Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أحياء "الكرنتينا" بالعالم العربي... كورونا يعيدها إلى الواجهة

ورد المصطلح في أدبيات الأوبئة بكل الدول العربية... وهذه المدن خلَّدته بأحيائها حتى يومنا

استخدم مصطلح "كرنتينا" في كل تجارب الحجر في العالم العربي إلا أن ثلاث مدنٍ فقط حافظت على الاسم (غيتي)

ظلّت المدن الساحلية منذ القرون القديمة الأكثر عرضة للأوبئة وانتشار العدوى، بسبب اتصالها المباشر مع العالم عن طريق وسيلة السفر الدولية الوحيدة في ذلك الوقت (السفن)، حيث ترسو على موانئها تحمل المسافرين، نقطة الضعف الأولى وسبب العدوى الرئيس في أي وباء مرَّ على البشرية حتى العصر الحديث مع فيروس كورونا المُستجد.

فعمد كثيرٌ من هذه الدول منذ قرون إلى منع السفن من الرسو على سواحلها، قبل أن تقضي 40 يوماً معلقةً أمام الموانئ، للتأكد من خلو ركّابها من الأمراض المعدية، التي لا بدّ أن تظهر أعراضها عليهم قبل انقضاء هذه الفترة.

ومع مرور الوقت أصبحت الطريقة غير عملية، خصوصاً أنّ كثيراً من هذه السفن تحمل على ظهرها تجاراً وبضائع غير قابلة للانتظار والتأخير، وبحاجة إلى تعامل خاص، فعمدت هذه الدول إلى تأسيس "المحاجر الصحية".

وظهرت المحاجر الصحية في فرنسا للمرة الأولى، وحملت اسم Quarantaine، واشتق الفرنسيين هذه الكلمة من كلمة Quarante والتي تعني (أربعين) باللغة الفرنسية، وهي المدة التي كان يقضيها المحجور داخل الحجر للتأكد من سلامته.

لينتقل النموذج إلى أوروبا، وسُمّي في بريطانيا Quarantine، وبإسبانيا Cuarentena، وفي العربية كان قريباً من اللفظ الإسباني "الكرنتينا".

ومع تطوّر النموذج وتحوّل هذه المناطق المعزولة إلى أحياء سكنية، وتحوّل نشاط الحجر إلى مستشفيات مغلقة داخل هذه الأحياء، اختفت هذه الأحياء في العالم العربي بحكم عامل الزمن، وتقلَّدت أسماءً جديدة.

لكن، الأمر كان مختلفاً بالنسبة إلى بيروت وجدة وبغداد، تلك المدن التي حافظت على المسمّى رغم التغييرات التي طرأت على وظائف الأحياء فيها.

"كرنتينا بيروت"... من الوباء إلى التهجير
بدأت تجربة بيروت في تنظيم الحجر الصحي في القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي ظهر فيها تنظيم عمليات الحجر بشكل عام في العالم العربي مع تطوّر هذه الفكرة ووصلوها إلى المنطقة.

وحسب زهير هواري، الأكاديمي في الجامعة اللبنانية، الذي حكى لـ"اندبندنت عربية" قصة الكرنتينا في بيروت، أنّ هذا الحي تأسس عام 1835 "كانت المدن الداخلية تعتمد على إغلاق الأسوار، لمنع المسافرين المرشحين لحمل مرض أو وباء من نقله داخل المدن، إلا أنّ المدن الساحلية التي كانت تطل على موانئ ترسو فيها السفن التجارية، اعتمدت على إبقاء السفن في البحر 40 يوماً، قبل السماح لها بالرسو ومخالطة ركابها سكّان المدينة".

ويضيف، "الأمر تغيّر بعد سيطرة إبراهيم باشا على بلاد الشام، الذي أسس منطقة الكرنتينا في 1835 شرقي مرفأ بيروت"، وكان دافعه في ذلك هو أن طريقة الحجر القديمة "تعطّل عملية التجارة".

