Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عائلات تعيد ترتيب أوراقها خلف أبواب "كورونا" المغلقة

حدث تغير مفاجئ في نظام الحياة وأسلوب المعيشة داخل المنزل... وكل البيوت في هواء الحظر سواء

الأبواب المغلقة على سكانها تنضح بكثير من التفاصيل في أيام الحظر (أ.ف.ب)

الوضع في البيت لم يعد مجرد تجاذبات كلاسيكية بين "مدام حنان" التي تشعر أنها تحمل الكوكب على رأسها بين وظيفة تؤديها خارج المنزل وحزمة وظائف تصارع الزمن لإنجازها في داخله، بينما "أستاذ عادل" يرفع شعار "أذن من طين والأخرى من عجين"، مكتفياً بمهامه الوظيفية كمحاسب يعمل من السابعة والنصف حتى الرابعة والنصف في البنك، ويتأرجح بين المقهى والنادي فيما تبقى من ساعات الاستيقاظ.

الزهرة والمريخ
كما أن المسألة لم تعد مختزلة في مقالات صحافية وكتب تنمية بشرية وعلاقات أسرية عن كيفية عمل عقول النساء القادمات من الزهرة في مقابل الرجال القادمين من المريخ.

حتى الأسئلة التي ترد إلى برنامج تحسين العلاقات الاجتماعية وترميم المشكلات الأسرية لم تعد تدور في فلكها المعتاد، حيث "زوجي تزوج بأخرى ماذا أفعل؟" أو "زوجتي أصبحت سمينة كيف أتصرف؟".

عالم البيت تغير في "زمن كورونا". هيكل المسؤوليات المتعارف عليها، وطبيعة العلاقات بين سكانه، وماهية التمويهات التي أجبرت الجميع على اللجوء إليها من أجل استمرار عجلة الحياة، جميعها جارٍ إعادة هيكلته والبعض الآخر خاضع لعملية نسف وإعادة بناء "على مياه بيضاء".

بياض الغسيل
درجة بياض الغسيل لم تعجب الزوج القابع في البيت على غير العادة. وقف في الشرفة الملحقة بالمطبخ والمخصصة لوأد الكراكيب ونشر الغسيل، وأمعن النظر في الصف الأول، ثم الثاني وهلم جرا إلى أن وصل إلى الصف الأخير. وهنا استدعى الزوجة ليخبرها أن درجة البياض ليست على ما يرام، وأن عليها أن تخضع الغسيل أبيض اللون لدورة غسيل سريعة قبل الدورة الرئسية، وحين لمح علامات الاستنكار وأمارات الاستنفار على وجهها، اتهمها بالإهمال والتهوين. من جهتها، طالبته الزوجة بالانصراف فوراً عن منطقة الشرفة وعدم دخولها مجدداً إلا بإذن مسبق، مذكرة إياه بأن قدميه لم تطئا هذه الشرفة منذ تزوجا قبل ما يزيد على 15 عاماً.

 

"الـ15 عاماً السابقة في كفة، والفترة الحالية التي بدأت قبل أسبوعين في كفة" تقول الزوجة منى سالم، 38 عاماً، والتي تشغل وظيفة إدارية في إحدى الجامعات الخاصة، وتشير إلى أنها وزوجها بدءا العمل من البيت امتثالاً لتعليمات جهتي عملهما في الوقت نفسه، لكنه أخذ على عاتقه مهمة إضافية، ألا وهي مراقبة الأعمال المنزلية بعد انتهاء أوقات عمله الرسمية المخصص له غرفة الجلوس. أما هي فتباشر عملها "أون لاين" كذلك، ولكن من على طاولة المطبخ الذي تصفه بـ"الملاذ الآمن" لها من صخب الصغار وتدخل الزوج.

