Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يشعل "حرب مسؤوليات" بين واشنطن وبكين

اتهامات أميركية للصين بتضليل الرأي العام العالمي بشأن الفيروس وبكين ترد باتهامات

مع ظهور أنباء تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) في مدينة ووهان، عاصمة مقاطعة هوبي الصينية، بوسائل الإعلام الغربية في يناير (كانون الثاني) الماضي، عجّت وسائل التواصل الاجتماعي سواء في الصين أو خارجها بهاشتاغ يحصر المرض على المدينة، مثل #wuhancoronavirus و# wuhanpneumonia، وبحلول فبراير (شباط) ومع انتشار الفيروس في بلدان أخرى في خمس قارات، أصبح العالم يستخدم صيغة وكلمات أخرى، بل عدَّ البعض تصنيف الفيروس على أنه "صيني" نوعاً من العنصرية.

التستر على الفيروس
عالمية الفيروس لا تنفي مكان النشأة الذي أجمع المتخصصون عليه، وأقرّت به الصين في البداية، فلم يظهر أي طبيب وبائي يشير إلى دليل على أن الفيروس جاء من أي مكان آخر غير الصين. لكن الأمر تحوّل إلى "حرب دعاية" بين اثنين من القوى العظمى، بشأن المسؤولية عن انتشار الفيروس بهذا الشكل المدمر إنسانياً واقتصادياً.

يقول متخصصون رفيعو المستوى من مركز أبحاث الصين المتقدم CACR، وهم ديفيد جيتر وساندي لو وبروك إردال، إن الصين شككت في أصول الفيروس المستجد، لأنها "تأمل التخلص من اللوم" على تسترها الأوليّ لتفشي المرض في ديسمبر (كانون الأول) ويناير الماضيين، ما كلَّف العالم وقتاً ثميناً لحشد الموارد وإنشاء استراتيجية احتواء ناجحة محتملة.

وحسب تقرير سريّ تسلّمه البيت الأبيض، هذا الأسبوع، وحصلت وسائل الإعلام الأميركية على مقتطفات لمحتواه، خلصت المخابرات الأميركية إلى أن الصين "أخفت مدى تفشي الفيروس المستجد في بلادها"، إذ لم تبلّغ عن إجمالي الحالات والوفيات جراء المرض.

تزييف الأرقام
وذهب التقرير، وفقاً لمصادر تحدّثت عن بعض ما يتضمنه أن الاتجاه هو أن التقارير العامة في الصين عن الحالات والوفيات "غير مكتملة عمداً"، وأن أرقام الصين "مزيفة".

وبدأ تفشي المرض في مقاطعة هوبي الصينية أواخر عام 2019، لكن السلطات الصينية أعلنت 82 ألف إصابة فقط و3300 حالة وفاة، وفقاً للبيانات التي جمعتها جامعة جونز هوبكنز، مقارنة بـ189 ألف إصابة وأكثر من 4000 حالة وفاة في الولايات المتحدة.

وأبدت الولايات المتحدة بين الحين والآخر رغبة في التعاون مع الصين، ففي 27 يناير (كانون الثاني) الماضي، وبينما لم يكن هناك سوى خمس حالات إصابة في الولايات المتحدة لأشخاص قادمين من الصين، غرَّد الرئيس الأميركي أن واشنطن على "اتصال وثيق" مع الصين، وأنه عرض على نظيره الصيني "المساعدة".

ولعدة أسابيع، أشاد الرئيس الأميركي مراراً بتعامل الحكومة الصينية مع أزمة الفيروس، لكن في خضم ذلك، اتّهم السيناتور الأميركي توم كوتن، خلال جلسة استماع في الكونغرس، مطلع فبراير (شباط) الماضي، المسؤولين الصينيين بـ"تضليل الرأي العام" بشأن منشأ فيروس كورونا القاتل، مشيراً إلى اعتقاده أن الفيروس "طُوِّر داخل المختبرات الصينية"، باعتباره "سلاحاً بيولوجياً".