وكانت العملية تُجرى، حسب هواري، بإيداع ركّاب السفينة في الحجر المجاور للمرفأ، حتى يكملوا فترة الحجر، ويتأكد من سلامتهم من أي وباء، ومن ثمَّ يُسمح لهم بتجاوز سور المدينة.

ويحكي هواري قصة "كرنتينا بيروت" في العصر الحالي، قائلاً "بعد فترة تحوَّل الحجر إلى مستشفى داخل الحي، إلا أنّ الحيّ أصبح معدماً، يسكنه الفقراء والبدو الرُّحل والحرفيون محدودو الدخل، فصار حيّاً يمثل الطبقة الفقيرة بكل ما يفرزه تكدس هذه الطبقة في مكانٍ واحدٍ"، مضيفاً "ومرَّ على الحي فترات صعبة، إذ كان الكرنتينا أحد الأحياء التي طالها الاستهداف فترة الحرب الأهلية، واُرتكبت فيه مجازر من قِبل بعض فصائل الحرب، ليهجر من بقي حياً من أهل الحي إلى منطقة خلدة على مدخل بيروت من المنطقة الجنوبية"، واستمروا هناك إلى اليوم.

"كرنتينا جدة"... من الجزر إلى المستشفى
رغم أنّ السلطات في مدينة جدة عملت على تغيير اسم حي الكرنتينا إلى "المحجر" في فترة الحكم السعودي، فإن الأهالي في المدينة الساحلية استمروا في استخدام الاسم السابق، فصار دارجاً استخدام مسمّى "الكرنتينا" بدلاً من "المحجر".

ولا تختلف أسباب التسمية في جدة عن مثيلاتها في الدول الأخرى، إلا أن حاجة جدة إلى الحجر الصحي كانت مُلحة، كونها تقع على طريق الحج البري والبحري، ما جعلها عرضة لمعظم الأوبئة التي مرَّت على البشرية في القرون الماضية مثل الكوليرا والحمّى الصفراء والسُّل والملاريا وغيرها.

وكان الحجاج المصابون في السابق يحصلون على خدمة الحجر الصحي بمقر بجوار ميناء جدة، حتى نُقِل في فترة الحكم السعودي إلى ما يُعرف اليوم بحي "الكرنتينا" جنوبي جدة في عام 1965، بعد أن حوَّلته إلى مستشفى خاص بالأوبئة يعمل حتى اليوم.

ويفصِّل عدنان عدس، الرئيس السابق لهيئة تطوير جدة التاريخية، لـ"اندبندنت عربية"، تطوّر المحجر الصحي في جدة حتى وصوله إلى حي الكرنتينا الحالي "كان الحجرُ الصحيّ السابق في فترة الحكم العثماني بجوار الميناء، بحيث يُنقل المصابون إلى جزيرتين معزولتين وسط البحر تُدعى (سعد والواسطة)"، اللتين صارتا اليوم داخل نطاق القاعدة البحرية الخاصة بالقطاع الغربي للقوات المسلحة السعودية.

وكان العثمانيون يطلقون على الجزيرتين اللتين حُوِّلتا إلى محجر صحي للمرضى بـ"كرنتينا خانه"، قبل أن يُنقَل في منتصف القرن الماضي إلى حي المحجر "الكرنتينا" أقصى جنوب مدينة جدة عقب بناء مستشفى الملك عبد العزيز، الذي كان منطقة مقفرة وبعيدة عن النطاق السكاني، قبل أن يتحوّل إلى أكثر مناطق جدة اكتظاظاً، بعد أن غدت منطقة ذات غالبية أفريقية، يسكنها المهاجرون غير الشرعيين.

وكانت مهمة هذا المستشفى في وقت تأسيسه، هو التأكد من سلامة الحجاج من الأمراض المعدية فور وصولهم وحجر المصابين منهم، والتأكد من خلوهم منها بعد أداء مناسك الحج وتقديم تقارير إلى حكوماتهم عن مدى سلامة النسك من الأوبئة، حتى لا يتعرضوا للحجر فور وصولهم إلى بلدانهم.

"كرنتينا العراق"... بعد فوات الأوان
في عام 1831 ضرب الطاعون بغداد، وحصد حسب بعض الروايات الآلاف يومياً، حتى قيل إن المدينة كانت تشهد وفاة ما يقارب تسعة آلاف شخص في اليوم الواحد.

