أهلية حاكم نيويورك للتعامل مع الأزمة.

وقال خلال مقابلةٍ أجراها معه برنامج "هانيتي" الذي تبثّه قناة فوكس نيوز: "لا أعتقد أنك بحاجة إلى 40 ألف جهاز تهوية أو 30 ألفاً. إذا ذهبت إلى المستشفيات الكبرى في بعض الأحيان، فستجد أن لديها جهازي تنفّس. والآن يقولون فجأة،”هل يمكننا طلب 30 ألف جهاز؟“".

المعركة العلنية استمرّت بين الطرفين حتى نهاية هذا الأسبوع، حين صرّح ترمب يوم السبت أنه يفكّر في فرض حجر صحي في نيويورك. وقال للصحافيين: "نحن نفكر في أمور معينة. يودّ بعض الأشخاص رؤية نيويورك في حجر صحي لأنها بؤرة ملتهبة... قد لا نُضطّر إلى القيام بذلك، لكن هناك احتمالاً بأننا سنقدم اليوم على تطبيق حجرٍ صحي قصير الأجل لمدة أسبوعين في نيويورك. وربما في نيو جيرسي أيضاً وفي أجزاء معينة من ولاية كونيتيكت".

جاء موقف ترمب بمثابة خبر للحاكم كومو الذي أشار إلى أنه يشكّ في أن يكون للإجراء التأثير المطلوب. وقال: "أنا لا أعرف حتى ماذا يعني ذلك. لا أعرف كيف يمكن أن يكون ذلك قابلاً للفرض من الناحية القانونية. ومن وجهة نظرٍ طبية، لا أعرف ما الذي سيحقّقه".

وسلّط الخلاف بين الرئيس والزعيمين الديمقراطيين في ولاية نيويورك الضوء على جانب مثيرٍ للقلق في شأن استجابة الحكومة الفيدرالية لأزمة فيروس كورونا، ولا سيما لجهة تسييس المساعدات الفيدرالية. وذهب ترمب إلى حدّ القول إنّ الإمدادات المنقذة للحياة ستتوقّف على طريقة تعاطي حكام الولايات في جميع أنحاء البلاد معه.

وقال ترمب لشبكة فوكس نيوز عن التنسيق الجاري بين البيت الأبيض وحكام الولايات: "أعتقد أننا نقوم بعمل جيد للغاية. لكن، كما تعلمون، إنه طريق باتّجاهين مختلفين. عليهم أن يعاملونا معاملةً جيّدة أيضاً. لا يمكنهم القول ”يجب أن نحصل على هذا، ويجب أن نحصل على ذاك“". وهاجم ترمب في المقابل حاكمين آخرَين ينتميان إلى الحزب الديموقراطي في ولايتي ميشيغان وواشنطن، بعدما انتقدا طريقة تعاطي الحكومة الفيدرالية مع الوباء.

وكان الرئيس الأميركي قد قلّل في بداية الأزمة من تهديد فيروس كوفيد-19، لكنه تراجع عن موقفه ببطء مع ارتفاع عدد حالات الإصابة بالعدوى في الولايات المتحدة. وكان الفيروس في البداية أسوأ في الولايات الديمقراطية الساحلية، لكن حسب تحليلٍ أجراه موقع الاستطلاعات الإلكتروني FiveThirtyEight، فإنّ حالات الإصابة آخذة في التزايد الآن بسرعة في الولايات التي دعمت الرئيس دونالد ترمب في انتخابات 2016.

وانطلاقاً من هذه الذهنية، وجّه كومو تحذيراً إلى بقية البلاد هذا الأسبوع، قائلاً إنّ "ما يحدث الآن لنيويورك سينتهي به الأمر إلى الحدوث في ولاية كاليفورنيا وواشنطن وإلينوي. لقد وصلنا أولاً إلى هذه النقطة، ليس إلّا".

© The Independent