كما فرضت الولايات المتحدة في يناير حظر السفر إلى الصين، ووضعت قيوداً على الوافدين، وهو ما أثار انتقادات بكين التي اعتبرتها "مبالغاً فيها". ومع الانتقادات والإجراءات الاحترازية المتزايدة التي اتخذتها الولايات المتحدة وغيرها من البلدان تجاه الصين، سعى مسؤول صيني رفيع لعكس المشهد، وتوجيه اتهامات بالمؤامرة إلى الأميركيين.

ففي 12 مارس (آذار) الماضي، غرَّد ليجان زاهو، المتحدّث باسم إدارة المعلومات بوزارة الخارجية الصينية، على صفحته الرسمية بـ"تويتر"، متسائلاً: "متى بدأ المريض الأول في أميركا؟ كم عدد الأشخاص المصابين؟ ما أسماء المستشفيات؟ يمكن أن يكون الجيش الأميركي هو من جاء بالوباء إلى ووهان. كونوا شفافين، أعلنوا بياناتكم للعامة! الولايات المتحدة تدين لنا بتفسير".

حرب كلامية
هذه التغريدة فجَّرت حرباً كلامية بين الولايات المتحدة والصين، وسرعان ما شارك الرئيس الأميركي في هذه الحرب، ففي 16 مارس (آذار) استخدم ترمب تعبير "الفيروس الصيني"، في إشارة إلى كورونا، مؤكداً أنه "أتى من الصين، لذا فإن هذه العبارة في محلها".

وكانت وسائل الإعلام الصينية نفسها تستخدم في البداية عبارة فيروس ووهان لتهدئة القلق، لكن تدريجياً اُستبدلت بـ"كوفيد 19"، بعد نصيحة متخصصو الصحة العامة الذين حذّروا من وصمة ربط الأمراض الفتّاكة بمجموعة عرقية أو مكان.

الدعاية الصينية حول أصول الفيروس وأعداد الضحايا شهدت تطوراً منذ فبراير (شباط)، وهو ما يكشف عن نهج ذي شقين يهدف إلى إعادة توجيه اللوم بعيداً عن الصين وزرع الارتباك والخلاف بين منتقدي الصين.

وحسب متخصصي مركز أبحاث الصين المتقدمة فإن بكين بدأت أولاً في الاستفادة من الدراسات والبيانات التي أدلى بها العلماء لدعم ادعائها بأن فيروس كورونا ربما يكون نشأ خارج الصين.

ففي 20 فبراير، نُشرت أول دراسة تعزز هذا الرأي تحت رعاية الأكاديمية الصينية للعلوم والمعهد الصيني لأبحاث الدماغ، وخلصت إلى أن سوق ووهان للمأكولات البحرية "ربما لم تكن مصدر الفيروس".

بعد ذلك بأسبوع، كانت صحيفة People's Daily الرسمية هي الأولى التي تقفز من الشك في سوق ووهان مكان المنشأ إلى الشك في أن الصين بلد المنشأ، واتّبعتها وسائل الإعلام المحلية سواء الناطقة بالإنجليزية أو الصينية في ترويج هذا السرد.

التشكيك في أصل كورونا
بشكل عام بالنسبة إلى وسائل الإعلام الصينية فإنّ الحرب الكلامية شهدت تحولين منذ اندلاع هذه الأزمة. فوفقاً لتقرير صادر عن شركة الأمن السيبراني "ريكورد فيوتشر"، فإن السلطات الصينية وجَّهت وسائل الإعلام الصينية الناطقة باللغة الإنجليزية مثل صحيفة "غلوبال تايمز"، المملوكة للدولة، للتحوّل من معلومات حول انتشار المرض وأصله لصالح منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تشيد بتعامل الحكومة والرئيس شي جين بينغ، ثم اعتباراً من أواخر شهر فبراير، اتخذت نغمة أكثر عدوانية، متهمة الغرب بالرهاب من الأجانب، وألقت بشكوك على أصول الفيروس.

