Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نائب ألماني: التضامن الأوروبي توقف عند حدود كل دولة بعد ظهور كورونا

جوزف نيومان لـ"اندبندنت عربية": عدم تطبيق قرار مركزي أدى إلى ما يشبه الفوضى في تنظيم الأمور

النائب الألماني جوزف نيومان ممثل الحزب الديمقراطي الإشتراكي في برلمان مقاطعة شمال الراين-وستفاليا ورئيس لجنة الصحة في البرلمان (صفحته الرسمية)

سرعة انتشار فيروس كورونا المستجد في أنحاء متفرقة من العالم أثارت الريبة والهلع، خصوصاً مع تزايد عدد الوفيات والمصابين. ومنذ بدء تفشي الوباء الجديد في مدينة ووهان الصينية، وحتى تحوله إلى جائحة، كثرت التقارير التي تتحدث عن أعراضه وكيفية انتشاره، لا سيما في أوروبا التي أضحت بؤرته. ولم تسلم ألمانيا من تغلغل الفيروس فيها. وللوقوف عند الإجراءات الصحية التي اتبعتها سلطاتها وتحديداً في مقاطعة شمال الراين، وستفاليا، والتي فيها ظهرت أولى الإصابات، كان لا بد من لقاء مع النائب جوزف نيومان، ممثل الحزب الديمقراطي الاشتراكي في برلمان المقاطعة، هو المسؤول عن وضع السياسات الصحية داخل حزبه، ورئيس لجنة الصحة في البرلمان. وقد تناولت المقابلة مواضيع عدة أثارت أسئلة كثيرين حول العالم، ومنها مستقبل الاتحاد الأوروبي بعد الأزمة. فالإصابة الأولى التي سُجلت في مقاطعة شمال الراين، وستفاليا كانت في 25 فبراير (شباط) 2020، وبعد عشرة أيام بلغ عدد الإصابات 195، ثم وصل إلى 1154 في فترة وجيزة. فسألت النائب نيومان عن سبب تفشي الفيروس بهذه الوتيرة السريعة في المقاطعة؟ فقال إن "ارتفاع عدد المصابين في مقاطعتنا، يتعلق بالفيروس نفسه وطريقة تفشيه. أولاً نحن لم نكن نعرف الكثير عن هذا الفيروس المستجد، وفي البداية لم تكن لدينا معلومات كافية عن السبل التي يتبعها للانتشار. وبعد مدة من بدء انتشاره عرفنا أنه ينتقل بين الأشخاص وفقاً للمعادلة الهندسية، أي بتضاعف الأعداد، فشخص واحد ينقل العدوى إلى عشرة آخرين، وهؤلاء ينقلونها إلى 100، والـ100 إلى 1000، وهكذا دواليك... وهذا لم يكن في حسباننا في البدايات".

التأخير في  الاستجابة للأحداث

أما عن تأخر إغلاق المدارس وحضانات الأطفال، والسماح بمهرجان غانغليت، على الرغم من أن الفيروس كان قد بدأ بالانتشار، فجاء تبرير النائب عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي كالآتي: "رسمياً، تبلغنا بوجود إصابتين بفيروس الكورونا في مقاطعة هاينسبرغ القريبة خلال المهرجان الذي تتحدث عنه، وكان ذلك في 25 فبراير. وسريعاً تقدّمت باقتراحين إلى وزارة الصحة لتحديد الإجراءات الكفيلة بمنع تفشي الفيروس. الاقتراح الأول، وضع اليد على المعدات والأدوات الطبية كافة الموجودة في الأسواق والتي تساهم في الحد من انتشار العدوى، كالقفازات البلاستيكية والكمامات والملابس الطبية التي يحتاجها الأطباء والممرضون الذين يتعاملون مباشرة مع المصابين، وذلك تحسباً لانتشار واسع كنا نتوقّعه. أما الاقتراح الثاني فكان أن يُقام في كل مدينة مركز صحي مستقل عن المستشفيات، مخصص لإجراء الفحوصات لمن يرغب في إجرائها، ولكل من يشكّ في أنه قد يكون مصاباً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفضت وزارة الصحة والمستشفيات وكذلك الأطباء وعلماء الفيروسات اقتراحاتي هذه، بعدما اعتبروا أن الأمر ليس بهذا السوء ولا يحتاج إلى هذا الاستنفار العام. وكانت حجتهم أنه لا حاجة للتهويل وبث الخوف بين المواطنين، وقرروا الاكتفاء بمراقبة تطوّر الأوضاع، لأنهم اعتقدوا أن هذا الفيروس كغيره من الفيروسات العادية كالإنفلونزا. وحتى بعض المختبرات المشهورة عالمياً بأبحاثها حول الفيروسات واكتشاف لقاحات لها، أخذت الموقف نفسه، ولم تقم برد فعل سريع وكاف".

