Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا يعزز حالة الاستقرار الأمني في دارفور

اتخذت السلطات إجراءات احترازية مشددة لمنع انتشار الفيروس على أراضيها

جندي سوداني في عاصمة إقليم دارفور الفاشر (غيتي)

ارتبط إقليم دارفور الذي يقع في الجزء الغربي من السودان، منذ عام 2003 بعدم الاستقرار الأمني نتيجة لاندلاع الحرب بين القوات الحكومية والحركات المسلحة، التي راح ضحيتها 300 ألف قتيل، ونزح نتيجتها أكثر من مليوني شخص إلى المناطق القريبة من الولاية، فضلاً عن دولة تشاد المجاورة. بيد أن الإقليم شهد في السنوات الماضية، وتحديداً بعد سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، حالة نسبية من الاستقرار، نظراً إلى وقف النزاع بين الطرفين، على ضوء مفاوضات السلام الجارية حالياً في عاصمة جنوب السودان جوبا، منذ تشكيل الحكومة الانتقالية في سبتمبر (أيلول) الماضي.

لكن، مع ذلك، يبدو أن الإجراءات الاحترازية المشددة لمنع انتشار فيروس كورونا في الإقليم التي اتخذتها السلطات المختصة، ومن أهمها إغلاق الحدود مع دول الجوار وفرض حظر التجوال في كامل أنحاء دارفور، أسهمت في تعزيز الاستقرار الأمني بشكل لافت وملحوظ.

وقف العدائيات

وبحسب قائد قوات الدعم السريع في ولاية وسط دارفور العميد علي يعقوب جبريل، فإن دارفور تشهد استتباباً ملحوظاً في الأوضاع الأمنية والصحية، وهي خالية حالياً من حالات الإصابة بالفيروس. وأضاف "منذ ظهور هذا الوباء، شُكّلت غرفة للطوارئ الصحية في الولاية لمجابهته بالتنسيق مع لجنة أمن الولاية ووزارة الصحة، في وقت أخضعت السلطات الصحية والأمنية بوسط دارفور الموجودين عند المعابر الحدودية المتاخمة لدولتي أفريقيا الوسطى وتشاد للفحص الطبي للتأكد من خلوهم من الإصابة بالفيروس، إضافةً إلى رفع درجة التأهب القصوى".

وأشار إلى أنه بفضل التنسيق مع الأجهزة الأمنية وحكومة الولاية، لم نشهد منذ فترة أي أعمال عدائية بيننا وبين حركات الكفاح المسلح، التي تتمركز في منطقة جبل مرة، حيث اتُّخذت تدابير أمنية بمشاركة 2000 عنصر من قوات الدعم السريع.

وحول ما يحدث من اختراقات وأثرها في استقرار المنطقة، يقول إنّ "ولايات دارفور بشكل عام تُعدُّ من الولايات ذات الهشاشة الأمنية لما عانته من حروب وظروف سيئة على مدى أعوام. لذا، فإن عودة الاختراقات بسبب انتشار السلاح العشوائي ليست أمراً غريباً، بيد أنّ الجهود المشتركة التي تبذلها الأجهزة الأمنية المختلفة وولايات دارفور الأخرى، كان لها الأثر البارز في تحجيم مثل هذه الظواهر والقضاء عليها".

ونوّه إلى التواصل المستمر مع شيوخ معسكرات النازحين عبر لجنة الأمن في الولاية، للتعرف على الأوضاع الاجتماعية داخل هذه المعسكرات، والتي تؤكد التقارير أنها جيدة ومستقرة مثل أحياء المدن، مبيناً أن حملات توعية بمخاطر فيروس كورونا نُفّذت داخلها. كما تقدمت وزارة الصحة بطلب للسماح لها بإدخال الفرق الخاصة للتوعية بهذا الوباء إلى منطقة جبل مرة، الواقعة تحت سيطرة حركات الكفاح المسلح.

العودة الطوعية

ولفت إلى أن استقرار الأوضاع في إقليم دارفور شجع كثيرين من الذين هربوا أيام الحرب على العودة الطوعية إلى مناطقهم في الولايات الثلاثة، مؤكداً أن هذا التوجه قطع شوطاً كبيراً، بيد أن هذه العملية ترتبط بتوفير الخدمات اللازمة بهدف تشجيع الغالبية العظمى على العودة إلى مناطقهم الأصلية وإعمارها.

وعن مدى تأثير تعدّد النسيج الاجتماعي والقبلي داخل دارفور في تأجيج بعض النزاعات من الحين إلى الأخر، قال جبريل "شغلت مسألة المصالحات القبلية ورتق النسيج الاجتماعي بين مكونات الولاية المختلفة حيّزاً واسعاً من جانب الدولة على مدى سنوات، وسبق أن عُقدت مصالحات قبلية برعاية الدعم السريع لمدة أربع سنوات ومتابعة الصلح حتى إيقاف الحرب نهائياً، وذلك من منطلق الحرص على إيجاد برامج اجتماعية للقبائل التي شاركت في القتال، من بينها وقف الحرب بين قبيلتي المسيرية والسلامات لفترة أربع سنوات، وبين قبيلتي الزريقات وبني حسين، وعدد من المصالحات الأخرى، إضافةً إلى تأسيس صندوق مالي خُصّص للصلح، في وقت حرصت فيه قواتنا على عدم استخدام القوة إلّا عند الضرورة".

