Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الحرفيون السودانيون" يتجاهلون "كورونا"

انتقادات للحكومة بإقامة عزاء لوزير الدفاع

عاملون في مهن يومية يدركون حجم المخاطر الناجمة عن استمرارهم في أعمالهم... لكن ليس لديهم بديل آخر (حسن حامد)

على الرغم من القرارات الصادرة عن السلطات السودانية بمنع التجمعات ومنح إجازات للعاملين في القطاعات كافة لمحاصرة وباء "كورونا"، ظلّ أصحاب المهن الحرفية والأنشطة اليومية مستمرين في أعمالهم، غير آبهين بما اتُّخذ من إجراءات وقائية للحيلولة دون انتشار هذا الوباء القاتل، ومتناسين نداءات نقاباتهم التحذيرية من ممارسة أعمالهم في هذه الفترة الحرجة، والسبب ليس تحدياً أو تجاهلاً لكل هذه التحذيرات، بل لأنّ الأمر متعلّق بتوفير لقمة العيش اليومية لمن يعيلونهم، وهو ما لم تستطع الحكومة السودانية توفيره لهم، وإلاّ سيكونون عرضة للجوع والفقر.

وفي ظل هذا التشدّد الذي صاحبه تطبيق حظر التجوال من الثامنة مساء حتى السادسة صباحاً، واجهت حكومة السودان انتقادات واسعة لخرقها الضوابط الاحترازية التي أصدرتها لمجابهة هذا الوباء، وطلبها من السكان الالتزام بها، ومن بينها منع مناسبات الأفراح وسرادق العزاء، بنصب خيمة وسط أحد الأحياء السكنية في العاصمة الخرطوم لتقبل التعازي برحيل وزير الدفاع الفريق جمال الدين عمر الذي توفي في عاصمة جنوب السودان جوبا، الأربعاء الماضي، بذبحة صدرية مفاجئة خلال مشاركته في مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، من دون أي اعتبار للوضع العالمي لوباء "كورونا"، ما يثير سؤالاً ملحاً وهو، هل تستطيع الحكومة بعد هذه الحادثة التي شارك فيها وزراء ومسؤولو الدولة من عسكريين ومدنيين، منع المواطنين السودانيين من تشييع موتاهم وإقامة سرادق عزاء لهم بالطريقة ذاتها.

وبشأن المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها العمالة اليومية في السودان جراء هذا الفيروس، خصوصاً أنها الأكثر تضرّراً من قرار التوقف عن العمل، يؤكد عدد من العاملين في مهن يومية مختلفة لـ"اندبندنت عربية" أنهم يدركون حجم المخاطر الناجمة عن استمرارهم في أعمالهم وهو ما قد يعرضهم للعدوى بهذا الوباء، لكن ليس لديهم بديل آخر أو مبالغ مدّخرة لسدّ حاجاتهم في مثل هذه الظروف الاستثنائية، فضلاً عن أن الدولة عاجزة عن المساعدة، لذلك أهون عليهم عملهم والمخاطرة بصحتهم من أن يعرّضوا أسرهم للعوز والجوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رزق اليوم

ووفقاً لصلاح جوده، الذي يعمل في مهنة السباكة، فإنّه من الصعب أن يتوقف عن العمل مهما كانت الظروف، ما عدا حالة المرض، لأنه يعيل أسرة كبيرة تتكوّن من 10 أفراد وزوجتين، فهو يعتمد على الرزق اليومي الذي يأتيه من عمله ويصرفه على أسرته، مشيراً إلى أنه لا يعرف طريقاً للادّخار وليس لديه حساب في البنك لأنّ مصاريفه اليومية تفوق مداخيله، وفي كثير من الأحيان يلجأ إلى الاستدانة من زملائه في العمل وأصدقائه. بالتالي، لا يمكنه بأي حال من الأحوال التوقف عن العمل.

ويضيف "أعرف مخاطر كورونا وانتشارها في كل مكان، وسمعت التحذيرات وأهمية الوقاية التي أعلنتها وزارة الصحة، وأتابع نشرات الأخبار في التلفزيون يومياً، لكن من يعينني في تأمين حاجات أسرتي. فهذا هو المحك، لذلك لا يمكنني سوى التوكل على الله ومواصلة عملي مع التقيد بالتعليمات، خصوصاً غسل اليدين قبل الأكل والشرب".