ولا يرى الزوج علاء الشرقاوي، 40 عاماً، في ما يفعله تدخلاً أو تطفلاً، ويقول "إنها مجرد ملاحظات عادية. هذه أشياء لم أكن ألحظها من قبل لأنه لم يحدث أن مكثت هذا الوقت الطويل في البيت، وحتى أيام الحظر المفروضة وقت أحداث عامي 2011 و2013، لم أكن ملتزماً بالبقاء في البيت كالتزامي الآن".

ساعات الحظر
الالتزام بالبقاء في البيوت، سواء بحكم ساعات الحظر الرسمية المطبقة من السابعة مساءً إلى السادسة صباح اليوم التالي، أو بحكم العمل من البيت أو بمبادرة شخصية، كشف المستور فيما يختص بأسرار البيوت، كما سلّط الضوء على طبيعة، أو بالأحرى حقيقة، العلاقات التي كانت تتخذها الغالبية أمراً مفروغاً منه مسلماً به غير قابل للتغيير، والأفضل أن يبقى على ما هو عليه من دون نبش أو تعديل.

وإذا كان تعديل ساعات النوم، وتحسين أسلوب التغذية، وتغيير نمط العمل والترفيه، من الأمور التي طرأت على بال ملايين المحظورين، فإن تلك الملايين تعبر جسراً صعباً يصعب تفنيده ويستحيل تعميم قواعد عبوره هذه الأيام، وهو جسر العلاقات الأسرية القابعة خلف كل باب بيت مغلق.

الأبواب المغلقة على سكانها تنضح بالكثير في أيام الحظر، ويمكن القول إن أبسط وأسهل وأهون ما يجري خلفها هو ذلك المفهوم الكلاسيكي المقتول بحثاً حول اضطرار الأزواج والزوجات لمعاودة أيام التقارب الجغرافي وإحياء ذكريات التشارك في اتخاذ القرار، حتى لو كان قراراً يتعلق بدرجة بياض الغسيل، أو طريقة طهي القرنبيط، أو أسلوب التعاطي مع الصغير.

إقامة الآباء
الصغير الذي سأل والدته بكل براءة "هل بابا ينوي الإقامة معنا؟" ليست نكتة يتم تداولها في "زمن كورونا" ومكوث ملايين الرجال في البيوت على غير عادتهم، بقدر ما هي شر البلية الذي يضحك ويستوجب المتابعة. متابعة المقالات الصحافية في زمن ما قبل

"كورونا" عن العلاقة بين الأزواج والبيت تكشف كارثة، فالغالبية العظمى مما يُكتب ظل يدور في آفاق سخيفة لزجة لا تخرج عن إطار "كيف تجذبين زوجك إلى البيت؟"، و"كيف تتحايلين على رغبة زوجك المستمرة في البقاء خارج المنزل أطول فترة ممكنة؟"، و"لا تلومي إلا نفسك لو كان زوجك من عشاق البقاء خارج البيت أطول فترة ممكنة". اليوم انقلب سحر الابتعاد عن البيت على الساحر، وباتت مسألة البقاء في البيت أمراً واقعاً، لا مجال لتحويله إلى خناقة حامية الوطيس بين الجارية المقيمة في البيت "أمينة" والسيد المستمتع بحياته خارج البيت والمكشر عن أنيابه في داخله.

داخل كل بيت قصة وحكاية. لبنى مدبولي، 50 عاماً، أستاذة جامعية، كانت تمضي أغلب ساعات النهار وجانباً من المساء في الجامعة، عكس زوجها مصطفى فهمي، 53 عاماً، الملتزم بعمل مكتبي من التاسعة إلى الخامسة. يضحك الزوج ويقول "في بيتنا الآية مقلوبة. لبنى متوترة جداً جراء البقاء في البيت لأوقات طويلة لم تعتدها منذ تزوجنا. الوضع بالنسبة إليّ أهدأ، وباستثناء مخاوف الفيروس الطبيعية، أقوم بدور المعالج النفسي لها لتعتاد ساعات البقاء في البيت مع القدرة على استمرار عملها مع الطلاب عبر الإنترنت، وفي الوقت نفسه، لا أنكر أنني اكتشفت فيها صفات وتغيرات لم ألحظها من قبل".