وأوضح أن دارفور تُعدُّ من الولايات الكبرى، حيث تحدّها أربع دول هي ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، لذلك من الطبيعي أن تعاني من تهريب السلع المدعومة من قبل ضعاف النفوس، وهو ما كثّف من عمليات الرقابة الحدودية وضبط السلع المهربة من مواد تموينية ومشتقات بترولية بواسطة السيارات والدواب، إلى جانب إحباط محاولات إدخال المخدرات وغيرها من المواد المحظورة والممنوعة عبر الحدود.

وأكد أن القوات المسلحة والشرطة بوحداتها كافة تعمل يداً واحدة على تحقيق الاستقرار في دارفور ووقف أي ممارسات تخلّ بالناحية الأمنية وتضرّ بالاقتصاد الوطني، فضلاً عن الإسهام في ضبط وتأمين الحدود ومكافحة عمليات الإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية والتهريب.

استدامة السلام

في المقابل، لعبت العملية السياسية المتصلة بمفاوضات السلام دوراً مهماً في تهدئة الأوضاع في هذا الإقليم، وذلك لما أظهرته الحكومة الانتقالية من جدية في التعامل مع حاملي السلاح، للتفرغ بعدها لإحداث تحوّل تنموي في دارفور والعمل على عودة النازحين إلى مناطقهم.

ووفقاً لعضو في وساطة المفاوضات السودانية في جوبا، فإنّ تقدماً ملحوظاً حدث في مسارها، عزّزته الرغبة في تغلّب إرادة السلام والتوجه نحو التنمية. ولفت إلى أن الحكومة السودانية والحركات المسلحة توصلا إلى تفاهمات متقدمة في ملف تعويضات المتضررين من الحرب، إلى جانب الاتفاق على السلطات والصلاحيات الحصرية لإقليم دارفور.

كما اتُّفق في هذا المسار على إنشاء مفوضية الرعاة والرحل لوضع الأسس والبرنامج لتطوير هذا القطاع، ما اعتبره عضو مجلس السيادة السوداني والمتحدث باسم وفد الحكومة لمفاوضات السلام محمد حسن التعايشي، خطوة مهمة لإرساء استقرار دائم في دارفور، باعتبار أن الصراع في هذا الإقليم صراع على الموارد.

كذلك، اتفقت أطراف التفاوض على آليات العدالة والإنصاف، بما في ذلك إنشاء محكمة خاصة بالانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق في دارفور من جرائم الحرب والإبادة والاغتصاب، إلى جانب النظر في الجرائم المتعلقة بالانتهاكات الإنسانية الناتجة من الحرب.

قوات "يوناميد"

وفي إطار الجهود الداعمة لاستقرار واستتباب الأمن في هذا الإقليم، اعتمد مجلس الأمن الدولي في وقت سابق مشروع قرار تقدمت به ألمانيا وبريطانيا وأيرلندا الشمالية يقضي بتمديد ولاية البعثة الأممية لحفظ السلام في إقليم دارفور حتى مارس (آذار) 2021.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونصّ القرار على أن تحتفظ "يوناميد" بمواقعها وكوادرها البشرية كافة، مع وضع تدابير أخرى في ما يتعلق بإجراءات تخفيضها وانسحابها بعد انقضاء التمديد.

وخلال العامين الماضيين، أغلقت "يوناميد" التي بدأت مهمتها عام 2008، 11 موقعاً تابعاً لها في دارفور، ضمن خطة الانسحاب التدريجي لهذه القوات المتفق عليها بين الخرطوم ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي.

السكان والمساحة

يُذكر أنّ حرب دارفور اندلعت لأسباب عدّة، لكن هناك اختلافاً في الآراء حولها. فهناك من يرى أنها تفجّرت بسبب صراع على المرعى والماء وأماكن الإقامة، أي الحواكير (ملكية القبيلة للأراضي)، تحوّل إلى صراع مُسيّس. وآخرون يؤكدون أن أسباب الحرب سياسية، نتجت من قرارات اتُّخذت من قبل حكومة البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق وبعض القوى السياسية في دارفور. لكن طرفاً ثالثاً يشير إلى أنّ أزمة دارفور تتعلق بعدم قبول التعدّد المترافق مع عجز تنموي.

ويُعدُّ إقليم دارفور من أكبر ولايات السودان، إذ تبلغ مساحته 493 ألف و180 كلم²، فيما تحده أربعة دول هي ليبيا من ناحية الشمال الغربي، وتشاد غرباً، وجنوب السودان من الناحية الجنوبية، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي. وأسهم موقعه في إطالة أمد الصراع في الإقليم بسبب التداخل مع الدول المجاورة التي كانت تشهد صراعات.

وتضم تركيبته السكانية قبائل أفريقية وأخرى عربية، بعضها مستقر، والأخرى من البدو الرحل الذين يمتهنون الرعي، وهؤلاء من اتُّهمت الحكومة السابقة بتدريبهم على القتال إلى جانبها ضد القبائل العربية الأخرى، ويُطلق عليهم "الجنجويد"، في حين كانت حكومة البشير تنفي دائماً وجود أي صلة لها بهؤلاء المقاتلين. ويُتّهم "الجنجويد" من قبل البعض بأنهم لا يمثلون أي قبيلة، وهم أفراد غير منضبطين ينحدرون من قبائل عدّة ولا يلتزمون قواعد العرف المحلي ويمارسون النهب المسلح.

المزيد من تقارير