ويبقى السؤال عن سبب عدم إعلان حظر التجوّل الإجباري في ألمانيا في حينه، وحتى اليوم؟ والقرار الأخير الذي جاء متأخراً وهو عدم التجمّع لأكثر من شخصين، ما أظهر أن الحكومات في المقاطعات وفي المركز لم تأخذ قراراً حازماً بالحجر التام حتى الآن. النائب نيومان يرد على هذه المسائل بالآتي: "جرى النقاش في الأسابيع الأخيرة حول ما إذا كان علينا أن نعلن حظر تجوّل كلي، أم مجرد حظر التواصل بين الأشخاص.

برأيي يجب تطبيق حظر التجوّل لأنه يساهم بالتأكيد في الحدّ من انتشار الفيروس، وهذا ما أقرته مقاطعة بايرن مثلاً، وسمحت لمواطنيها بالخروج في حالات الضرورة القصوى فقط. وهناك مدن كثيرة في ألمانيا أعلنت حظر التجوّل الكلي وأقفلت حدودها أمام الداخلين والخارجين. ولكن هذا لا ينطبق على سائر الأراضي الألمانية.

الإختلاف في الإجراءات

أما سبب اختلاف الإجراءات بين المناطق فهو يعود إلى قانون في ألمانيا يسمى "قانون حماية الأفراد من العدوى"، والحكومة المركزية في برلين لا يمكنها اتخاذ القرار بتنفيذ هذا القانون على سائر الأراضي الألمانية، إلا بالتشاور مع الحكومات المحلية التي لها الحق باتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة بحسب الأوضاع الصحية فيها. لذا فإن عدم وجود قرار مركزي يطبّق على المقاطعات كلها بالطريقة ذاتها، أدى إلى ما يشبه الفوضى في تنظيم الأمور وتأخّر في اتخاذ القرارات الناجعة.

أما بخصوص إغلاق المدارس والحضانات، فقد اقترحت داخل الأطر الحزبية، في الخامس من مارس (آذار)، باتخاذ إجراءات إضافية لإغلاق المدارس على أنواعها حماية للتلاميذ ولأهلهم ولحماية كل العاملين في هذا القطاع. وقد تلقيت الإجابات ذاتها في داخل الحزب، أي أننا نعظّم الأمور وندفع إلى التهويل.

لكن في الحادي عشر من مارس عقد برلمان المقاطعة جلسة جرت فيها مناقشات حادة حول الإجراءات التي يجب اتباعها لمواجهة الفيروس المستجد، فطلبت شخصياً من وزير الصحة أن يأخذ الأزمة على محمل الجدّ، وألا يستخفّ بما ستجلبه لنا في المستقبل القريب جداً، وأعدت التأكيد على وجوب إغلاق كل المدارس على أنواعها. ولكن هذه الاقتراحات لقيت بدورها اعتراضات داخل البرلمان.

مرّت ثلاثة أيام على هذا الاجتماع وكان عدد المصابين إلى ارتفاع، حتى قررت الحكومة المحلية إغلاق المدارس، وسكتت الأصوات المعترضة.

ثم أخذنا مواقف أخرى منها حظر التواصل بين أكثر من شخصين. ومنعنا زيارات المرضى في المستشفيات وزيارة دور المسنين والعجزة، وأقفلنا دور المعوقين إلا الحالات الخاصة جداً، الذين لا يمكن عائلتهم رعايتهم. وبخصوص دور الحضانة أقفلناها كلها، إلا في حالات محددة، كالأطفال الذين يعمل أهلهم في القطاع الصحي من ممرضين وممرضات وأطباء، وكذلك الأهل العاملون في النقل العام أو في الأعمال البلدية كشركات توزيع الغاز أو عمال النظافة... وقد أصدرنا قراراً بتحرير محاضر ضبط مالية بحق المخالفين".