في الفترة من 4 إلى 9 مارس (آذار)، فتحت وزارة الخارجية الصينية قناة موثوقة ثانية لفصل الصين عن الكارثة العالمية المتنامية، عندما ادّعى المتحدثون باسم وزارة الخارجية في المؤتمرات الصحافية وعلى حسابات تويتر الفردية (التي تسيطر عليها بكين) أن أصول تفشي فيروس كورونا الجديد "لم تحدد بعدُ". وصولاً إلى زعم المتحدث باسم الخارجية في مؤتمر صحافي عقد في 11 مارس بأن "منشأ الفيروس يمكن تحديده فقط بالعلم، نحتاج إلى الاعتماد على وجهات النظر العلمية والمهنية، لا نأمل رؤية أي أحد يستخدم هذه المسألة لوصم دول أخرى"، ثم بعدها جاءت التغريدة المثيرة الجدل لنائب رئيس إدارة المعلومات بوزارة الخارجية، التي اتهم فيها الجيش الأميركي بنشر الفيروس في ووهان.

وفي 22 من الشهر نفسه، أطلقت وسائل الإعلام الصينية المملوكة للدولة سرداً آخر، إذ طرحت سؤالاً عمّا إذا كان الفيروس نشأ في إيطاليا، وهو ما يظهر حسب المتخصصين محاولات بكين لإلقاء اللوم بعيداً على أي مكان آخر، وليس الولايات المتحدة فقط.

ويقول متخصصو مركز أبحاث الصين المتقدم، إن بكين تشعر بالحاجة إلى تقويض حقيقة دورها المبكّر في ترك الفيروس يخرج عن نطاق السيطرة، لأن هذه الحقيقة مدمرة لجهود بكين لتصوير نفسها كقوة عالمية مسؤولة، وربما مدمرة أيضاً على المستوى المحلي.

من جانب آخر يسعى الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لتصوير تعامله مع وضع ووهان على أنه "نموذج ناجح" تتبعه الدول الأخرى. ومع ذلك، فإن نجاح الدولة في ووهان أصبح موضع تساؤل، حيث نشرت شبكة بلومبيرغ صوراً لآلاف الجرارات التي تحمل بقايا المتوفين بعد حرقهم، ما يشير إلى أن عدد القتلى الفعلي في ووهان أعلى كثيراً مما ذكرته السلطات.

واستغل البعض في الولايات المتحدة بيانات نشرتها شركات الاتصالات الصينية عن فقدانها ملايين المستخدمين خلال الأشهر الثلاثة الماضية، باعتبارها دليلاً على موت هؤلاء المستخدمين نتيجة تفشي الفيروس. لكن الشركات ردّت بأن هذا العدد المتراجع من المستخدمين يعود إلى تخلي أصحابهم عن الخطوط الإضافية في ظل أزمة الفيروس والتزامهم الحجر الصحي.

ادعاءات وأكاذيب
وقال هسو لي يانغ، الذي يرأس برنامج الأمراض المعدية في جامعة سنغافورة الوطنية، "إن عدد الحالات المؤكدة لـ(كوفيد 19) حسب الدولة يبدو وكأنه جدول دوري قاتم، ويجذب انتباه الكثيرين".

وأضاف، "ومع ذلك، من المهم أن نفهم أن هذه الأرقام، سواء كانت من الصين أو إيطاليا أو سنغافورة أو الولايات المتحدة، كلها غير دقيقة، وكلها أقل من الواقع بدرجات متفاوتة من العدد الفعلي للعدوى".

فحسب وكالة أسوشيتد برس فإن أولئك الذين ماتوا قبل اختبارهم لم يُضافوا إلى حصيلة الموت الرسمية. وبالنسبة إلى حالات الإصابة فقد تبين أن الصين لا تضيف المصابين الذين لم تظهر عليهم أعراض. وقال طبيب لـCaixin، مجلة صينية، إن عدد القتلى للحالات المشتبه بها في المستشفى الذي يعمل به كان مرتفعاً تقريباً، مثل الحالات المؤكدة على مدى 20 يوماً.