وتركت هذه الفترة العصيبة أثرها في المدينة العتيقة، فحسب ما ذكره علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث"، فإنّ ما يُعرف بـ(سوق الجايف) الواقعة بين شارعي النهر والرشيد، اكتسبت اسمها من تلك الحقبة، بعد أن امتلأت بالموتى في أثناء انتشار الطاعون، واشتدت نتانتها بسبب الجيف إلى درجة لا تطاق.

وبعد أن نجت بغداد بذاتها وقدراتها الشخصية من الزوال تحت وطأة الطاعون، طالب الأهالي الوالي العثماني بأن تقوم سلطات الانتداب بدورها للحيلولة من دون وقوع كارثة مشابهة في المستقبل، ليقوم الانتداب التركي بإنشاء "نظام الكرنتينا" للحجر الصحي، الذي نصّ على تأسيس دوائر للحجر الصحي في الولايات العثمانية الحدودية، لحماية استقرار الحزام المحيط بمركز السلطة التركية، والسبب في ذلك أنّ الطاعون الذي ضرب بغداد تسبب في نقل الوباء إلى العاصمة إسطنبول عام 1837.

ويقول الباحث العراقي، رشيد خيون لـ"اندبندنت عربية"، إن العراق بعد ذلك التاريخ شهد افتتاح عددٍ من دور الحجر الصحي، "شهد عددٌ من الولايات العراقية افتتاح محاجر، أشهرها كان في منطقة بغداد، التي تعرف بـ(الكرنتينا) إلى يومنا هذا، وتقع قريباً من الباب المعظّم، ورغم تبدُّل مهمتها، فإنها احتفظت باسمها (الكرنتينا) الذي لم يعد يشير إلى الحجر الصحي، بل إلى منطقة جغرافية".

وأضاف، "كانت الإقامة داخل (الكرنتينا) تمتد إلى 40 يوماً، يخرج بعدها من لم تثبت إصابته، وأنشأتها السلطات عند مداخل عددٍ من العواصم المهمة مثل بغداد".

"الكرنتينا" والصراع مع رجال الدين
لم تكن فكرة "الكرنتينا" حكراً على المدن المذكورة آنفاً، إلا أن ما منحها التفرُّد أنها احتفظت بهذا المسمى في أحيائها إلى زمننا الحالي، في حين أن الكرنتينا لم تترك أثراً جغرافياً في بقية مدن المنطقة، رغم أنها كانت نموذجاً مطبقاً بالمسمى ذاته في كل الدول العربية.

ووردت هذه المسميات في تاريخ الصراع بين رجال الطب والدين الذين اصطدموا بالمشروع لدواعٍ شرعية، كما يقول الباحث المغربي محمد الأمين البزاز في كتابه "الأوبئة والمجاعات في المغرب خلال القرنين 18 و19"، إذ نقل عن المؤرخ أبو القاسم الزياني أنه عام 1794 كانت سفينة تقلُّ الحجاج والركاب الأتراك والمسيحيين منعت من الرسو في ميناء تونس، حتى قضاء ركابها فترة الحجر الصحي أربعين يوماً.

ويورد البزاز نقلاً عن المؤرخ "إذ اعتبر هذا المؤرخ الإجراء (بدعةً)، الذي كتب أن هذا الإجراء (مخالف الشريعة)"، مضيفاً على لسان الزياني "بعد يومين، جاءنا الإذن بالنزول إلى الكرنتينا الشنعاء الممنوعة عرفاً وشرعاً، وأنزلونا بقلعة (تيكي) وسط البحر بقصد بدعة الكرنتينا، التي جعلوها دافعةً لوباء أرسله الله، قبَّح الله مبتدعها".

إذن وعلى ما يبدو، أنّ الصراع العقائدي مع الإجراءات الصحية التي تستند إلى الضرورة والمرجع العلمي، ليس صراعاً حديثاً، بل هو في أصل حركة التشدد العقائدي والتقليدية الدينية.