اكتشاف شريك الحياة
الصفات والتغيرات التي يتحدث الكثيرون والكثيرات عن اكتشافها في شريك الحياة سببها الرئيس اعتياد روتين أسري يومي قائم على التباعد الفكري والاستقلالية المفرطة اللذين تراكما على مدار سنوات بين أفراد الأسرة، واعتمادهما أسلوب حياة. تقول مدبولي ضاحكة "أعترف أن الأيام القليلة الماضية جعلت أفراد عائلتي يكتشفون تغيرات عدة في بعضهم البعض. نعم أنا تغيرت من دون أن يكون لدي رفاهية الوقت لألاحظ ذلك، وكذلك زوجي وأبنائي الذين كبروا وأصبح لكل منهم منهج وأسلوب حياة مستقل من دون أن ألاحظ".

 

ملاحظة التغيرات التي حدثت خلال سنوات مضت حان وقتها بأمر "كورونا"، وهي ملاحظات تدور رحاها سواء انتبه لها الأشخاص أم لا. شكاوى عدة تدور في فلك الشعور بالضيق أو الاختناق جراء التعامل المستمر مع أفراد الأسرة ترد إلى المعالجة النفسية سهى نادر، والتي تحولت إلى الاستشارات عبر صفحتها على "فيسبوك" نظراً لإغلاق المركز الذي تعمل فيه. الشكوى تتخذ أشكالاً مختلفة ويجري التعبير عنها بطرق عدة. تقول "طبيعي جداً أن أربعة أو خمسة أو سبعة أشخاص كانوا يتعاملون مع بعضهم البعض لعدد محدود من الساعات يومياً ثم استيقظوا ذات يوم ليجدوا أنفسهم (وشهم في وش بعض) 24 ساعة في اليوم. المتوقع إذن أن تتزايد معدلات الخلافات واكتشاف الاختلافات والتغيرات التي طرأت على كل فرد من أفراد الأسرة بغض النظر عن مدى جودة أو سوء العلاقة بينهم قبل الحظر. ما حدث هو تغير مفاجئ في نظام الحياة وأسلوب المعيشة والفضاءات العامة والشخصية في داخل البيت".

مساحات البيوت
وفي داخل البيوت، تختلف المساحات، ومن ثم أماكن الخصوصية المتاحة، ورغم أن الجميع يتحدث بوله شديد عن ذلك التقارب الذي طال انتظاره وذاك الدفء المراد اقتناصه، فإن كلمة السر لإنقاذ الزيجات من شبح الانهيار في "زمن كورونا" يكمن في تحقيق معادلة التقارب مع الحفاظ على التباعد قدر الإمكان. تقول سهى إن على الأزواج والزوجات، وكذلك الأبناء والبنات، لا سيما المراهقين والشباب أن يحاولوا قدر المستطاع الاستفادة والاستنفاع من هذا التقارب المفروض بفعل الفيروس، والذي كانت تفتقده الملايين، لكن في الوقت نفسه، عليهم قدر الإمكان تخصيص وقت وحيزٍ للخصوصية حفاظاً على الصحة النفسية. وتضيف "علينا الاعتراف بأن الخصوصية من المفاهيم المغلوطة في مجتمعنا، إذ يساء فهمها من قبل كثيرين ممن يعتبرونها والانعزالية أو غرابة الأطوار وجوهاً لعملة واحدة، لكنها في حقيقة الأمر، سواء بمفهومها الجغرافي أو النفسي، ضمان للصحة النفسية".

الصحة النفسية العليلة
الصحة النفسية في ظل البقاء في البيت مع الأهل في "زمن كورونا" قد تنتعش بفعل إعادة إحياء الدفء المفقود والتواصل المنشود، لكن في الوقت نفسه يشوبها الكثير من التهديدات القادمة من أقرب الأقربين والتربصات النابعة من أعتى المحبين.