تغطية الالتزامات

ويقول أزهري شريف، وهو كهربائي سيارات، "نحن عمال نعتمد على الدخل اليومي، ما قد يكفي مصاريف أسرتك وحاجاتها اليومية، وقد لا يكفي في أحيان كثيرة حسب الزبائن الذين يأتون لإصلاح سياراتهم، ومعظمهم موظفون يعانون أيضاً من غلاء المعيشة وعدم تغطية مرتباتهم لمصاريف معيشتهم الشهرية، لذلك لا يدفع معظمهم إلاّ مع نهاية الشهر. أما الزبائن غير المعتادين، فهم قلة ولا تغطّي دفوعاتهم متطلبات أسرتي اليومية. بالتالي، لا يمكن أن أتوقف عن العمل بسبب الوباء مهما كانت الظروف، لأن ليست هناك جهة حكومية أو مجتمع أو نقابة تستطيع تغطية التزاماتي المعيشية". ويشير إلى أن المخاوف من العدوى موجودة والأمر ليس تحدّياً، لأنّنا نشاهد في التلفزيونات كيف ينتشر الوباء ومدى خطورته، لكن مع ذلك، لا يمكن أن نتفرّج على أبنائنا وهم جياع، وما نستطيع فعله الآن هو التقيد بشروط السلامة في العمل، وفي النهاية، نحن مؤمنون بأنه لن يصيبنا إلاّ ما كتبه الله لنا.

صندوق مالي

ولكن كيف تنظر النقابات الحرفية لمثل هذه المخاطر ودورها في مساعدة عضويتها في مثل هذه الظروف المعقدة والقاهرة في الوقت ذاته؟ يوضح الناشط النقابي السر محمدين لـ"اندبندنت عربية" أن "المشكلة الحقيقية هي أنّ هذا الوباء ظهر في وقت تمرّ النقابات السودانية بمرحلة انتقالية من خلال لجان تسيير جديدة للإعداد لانتخابات عامة، بعدما كانت تلك النقابات تتبع للنظام السابق ولم تكن نقابات مطلبية تراعي حقوق العاملين بقدر ما هي مجرد بوق للدفاع عن النظام والعمل على تثبيت أركانه. لذلك، فإنّ معظم هذه النقابات ليس بمقدورها فعل شيء في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم غير التوعية بمخاطر هذا الفيروس من خلال اتّباع شروط السلامة الصحية وتوفير بعض المساعدات ولا سيما الكمامات ومواد التعقيم وتوفير مغاسل متحركة في أماكن تجمعات العمال مجاناً، وهي جهود وفّرتها جمعيات طوعية وأفراد ميسورو الحال".

ويشير إلى أنّ ما يخفّف عن عددٍ كبيرٍ من العمال الذين تأثرت أعمالهم بهذا الوباء أن المجتمع السوداني مشهود له بالتكافل الاجتماعي، فضلاً عن المبادرات التي يقودها شبان داخل الأحياء بجمع تبرعات لتوفير مواد غذائية للأسر المحتاجة، وهي مبادرات وجدت تجاوباً شعبياً كبيراً، خصوصاً أن رقعتها اتّسعت لتغطّي معظم المدن والمناطق، منوهاً إلى أن هذه الأزمة الصحية ستجعل النقابات المهنية، بخاصة العمّالية، أكثر يقظة لوضع خطط وبرامج طموحة للتعامل مع الظروف الحرجة التي قد تواجه منتسبيها، كما هو ماثل الآن.

ويضيف "من أهم المشاريع التي يجب أن تفكر فيها هذه النقابات مستقبلاً، إنشاء صندوق مالي يكون مصدر دخله من الاشتراكات الشهرية وتبرعات أصحاب الأعمال والدعم الحكومي، فضلاً عن التفكير في حقائب استثمارية، توجّه مجمل عوائدها لتغطية حاجات الأعضاء الطارئة".

مساعدة المحتاجين

ودفعت هذه الظروف عدداً كبيراً من الدعاة وأئمة المساجد إلى الحضّ على مساعدة المحتاجين الذين تضرّروا من آثار هذا الفيروس، ولا سيّما مَن فقدوا فرصة عملهم، والمجالات التي تأثرت أيضاً في الظروف الحالية، منوّهين بالمبادرات المجتمعية التي أطلقتها مجموعات عدّة للتخفيف من وطأة هذا الوباء سواء بتوفير المعينات الصحية والطبية للمستشفيات والأفراد وتوعيتهم للوقاية من هذا الفيروس أو بتقديم العون المادي والعيني للمتضررين والمحتاجين من الناس.

استقرار حالة المصابين

والجدير بالذكر أنّ السودان سجّل حتى الآن ومنذ ظهور وباء "كورونا" في الصين نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2019، ثلاث إصابات بالوباء، بينها شخص إسباني الجنسية يعمل في إحدى المنظمات الدولية، وسودانيان، وتوفي المصاب الأول قبل أيام، في حين أن كل الإصابات مصدرها خارج البلاد.

وأكدت مصادر طبية استقرار الوضع الصحي للمصابين المعزولين حالياً في مستشفى للطوارئ في الخرطوم، في وقت شكّلت لجان المقاومة التابعة للحي الذي يقع فيه المستشفى، فريقاً شرع في نشر التوعية بين السكان وإعطاء التعليمات التي يجب اتّباعها لمجابهة هذا الوباء، وفق توجيهات منظمة الصحة العالمية.