التقصير الأوروبي؟

جوزف نيومان لا ينفي التقصير الأوروبي عند بداية الوباء، ويضيف "في البدء، لم تتعامل الدول الأوروبية بجدية مع الموضوع، والسبب هو الاستخفاف بالوباء نفسه، إذ اعتبروه وكأنه إنفلونزا عادية. وبالتحديد في إيطاليا في لومبارديا، حيث لم تتخذ الحكومة المحلية أي إجراءات حقيقية لتلافي الأسوأ، على الرغم من تأزم الوضع هناك وارتفاع عدد المصابين بشكل جدي. واستمر السكان بالعيش كما لو أن شيئاً لا يحدث، وحتى حين اتخذت الحكومة هناك بعض إجراءات الحجر، لم يأخذوها مواطنو المقاطعة الإيطالية على محمل الجد. وهذا الأمر ينطبق على مقاطعات ومدن أوروبية كثيرة، وليس في إيطاليا فقط". وعن مصير مبدأ "التضامن" بين الدول الأوروبية الذي نشأ على أساسه الاتحاد الأوروبي، يقول نيومان "على مستوى الاتحاد الأوروبي جرى التداول بأزمة وباء الكورونا المستجد في وقت متأخر. وقامت كل دولة باتخاذ قراراتها حول مواجهة الأزمة وحدها، كلّ بحسب الحالة السارية فيها، ولم يكن هناك من تنسيق عام بين تلك الدول.

أعتقد أن السبب هو مرور أكثر من نصف قرن على آخر جائحة تصيب أوروبا، لذا فإن الاتحاد لم يكن مهيئاً لمواجهة جائحة صحية بهذا الحجم. وبسبب الصدمة أو المفاجأة اتخذت كل دولة إجراءات على حدة، وكان من أهم مساوئ عدم التنسيق أن دولاً أوروبية كانت تصدّر الأدوية إلى الدول الأخرى قامت بوقف التصدير واحتفظت بكل أنواع الأدوية لنفسها. وأنا أعترف أن الاتحاد الأوروبي لم يدرّ الأزمة بشكل جيد، ولم يكن مثالاً يُحتذى به في هذا المجال. بل قامت بعض الدول الأوروبية بتقليص أطرها الدستورية، مثل توقف برلمانات كثيرة عن الانعقاد بحجة تفشي الفيروس، على الرغم من أن هذه الأزمة هي الوقت الأهم لانعقاد البرلمانات للعب دورها التشريعي ومراقبة الحكومات. هذا في داخل الدول. أما على المستوى العام فبرأيي أن التضامن الأوروبي اليوم ينتهي عند حدود كل دولة، وكأننا في أوروبا السابقة على الاتحاد الأوروبي".

هل ستتغير الأنظمة السياسية

سألت نيومان هل يوافق بالرأي ما قاله عالم الاجتماع الفرنسي جاك أتالي بإن نوع الأنظمة السياسية ستتغير، وإن أولويات الناس ستختلف؟ فرد "الإجابة عن هذا السؤال معقّدة... لنأخذ مثالاً بعد الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم بين عامي 2008-2009، اعتقد علماء الاجتماع وغيرهم من منظّري مصائر المجتمعات أن العالم سيتبدّل وأن قيمه ستتغيّر، وأن التعاملات الاقتصادية ستجري بشكل مختلف عما كانت عليه قبل الأزمة. لكن ما حدث بعد انتهاء المشكلة كان أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه بلا أي تغيير. أما في يخص مواجهة جائحة جديدة تصيب العالم في المستقبل، فأنا أعتقد أننا سنسمع رأيين، الأول ينادي بالدولة المركزية حيث يتخذّ المركز كل القرارات المتعلقة بالدولة على أراضيها كافة. وقد بدأ الأمر منذ الآن في بعض الدول الأوروبية كهنغاريا. أما الرأي الثاني، فسيرفض العودة إلى المركزية والتقوقع مع شرط وضع قوانين وتشريعات عالمية مشددة في خصوص التضامن والمساعدة المتبادلة بين الدول والشعوب، وكذلك في ما يتعلق بحماية البيئة والطبيعة، أو كوكب الأرض، الذي يتم استنزافه على كل الصعد وبوتيرة متصاعدة. فما ستتعلمه البشرية من هذه الجائحة أننا في مركب واحد، وأن مثل هذه الجوائح ستُحدث ثقوباً في هذا المركب إذا لم تتم رأبها بمشاركة الجميع تضامناً وحرصاً. فثقب صغير قد يؤدي إلى غرقنا جميعاً في النهاية. وأرى أن ما سيتغير بعد هذه الجائحة هو تصاعد الاهتمام بنوع معيّن من المهن والقطاعات، وعلى رأسها كل ما يتعلق بالقطاعات الصحية".

*الترجمة من الألمانية إلى العربية بين المراسل والنائب جوزف نيومان تولتها فداء سبيتي

المزيد من مقابلات