ليس هناك أحب للأم والأب من الأبناء والبنات، كما أنه ليس هناك أثقل على كواهل الأبناء والبنات من تدخلات الأمهات والآباء التي كانت عادة تحدث وقت الاجتماع السريع على مائدة الطعام أو اللقاء العابر أثناء الاتجاه الاضطراري من غرفة النوم إلى الحمّام. اليوم وفي ظل البقاء في البيت، يجد الأبناء والبنات، لا سيما المراهقين والشباب، أنفسهم في مرمى نصائح الأهل ووعظهم وإرشادهم طيلة ساعات النهار والليل.

وعما يحدث في الليل في زمن "كورونا" يحكي أدهم نبيل، 26 عاماً، مهندس كمبيوتر، ويقول "كنت أقابل أبي ليلاً مصادفة في المطبخ، فهو يعود من عمله في ساعة متأخرة من الليل، وأنا أتناول وجبتي الرئيسة بعد عودتي من عملي ثم الخروج مع أصدقائي مساءً. في هذه الدقائق المعدودة، كان يمطرني بحديث المساء عن مخاطر التدخين لعلمه أنني مدخن بينما هو ممسك بالسيجارة، وينهال على رأسي بمطالبات الإسراع بالعثور على ابنة الحلال، وها أنا اليوم، وبفعل عملنا جميعاً من البيت، أجد نفسي عرضة لأحاديث الوعظ والإرشاد كلما اضطررت للذهاب إلى الحمام أو تحضير القهوة، وأشعر أن حالتي النفسية ستعتل ولن تصمد لأسبوع حظر آخر".

مراجعة العلاقات الأسرية
أسابيع الحظر وما تحتويه من كشف النقاب عن سكان البيوت وعلاقاتهم ببعضهم البعض وضرورة مراجعتهم الكثير من أسس التشارك الأسري في مكان السكن وفضاء المصلحة العامة المشتركة، بالإضافة إلى الاحتياجات النفسية لكل على حدة واحترام الاختلافات وقبول التغيرات التي حدثت في غفلة ما قبل "كورونا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المثير أن هذه الاكتشافات والانكشافات لا تعترف بالفروق الاجتماعية أو الاقتصادية أو التعليمية. البيوت كلها في هواء الحظر سواء. ربما تكون بيوت أصحاب الفئات الاقتصادية الأقل أكثر توتراً من حيث سُبل تأمين لقمة العيش ما ينعكس في عصبية العلاقات بين أصحابها، لكن في المقابل أصحاب البيوت الأوفر حظاً اقتصادياً يعتريهم التوتر جراء تأمين مستوى المعيشة نفسه في ضوء الانهيارات الاقتصادية المتوقعة بفعل "كورونا"، وربما تكون البيوت ذات المساحات الأكبر أكثر قدرة على توفير حيز أكبر للخصوصية ومجال أوفر للحفاظ على الاستقلالية، لكن الإفراط في الخصوصية في "زمن كورونا" يضعف المناعة النفسية ويطلق العنان للقلق والفزع، مقارنة بالبيوت محدودة المساحة، حيث تقارب سكانها الإجباري يفسح المجال لنكتة هنا أو دعابة هناك يسمعها الجميع رغماً عنهم.

ويمضي الحظر المنزلي قدماً مستمراً في عمل انكشافات، وإحراز اكتشافات، وإفساح مجال للتخطيط لتغيرات وإعادة هيكلة لما أكل عليه زمن ما قبل كورونا وشرب، وتجذير ما تم اكتشافه من محاسن لولا "كورونا" لظلت تحت طبقات الحياة متسارعة الإيقاع متعاقبة الأحداث. جانب مما يجري سواء بوعي أو من دونه، هو إعادة ترتيب الأوضاع الأسرية في ضوء أبواب البيوت المغلقة بفعل الحظر.