ويقول بول هينلي، المدير لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن الإدارة الأميركية محقة في الدفع بقوة وإصرار ضد مزاعم الصين التي لم يُحقق منها. كما جادل روش دوشي، مدير مبادرة استراتيجية الصين لدى معهد بروكنجز، "تريد الصين أن تدّعي قيادة الاستجابة العالمية للفيروس المستجد. لكن التستر على الفيروس والكذب بوقاحة عن أصوله يعقّد هذا الجهد".

وأشار مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي، الأربعاء الماضي على شبكة (سي إن إن)، إلى أن "الحقيقة هي أنه كان بإمكاننا أن نكون أفضل حالاً لو كانت الصين أكثر استعداداً". وأضاف "ما يبدو واضحاً الآن هو أنه قبل وقت طويل من إبلاغ العالم، فإن الصين كانت تتعامل مع هذا، وربما قبل شهر من ذلك، أن تفشي المرض كان حقيقة في الصين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وربما كان المشرّعون الجمهوريون في الولايات المتحدة أكثر انتقاداً بشأن دور الصين في تفشي المرض. وقال السناتور بن ساس، وهو جمهوري من نبراسكا، في بيان: "إن الادعاء بأن الولايات المتحدة لديها وفيات أكثر من الصين ادعاء كاذب".

وأضاف، "من دون التعليق على أي معلومات سرية، هذا واضحٌ بشكل مؤلم للغاية: لقد كذب الحزب الشيوعي الصيني، يكذب، وسيستمر في الكذب حول فيروس كورونا لحماية النظام".

وقالت ديبورا بيركس، متخصصة المناعة في وزارة الخارجية الأميركية ومستشارة البيت الأبيض، في مؤتمر صحافي يوم الثلاثاء، "المجتمع الطبي فسَّر البيانات الصينية على أنها: كانت خطيرة، لكنها أصغر مما يتوقعه أي شخص. أعتقد على الأرجح أننا فقدنا قدراً كبيراً من البيانات، خصوصاً الآن بعد أن حدث ما نراه لإيطاليا ونرى ما يحدث لإسبانيا".

وبعيداً عن تلك الحرب الإعلامية يتفقُ الجميع على ضرورة التعاون في مواجهة وباء يهدد البشرية. فبينما اتهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الصين مراراً بالتغطية على حجم المشكلة وبطء تبادل المعلومات، ورفض عروض المساعدة من متخصصين  أميركيين، داعياً إلى الشفافية بشأن تفشي الفيروس، فإنه في الوقت ذاته قال في 17 مارس الماضي إن ردّاً على الاتهامات الصينية للجيش الأميركي بنشر الفيروس في ووهان، "الوقت ليس مناسباً لنشر معلومات مضللة وإشاعات غريبة، إنما لأن توحّد كل الأمم جهودها من أجل التصدي لهذا التهديد المشترك".

وبالمثل أيضاً قال جينغ شوانغ، متحدث خارجية الصين، "يجب على العالم الاجتماع معاً لمحاربته (فيروس كورونا) عوضاً عن توجيه اتهامات ومهاجمة بعضها بعضاً، وهو الأمر غير البنّاء".

ويقول خبير مؤسسة كارنيغي، "توجد حاجة ماسة لقنوات الاتصال المفتوحة، إذ يتعين على الولايات المتحدة والصين استعادة وتجديد الحوارات الوزارية السابقة التي عالجت قضايا مثل الأوبئة والسيطرة على الأمراض. فبعد تفشي مرض السارس وإنفلونزا H5N1، أطلقت واشنطن وبكين مبادرات مثل البرنامج التعاوني للأمراض المعدية الناشئة ومنتدى الرعاية الصحية بين الولايات المتحدة والصين لوضع أفضل الممارسات والحوار حول القضايا الاقتصادية والسياسات التي تؤثر في الصحة العالمية".

المزيد من متابعات